كتاب "الوطنية والمواطنة -رؤيا لتجديد المشروع السّياسي للفلسطينيين في إسرائيل"   لأيمن عودة.

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

 

يقدّم الأستاذ أيمن عودة من خلال هذا الكتاب الصّادر عن دار النّشر: "مكتبة كل شيء"- حيفا، 2023. رؤية سياسية وفكرية تقدّم أطروحات حول المشروع السّياسي الفلسطيني داخل إسرائيل، من أبرز ما يطرحه الكتاب ربطه الواضح بين القضايا الوطنية والقومية والاجتماعية والثّقافية الكبرى وهموم الحياة اليومية للمواطن العربي. ونجد أنّ عودة لا يتعامل مع المواطنة الإسرائيلية بوصفها هويّة بديلة للهويّة العربية الفلسطينية أو حالة اندماج، بل كساحة صراع ثقافي وقانوني وسياسي وشعبي. ممّا يقارب طرح توماس همفري مارشال (T. H. Marshall) الّذي يرى أنّ المواطنة ليست وضعًا ثابتًا، بل مسارًا تاريخيًا من الصّراع على الحقوق المدنية والسّياسية والاجتماعية. المواطنة هنا أداة كفاحية يمكن توظيفها لانتزاع الحقوق وكشف التّمييز، دون إلغاء الهويّة الوطنية أو كيّ الوعي الوطني أو العروبي. ويرى الكاتب رغم كونه نائبًا في الكنيست منذ عام 2015، أنّ العمل البرلماني ليس غاية بحد ذاته، ولا حتّى وسيلة تبرّر الغاية، بل أحد أدوات النّضال يرافقه التّنظيم الشّعبي والعمل الجماهيري والمعوَل الثّقافي، وهذا الطّرح يذكّر بتمييز ماكس فيبر (Max Weber) بين "أخلاق القناعة" و"أخلاق المسؤولية"، حيث لا تُقاس السّياسة بنقاء النّوايا وحدها، بل بقدرتها على إحداث أثر فعلي في الواقع. لذلك فإنّ الكتاب يقدّم خارطة فكرية وسياسية واجتماعية وثقافية وحزبية أيضًا (الحزب الشّيوعي الإسرائيلي-الجبهة الدّيموقراطية للسّلام والمساواة)، رغم أنّني كنت أودّ لو أنّ أيمن خصّص للموضوع الحزبي كتابًا خاصًّا، وأبقى هذا الكتاب لرؤيته الشّمولية غير المتعلّقة بحزب محدّد.

يقدّم الكتاب سردًا تاريخيًّا للتّنظيم السّياسي للفئة الّتي بقيت في أرضها التّاريخية بعد نكبة عام 1948، وتطوّرها من خلال تأثّرها بمحطّات وأحداث تاريخية هامّة ومنها الحكم العسكري وانتهائه عام 1966، وأحداث يوم الأرض، وغيرهما على الصّعيد الدّاخلي، والتّأثر من الأحداث الفلسطينيّة والعربيّة الدّوليّة العامّة، ومن بينها نكسة عام 67، وتصاعد حضور منظمّة التّحرير الفلسطينية، منذ معركة الكرامة عام 1968، والاعتراف العربيّ بمنظمّة التّحرير الفلسطينية ممثّلاً شرعيًا وحيدًا للشّعب الفلسطيني، وتأكيد الهويّة الفلسطينية عالميًّا في مرحلة الظّهور في الأمم المتحدّة ونيل صفة مراقب عام 1974، واحتلال الضّفة والقدس الشّرقية وقطاع غزّة عام 67، ممّا أدّى إلى عودة اللّقاء بين شقيّ الشّعب الفلسطيني في الوطن والّذي كان منقطعًا منذ النّكبة، هذه الأحداث وغيرها انعكست على وجدان الأقليّة العربية الفلسطينية في إسرائيل، ممّا أدى إلى بلورة الهويّة الوطنية بتطّلعات متجدّدة، احتاجت إلى تجديد الرّؤية الوطنية إضافة إلى إدارة المواطنة بأدوات مختلفة، تمزج بين النّضال لأجل الحقوق المدنية، والانتماء الوطني، وهي معادلة مركّبة وتزداد تعقيدًا في ظلّ تصاعد اليمين الإسرائيلي في العقود الأخيرة، وفي المرحلة الرّاهنة تحديدًا، وقد تكون هذه الحالة السّياسية من أشدّ الحالات السّياسية تعقيدًا على صعيد عالميّ في وقتنا الحاليّ، ممّا تحتاج إلى اجتهاد دائم ورؤية سياسية متقدّمة ومتجدّدة تواكب تغيّر الحالة وتنظر إلى المستقبل ببصيرة ثاقبة، ومسؤولية كبيرة، وحذر شديد في الوقت ذاته، وكلّ ذلك دون التّنازل عن الهويّة الوطنية، الّتي تتناقض مع جوهر وأهداف وخطاب وفعل ومخطّطات المؤسسة الإسرائيلية.  أنطونيو غرامشي (Antonio Gramsci) يقول: "الأزمة تكمن في أنّ القديم يموت، والجديد لم يولد بعد" لذلك نحتاج دومًا لتجديد الرّؤى والأدوات في ظلّ المتغيّرات الدّائمة، ولا نستطيع الاعتماد دومًا على المعادلات القائمة في أيّ سيرورة سياسية. وفي هذا السّياق يرى أيمن عودة أنّ الوطنية ليست مجرّد شعارات أو خطابًا وجدانيّا، وليست انسحابًا من الواقع القائم بل هي وعي تاريخي بالانتماء الفلسطيني، والتزام بالقضية الفلسطينية كقضية تحرّر، ولذلك من الضّروريّ أن تبقى ممارسة سياسية عقلانية تسعى للتّأثير لا للاكتفاء بالشّعارات والخطابات، فهي فعلٌ سياسيّ تستطيع فيه الأقليّة العربية الفلسطينية في اسرائيل التّأثير على مستقبل القضيّة الفلسطينيّة برمتّها، وخاصّة بعد أوسلو، وحلّ الدّولتين المعرقل منذ عقود، عبر وجود ممثّليها في الكنيست، ومؤسّسات مؤثّرة أخرى. ومن ناحية أخرى يرى عودة أنّ المواطنة تشّكل مساحة وساحة صراع وليست هويّة بديلة، وفي هذا السّياق يقول جان جاك روسو                             (Jean-Jacques Rousseau): "المواطنة تتطلب مشاركة فعلية في صياغة قوانين الدّولة لا مجرد التزام صامت بها."

