مطلوب كثير من الوعي والقراءة... ممكن؟!

A+
A-
أطفال في مكتبة بمحافظة جيانغيونغ في مدينة يونغتشو بمقاطعة هونان في وسط الصين. (شينخوا)

أطفال في مكتبة بمحافظة جيانغيونغ في مدينة يونغتشو بمقاطعة هونان في وسط الصين. (شينخوا)

قراءات جيل الشّباب العصرية، تتّبع منهاج وزارة المعارف وما تُمليه عليهم الجامعات والكليات فقط، لا يقرأون الكتب الأدبية المفيدة جدًّا لهم في هذه المرحلة من أعمارهم. الانغماس فقط بالجانب الدراسي غير كافٍ، فيه إهمال لتطوُّر عقولهم، المحتاجة لتغذيَة معلوماتيَّة دائمة. غالبية أبناء هذا الجيل يرفضون إلقاء نظرة على الكتاب، لأنه ينتابهم شعورًا أنهم يُلقون النَّظرة الأخيرة على نعش راحتهم، هذا بنظري أمر مُحزِن للغاية، لأنّهم يجهلون أنّ القراءة هي عقيدة أزليّة لا تنتهي، محرابها يهدِّئ النُّفوس، يجب احترامه.

يبدأ الوعي الاجتماعي يأخذ مساره الحقيقي، عندما يبذلون الشّبّان قصارى مجهودهم الذّهني بالتّركيز على القراءة لمدَّة نصف ساعة، لتنقية عقولهم من شوائب "قراءاتهم الضَحلة". المطلوب منهم التمسُّك بالوعي، لتحسين جودة استيعابهم... يا ليت هذا الجيل يهتم قليلاً بالقراءة، قدر ما يهتم "بمنتديات الفيسبوك"، وتَبِعاته السّخيفة التي "تضمن" له ألوانًا فاقعة بالسخافات.

اليوم القراءة الهاتفيَّة الذَّكيَّة تفرض على أبناء هذا الجيل قراءة المعروض أمامهم على شاشاتهم دون جهد يُذْكَر، أي لا يحبّون "إنهاك" نفسهم بالقراءة المطوَّلة، كل شيء يريدونه مستعجَلًا، كأنهم يعيشون حالة طوارئ شبابيَّة!! عِلمًا أنه تقصير كبير من قِبَلِهِم، وعدم انتباه لتصرفاتهم "المُطوَّرة" التي كفَّت أيديهم عن مَهَمَّة القراءة، لأنَّها "تستهلك أوقاتهم" على شيء عديم الإثارة!!

مكتبات هذا الجيل الجديد مخصَّصة لكتبهم العلميَّة، ممنوع أن تتضمّن أي كتاب آخر، لأنّه "يُفسِد ذوقهم العلميّ"، باختصار معظمها أحاديّة الاهتمامات، علميّة الجانب فقط... بعد انتهاء فريضة التعليم الإلزاميَّة، تُصبِح أي قراءة خارج حدود دراستهم، أجسامًا غريبة، تُحلِّق في أجوائهم، يهابون الاقتراب منها، لأنّها فرضًا مقيتًا عليهم، ينسون أن مستقبلهم سيتبلور من خلال تراكُم القراءة الصحيَّة والصّحيحة، لذا يسعى شبّان وفتيات اليوم لاستبعادها عن خريطة طموحاتهم.     

للأسف معظم المنازل، خالية من المكتبات، بدون تخصيص غرفة أو حتّى زاوية لمكتبة، لأنّها تحت أحكام السيِّدات العصريَّة، إذ يتحكّمن بالمحتويات الدّاخليَّة لمنازلهن، الخاضعة لميولهن الأنثويَّة، فتغدو معرضًا للتُّحف الثَّمينة، لأنهن ينظرن إلى الكُتُب كترفٍ ثانوي غير مُبهِر، لكثرة انشغالاتهن المنزليَّة، أو نشأن في بيئة ثقافية مُحْبَطَة، فاهتمام "السيِّدات الرّاقيات" مُنْصَبٌّ في الأشياء الفوريَّة، مثل تَفَقُّدهن لمواقع التواصل بأصابعهن الرّشيقة، من خلال هواتفهنَّ. عندما ندخل إلى بعض البيوت تجدها مُعقَّمة من وجود أي صحيفة أو حتّى مجلَّة، وكأن هناك حظر عائلي صارم مفروض على القراءة، فتجد هذه البيوت كمعرض للموبيليا فقط!!  