وهنا يطرح مفاهيمه حول المواطنة، الّتي لا تشكّل اندماجًا في هويّة الدّولة، وليست قبولًا بتعريفها اليهوديّ، أو اعترافًا بقوانينها العنصرية وعلى رأسهم قانون القومية وقانون كِمِينِتس، وغيرهما من القوانين المجحفة والمعادية للمواطنين العرب في إسرائيل، لذلك تشكّل المواطنة أداة قانونية وسياسية وساحة ومساحة صراع يومي على الحقوق، ووسيلة لفضح التّمييز البنيوي، وتتلخّص رؤية الكاتب برفض ثنائية الاندماج أو المقاطعة، وينتقد الخيارين المطروحين خطابًا وعملاً من قبل فئات من السّياسيين والمواطنين العرب في إسرائيل وهما: الاندماج الكامل والتّنازل عن الهويّة الوطنية، أو الفكرة المضادة وهي الانسحاب الكامل من العمل السّياسي الإسرائيلي، ويقترح بدلًا منهما: اشتباكًا نقديًّا مع مؤسّسات الدّولة، ومشاركة واعية دون تطبيع أو استلاب. وهذا يدعو إلى بناء مشروع سياسيّ عربيّ متجدّد، متجاوزًا الخطاب الاحتجاجي التّقليدي، المنتقل من ردّ الفعل إلى الفعل، وبلورة مشروع سياسيّ طويل المدى يجمع بين الهوّية الوطنية والمواطنة ويقوم على: الالتزام بالهوّية الوطنية، والسّعي للمساواة المدنية، عبر الرّبط بين القضية الوطنية والعدالة الاجتماعية، فيقترح صيغة تقوم على وطنية فلسطينيّة راسخة، تُوجّه استخدام المواطنة دون أن تُذيب الهوية القومية أو تُفرغها من مضمونها التّحرري. ومن أدوات هذه المعادلة الضّرورية؛ التّحالف مع قوى ديمقراطية يهودية، يجد معها العربي الفلسطيني في إسرائيل نقاط التقاء، وهنا يطرح عودة مسألة هامّة وهي أنّ نقاط الالتقاء لا يمكن تكون كاملة سوى مع عدد قليل جدًا في المجتمع اليهودي، لذلك يتوجّب أيضًا المحاولات لطرح وعمل مشترك مع قوى يسارية ديموقراطية ليبرالية يهودية، نلتقي معها في نقاط مبدئية وإن كانت المنطلقات مختلفة، إلاّ أنّ الواقعية السّياسية والمصلحة الوطنية ومصلحة المواطنة تتطلّب ذلك، كون السّياسة هي فنّ الممكن في معظم الحالات. ومن هنا تكمن ضرورة بناء تحالفات ديمقراطية ليس بدافع الاندماج بل لتغيير موازين القوى، ويرى عودة أنّ عزل العرب الفلسطينيين مواطني إسرائيل سياسيًّا يخدم اليمين الإسرائيلي، ويزيد من الغبن الواقع على الفلسطينييّن داخل الخطّ الأخضر وخارجه، عدا الخطورة المنعكسة على القضية الفلسطينية والقضايا العربية عامّة. يرفض عودة اختزال الوطنية الفلسطينية في الخطاب العاطفي أو الرّمزي، ويرى أنّها يجب أن تكون فعلًا سياسيًّا واعيًا، يستند إلى الهويّة التّاريخية والانتماء القومي، لكنّه في الوقت نفسه يسعى إلى التّأثير في الواقع وتحسين شروط الوجود. هذا الطرح يتلاقى مع تصوّر بندكت أندرسون Benedict Anderson)) للأمّة بوصفها "جماعة متخيّلة"، لا تقوم فقط على الذّاكرة التّاريخيّة، بل على ممارسات سياسية واجتماعية تُعاد صياغتها باستمرار.

ويرى عودة أنّه لا تعارض حتمي بين الوطنية الفلسطينية والمواطنة الإسرائيلية، بل علاقة جدلية يمكن تحويلها إلى أداة نضال إذا جرى توظيفها بوعي سياسيّ نقديّ، ورؤية عقلانية وخطّة استراتيجية شاملة. إذ ليس المهمّ أن نحلم بالمستحيل، بل أن نعمل على الممكن ونحوّله إلى واقع. وهذه الجملة تلخّص رؤية الأستاذ أيمن عودة السّياسية. فبين الفعل السّياسي والبراغماتية الواقعية والوجدان المنتمي الّذي لا تنازل عنه؛ يتوجّب على القيادات السّياسية والشّعبية وحتّى مؤسّسات المجتمع المدني؛ الرّؤية والخطاب والعمل الواضح تحت سطوة الحاضر المركّب والمستقبل الغامض، وفي هذا السّياق يقول ماكس فيبر (Max Weber): "أخلاق القناعة ليست كافية، السّياسة تحتاج إلى أخلاق المسؤوليّة لتحقيق أثر ملموس." ويقول يورغن هابرماس (Jürgen Habermas): "العمل السّياسي لا يكتفي بالكلام، بل يحتاج إلى مشاركة جماعيّة وحوار عقلاني مستمر."  وهذه أيضًا مقولات توضّح الطّرح الّذي يستند على حمولة ثقافية واسعة وعميقة، إضافة إلى رؤيته الخاصّة وتجربته السّياسية الغنية في مراكز قيادية ومنها السّكرتير العامّ للجبهة الدّيموقراطية للسّلام والمساواة، ورئيس القائمة المشتركة وعضو كنيست وغيرها من المناصب والمسؤوليّات والنّشاطات السّياسية والوطنية والشّعبية، الّتي بدأت في سنّ مبكّر، والمستمرّة خلال عقود دون توقّف أو استراحة محارب.

ويطرح أيمن عودة رؤيته الاجتماعية بما يتعلّق بالوحدة بين أبناء الشّعب الواحد بجميع مركّباته، داعيًا إلى تعزيز دور لجنة المتابعة واللّجنة القطرية للسّلطات المحليّة، وتعزيز دور فئات عملت المؤسّسة الإسرائيلية بشكل ممنهج على سلخها عن انتمائها العامّ، كالعرب الدّروز والبدو، داعيًا أن تكون اللّجنة القطرية ولجنة المتابعة شاملتين جملةً وتفصيلاً لكلّ مركبّات شعبنا، حتّى لو حصل ذلك بالتّدريج، وهنا تجدر الإشارة إلى تقصير لجنة المتابعة على مدار سنوات طويلة في هذا الشّأن، عدا تقصيرها في مناحٍ أخرى كتفعيل بعض اللّجان ولا سيّما اللّجنة الثّقافية، وهذا أمر يحتاج إلى مقال خاصّ.