الأهالي الكادحين وظيفيًّا لا يهتمّون أيضًا بالقراءة الورقيَّة، أي بحمل الكتاب بشكل فعليّ، لأنه بنظرهم بات "مُستَهْلَكًا"، لن يُضفي لهُم أي جديد، وأداة وعيهم لا تُمَيِّز بين نَص الكتاب الجيد والرّديء بل دائمي الدّوران حول محاور مسلِّياتهم الحديثة، نراهم يُمسكون بالكتاب بشكل مُنَفِّر، يتصفّحونه بسرعة كالمروحة لترويح جهلهم المتكدِّس في فكرهم. من جهة أخرى نجدهم يقرأون جيِّدًا برنامج رحلاتهم الخارجيَّة، على أساس أنها مشاريعهم الاستثماريّة للرَّبيع القادم الأكثر استمتاعًا، والأكثر طلبًا مع اقتراب موسم الحملات، لذا يصنِّفون موسم الكتاب الذي يدعو إلى الاهتمام بعض الشيء بالقراءة، تحت تصنيف هامشيّ.

دوُر النَّشر الإسرائيليَّة حوَّلَت الكتاب التقليدي إلى كتاب إلكتروني، يعمل إمّا على الهاتف الذّكي أو الحاسوب اللوحي، من خلال تنزيل تطبيق مُخصَّص لمثل هذه النوعيَّة من الكتُب التي تُسمّى eBook، وتهدف إلى تحفيز أبناء هذا الجيل على التقرُّب بطريقة ممتعة من الكتاب ولو كان بصورة افتراضيَّة مُستحدَثة، ما يتلاءم مع تطلُّعاتهم الرَّقميَّة. هناك هدف آخر من إصدار الكتاب الإلكتروني، وهو كي توفر عليها دور النَّشِر تكاليف الطِّباعة الباهظة، لانعدام المنافسة، نتيجة عدم تشجيع القراءة.

الكتاب الإلكتروني دارج كثيرًا لدى الإسرائيليين، أمّا نحن فإنّ رفيقنا الدّائم الهاتف الذّكي الجهاز المعلوماتيّ المحبَّب. لا يعلم الكثيرون أن القراءة ليست فقط للتسلية، إنّما تمزِّق ستار الوحدة الذي يحجب عن الإنسان أضواء الحياة، تحرق سعرات الانتظار المشتعلة في مساحة ملله، لذا المطلوب منا "جرأة ذاتيَّة" لنُمارس رياضة القراءة، كما نمارس رياضة المشي، بهدف إخراج الذّاكرة من خمولها، لنساعدها على إعادة تشغيلها بشكل عمليّ.

قد يهمّكم أيضا..
featured
يوسف جمّالي
يوسف جمّال
·2026-01-16 12:26:44

وُلد انبعاثي مع انبعاثك

featured
ناظم حسونن
ناظم حسون
·2026-01-16 12:25:33

على ناصية الطريق للكاتب معين ابوعبيد

featured
زهير دعيمز
زهير دعيم
·2026-01-16 12:22:46

"على ناصية الطَّريق" اصدار جديد للكاتب معين أبو عبيد

featured
مفيد مهنام
مفيد مهنا
·2026-01-16 12:07:15

زرار الثياب

featured
مارون سامي عزامم
مارون سامي عزام
·2026-01-16 12:05:29

مطلوب كثير من الوعي والقراءة... ممكن؟!

featured

سرديَّة الوطن الواحد في رواية عفيفة بنت المختار للأديب يوسف حجازي

featured
نمر نمرن
نمر نمر
·2026-01-16 11:53:19

وَرْدُ الشّام / سعيد نَفّاع

featured

سفربرلك للدكتور خالد تركي، نداء رفاقيّ لمتابعة درب النِّضال