وفي سياق الشّأن الثّقافي يطرح أيمن عوده في الكتاب رؤية ثقافية تستند إلى دور الثّقافة وبالأخصّ أدب المقاومة الّذي لعب دورًا هامًّا في ترسيخ الوعي الوطني لدى شعبنا، بل وصلت رفرفة أجنحته إلى آفاق عربيّة وعالميّة، أعلت من شأن الأقلية العربية الفلسطينية الصّامدة في أرضها التّاريخية. "الثقافة قوّة سياسية حين تصبح وعيًا عامًّا، لا امتيازًا خاصًّا"، كما يقول طه حسين. و"الثّقافة ليست ترفًا، إنّها شكل من أشكال المقاومة"، كما يقول محمود درويش. والحالّة الخاصّة للعرب الفلسطينيّين في إسرائيل تستدعي الاهتمام الدّائم بل تطوير الحالة الثّقافية، ولا يمكن لأي مشروع سياسي أن يكتمل دون أن ينسجم مع مشروع ثقافي يقف على أرض صلبة وينطلق دومًا نحو التّجدّد مستندًا على الإرث الثّقافي والأدبيّ الغني الّذي تبلور خلال عقود طويلة. 

ومن أطروحاته المهمة في الكتاب: لا يمكن فصل النّضال القومي عن قضايا الفقر، الأرض والمسكن، التّعليم، والثّقافة، العنف والجريمة، المستشرية في المجتمع العربي وخاصّة في السّنوات الأخيرة. وقد أصبح العنف والجريمة من أخطر حالات الحالة الاجتماعية والاقتصادية والثّقافية في آن واحد، ورغم الخلل الثّقافي والاجتماعي في مجتمعنا والّذي لا يمكننا التغاضي عنه، إلاّ أنّنا نعي دور المؤسسّة في ترسيخ هذه الحالة في المجتمع العربي، وكما قال بيير بورديو (Pierre Bourdieu): "الهيمنة لا تُمارس فقط من خلال السّياسة المباشرة، بل عبر البنى الاجتماعية الّتي تعيد إنتاج اللاّمساواة." لذلك فأيّ مشروع سياسي عليه أن يضع موضوع العنف والجريمة في سلّم أولويّاته. ويرى عودة أنّ تحسين شروط الحياة هو جزء من الصّمود الوطني، لا بديل عنه. وكما قال ميشيل فوكو (Michel Foucault): "القوّة تُمارس في التّفاصيل الصّغيرة للحياة اليومية، ومن هنا تبدأ إمكانية المقاومة". وفي هذا السّياق يقول أمارتيا سن (Amartya K. Sen): "العدالة الحقيقية تتحقّق عندما تصبح الفجوة بين الحقوق النّظرية والحياة اليومية صغيرة قدر الإمكان." كما أنّه يوجّه نقدًا بنّاءً للخطاب السّياسي العربي في إسرائيل، فهو ينتقد: التّكرار والعاطفة الزّائدة، وغياب التخطيط الاستراتيجي، ويدعو إلى: خطاب عقلاني، ولغة سياسية حديثة، وتواصل فعّال مع المجتمع.

لكن رغم أهمية هذا الطّرح، يظلّ السّؤال مفتوحًا حول حدود "السّياسة الممكنة" داخل بنية دولة تُعرّف نفسها على أساس قومي إثني. فالمراهنة على التّغيير التّراكمي والعمل البرلماني قد تصطدم بسقوف بنيوية يصعب تجاوزها، ما يستدعي نقاشًا دائمًا حول أدوات النّضال وحدودها. هذا السّؤال لا يأتي من فراغ، بل من واقع سياسي مأزوم، يتّسم بتصاعد العنصرية، وترسّخ تعريف الدّولة بوصفها دولة قومية لليهود، مقابل تضييق متزايد على المواطنين العرب. في هذا السّياق، يحاول عودة أن يقدّم ما يمكن تسميته "سياسة الممكن النّقدي".

إلاّ أنّ أيمن عودة الّذي يرى كما ذُكر سابقًا أنّ الكنيست ليس غاية بحد ذاتها، بل أداة من أدوات النّضال، تُستخدم لطرح القضايا، وفضح السّياسات العنصرية، وتحقيق مكاسب مدنية محدودة ضمن نضال أشمل. يشدّد على أهميّة التّنظيم الشّعبي، والاحتجاج، والعمل الجماهيري، والتّنظيم الشّعبي باعتبارها عناصر مكمّلة للعمل البرلماني. فالخطورة كامنة في احتمال تحوّل العمل البرلماني إلى سقف للنّضال بدل كونه وسيلة وأداة.

 وبالتّالي يمثّل كتاب "الوطنية والمواطنة" مساهمة فكرية مهمّة في النّقاش حول مستقبل العمل السّياسي لفلسطينيي الدّاخل. فهو لا يقدّم أجوبة نهائية، بقدر ما يفتح مساحة للتّفكير النّقدي في كيفيّة الجمع بين الهويّة الوطنية والعمل السّياسي اليومي، في واقع شديد التّعقيد. ورغم أنّه يقدّم تصوّرًا عمليًا لكثير من المحاور الهامّة، يمكن أن ينفّذ على أرض الواقع، إلاّ أنّه لا يقدّم أجوبة نهائية في محاور عدّة؛ بقدر ما يفتح مساحة للتّفكير النّقدي في كيفية الجمع بين الهويّة الوطنية والعمل السّياسي اليومي، في واقع شديد التّعقيد. كما يذكّرنا أنطونيو غرامشي (Antonio Gramsci) بأنّ "كلّ مشروع جديد يحتاج إلى ولادة أدواته وممارساته قبل أن تصبح مؤثّرة"، هناك مشاريع جديدة وإن كانت مطروحة في سياقها النّظري أو شبه العملي، إنّما يطرح أيمن رؤية متماسكة توصل هذه الفسيفساء ببعضها لتكوّن اللّوحة – الخريطة، الّتي من شأنها أن تؤثّر في المسار السّياسي والشّعبي لأبناء شعبنا وخاصّة داخل الخط الأخضر، ولذلك نحن نحتاج من أيمن عودة الاستمرار في عمله السّياسي لاحقًا وحتّى إن كان خارج العمل البرلماني.

وينجح الكاتب بالتّشخيص والرّؤية، لكنّه رغم طرحه للمشاريع الوطنية والسّياسية والشّعبية والثّقافية، إلاّ أنّها تأتي بأقل تفصيلًا في الآليات التّنفيذية، وفي الوقت ذاته فإنّه يراهن كثيرًا على التّغيير التّراكمي. فتكمن أهميّة الكتاب بمعالجته لإشكاليّات الهويّة والمواطنة في سياق سياسي معقّد يمتد بين الاحتلال والمواطنة المدنية. ويمكنه أن يكوّن مرجعًا للنّقاش السّياسي حول دور الفلسطينيين داخل إسرائيل في المستقبل القريب والبعيد ليس على المستوى المحليّ فحسب بل على المستوى الإقليمي سواء اتُّفق معه أم خضع للنّقد والمراجعة..

رغم أهمية أطروحات عودة، يمكن توجيه عدد من الملاحظات النّقدية، أبرزها:

-المراهنة الكبيرة على التّغيير التّراكمي داخل بنية دولة إثنية ثيولوجية لاهوتية.

- غياب تفصيل كافٍ للآليات العملية بعيدة المدى.

خاتمة:

يمثّل كتاب "الوطنية والمواطنة" محاولة فكرية لتجديد المشروع السّياسي لفلسطينيي الدّاخل، عبر فتح نقاش نقدي حول التّوفيق بين الهويّة الوطنية والمواطنة الإسرائيلية في واقع معقّد. ويربط أيمن عودة بين النّضال القومي وهموم الحياة اليومية، مع إبقاء السّؤال مفتوحًا حول حدود الفعل السّياسي الممكن داخل بنية الدّولة القائمة.

وأخيرًا فإنّ معرفتي الشّخصية بأيمن عودة تجعلني أراهن أنّه بعد أن ينهي عمله في الكنيست سيقوم بدور قيادي مختلف، ومشاريع سياسية سيسعى من خلالها إلى انجاز الكثير من طروحاته في هذا الكتاب، الّذي يشكّل ورقة عمل مستقبليّ وأفقًا آخر للعمل السّياسي الشّعبي، وأنّه ستكون له مساهمات ثقافية على الصّعيد الإبداعي والتّنظيمي. وإنّ غدًا لناظره قريب.

قد يهمّكم أيضا..
featured
ناظم حسونن
ناظم حسون
·2026-01-16 12:25:33

على ناصية الطريق للكاتب معين ابوعبيد

featured
زهير دعيمز
زهير دعيم
·2026-01-16 12:22:46

"على ناصية الطَّريق" اصدار جديد للكاتب معين أبو عبيد

featured
مفيد مهنام
مفيد مهنا
·2026-01-16 12:07:15

زرار الثياب

featured
مارون سامي عزامم
مارون سامي عزام
·2026-01-16 12:05:29

مطلوب كثير من الوعي والقراءة... ممكن؟!

featured

سرديَّة الوطن الواحد في رواية عفيفة بنت المختار للأديب يوسف حجازي

featured
نمر نمرن
نمر نمر
·2026-01-16 11:53:19

وَرْدُ الشّام / سعيد نَفّاع

featured

سفربرلك للدكتور خالد تركي، نداء رفاقيّ لمتابعة درب النِّضال

featured
رياض خطيبر
رياض خطيب
·2026-01-16 10:58:34

"لا تقولي إنكِ خائفة يا صغيرتي"... الحرب، اللجوء والهجرة