من التقييم الرقمي إلى التقييم الكلامي

A+
A-
صورة توضيحية (شينخوا)

صورة توضيحية (شينخوا)

(رؤية تربوية لإصلاح التقييم في المرحلة الابتدائية)

في المرحلة الابتدائية، حيث تتكوّن الأسس الأولى للتعلّم، وتتشكل صورة الطالب عن ذاته وقدراته، يصبح التقييم التربويّ عاملا حاسما في بناء الثقة أو هدمها. فالتقييم ليس إجراء إداريّا، بل رسالة تعليميّة وإنسانيّة تؤثّر في المسار النفسيّ والمعرفيّ للطالب.

وانطلاقا من ذلك، تبرز الحاجة الملحّة إلى إعادة النظر في اعتماد التقييم الرقميّ، والانتقال إلى التقييم الكلاميّ الوصفيّ، بوصفه أداة أكثر عدلا وعمقا وملاءمة لخصائص هذه المرحلة العمريّة الحسّاسة، التي تتشكّل فيها شخصيّة الطالب وعلاقته الأولى بالمدرسة والتعلّم.

  1. محدوديّة التقييم الرقميّ.

التقييم الرقميّ يختزل الطالب في رقم مجرّد، لا يعكس حقيقة مستواه ولا مسار تعلّمه. فالعلامة النهائيّة لا توضّح كيف تعلّم الطالب، ولا أين أخفق، ولا ما الذي يحتاجه ليتقدّم. وغالبا ما يتحوّل الرقم إلى حكم نهائيّ، يغلق باب التشخيص، وينهي الاستمرار في البحث عن أسباب الإخفاق أو التأخّر.

كما أنّ العلامات الرقميّة تخلق مقارنات مبكّرة بين الطلّاب، وتربط قيمة الطالب الذاتيّة برقم، ممّا يولّد ضغطا نفسيا غير مبرّر، ويؤثّر سلبا على الدافعيّة للتعلّم، خاصّة في سنوات التكوين الأولى.

  1.  التقييم الكلاميّ كأداة تشخيص تربويّ.

التقييم الكلاميّ الوصفيّ يقدّم صورة دقيقة وشاملة عن وضع الطالب التعليميّ والسلوكيّ. فهو يوضّح مستوى المهارات الأساسيّة، ونقاط القوّة، والجوانب التي تحتاج إلى دعم، وطريقة تعلّم الطالب داخل الصفّ.

هذا النوع من التقييم لا يحاكم الطالب، بل يشرح حالته، ويضع يده على مواضع التقدّم والتعثّر، ويحوّل التقييم من نهاية مغلقة إلى نقطة انطلاق تربويّة واعية، تُبنى عليها خطط تعليميّة حقيقيّة.

  1.  التقييم الكلاميّ توجّه عالميّ واعٍ.

لم يعد الانتقال من التقييم الرقميّ إلى التقييم الكلاميّ طرحا نظريّا أو مطلبا محليّا، بل توجّها تربويّا تبنته دول عديدة أدركت حساسيّة المرحلة الابتدائيّة وأثرها العميق في بناء شخصيّة الطالب.

هذه الدول انطلقت من قناعة واضحة مفادها أنّ الطفل في سنواته الأولى لا يُقاس بعدد، بل يُفهم بالكلمة، ولا يُحفَّز بالمقارنة، بل بالتشخيص والدعم.

فالتقييم الوصفيّ لم يُنظر إليه كبديل تقنيّ للرقم، بل كتحوّل فكريّ يعيد للتقييم وظيفته التربويّة والإنسانيّة، ويضع الطالب في مركز العمليّة التعليميّة، لا في خانة تصنيفيّة جامدة.

 

  1.  تمكين المعلّم مهنيّا.

يحرّر التقييم الكلاميّ المعلّم من الحيرة في اختيار “الرقم المناسب”.

فبدلا من محاولة اختزال واقع تربويّ مركّب في علامة واحدة، يستطيع المعلّم أن يفصل بدقّة وضع الطالب الحقيقيّ، دون تحيّز أو تردّد أو ظلم غير مقصود.

التقييم الوصفيّ يمنح المعلّم مساحة مهنيّة صادقة للتعبير عن ملاحظاته التربوية، ويعكس خبرته وتشخيصه الحقيقي، ويجعله شريكا فاعلا في بناء خطّة تعليميّة مناسبة لكلّ طالب.

  1.  أمثلة عينيّة توضح الفرق.

قد يحصل طالبان على العلامة نفسها في موضوع معيّن، بينما يختلفان جذريّا في نوع الصعوبة:

أحدهما يعاني من ضعف في الفهم، والآخر من صعوبة في التعبير.

الرقم يساوي بينهما ظلما، أما التقييم الكلاميّ فيكشف الفروق الدقيقة، ويوجّه التدخّل التربويّ الصحيح لكلّ حالة.

  1.  إعادة التفكير في امتحانات الوزارة.

وانطلاقا من فلسفة التقييم الكلاميّ، تبرز ضرورة أن تعيد وزارة المعارف النظر بعمق في طبيعة امتحاناتها، لا من حيث الشكل فقط، بل من حيث الهدف التربويّ الكامن خلفها.

فالامتحان، إذا أُحسن تحليله، يمكن أن يتحوّل من أداة تصنيف إلى أداة تشخيص وبناء.

بدلا من الاكتفاء برقم نهائيّ، يمكن تحليل نتائج الامتحانات تحليلا كلاميّا نوعيّا، يوضح أين تقف المدرسة مع طلّابها، وما المهارات التي تمّ تعليمها وترسيخها بشكل ناجح، وما الموادّ أو المهارات التي تحتاج إلى إعادة تعليم وتمكين.

بهذا الفهم، يصبح الامتحان وسيلة لتقييم أداء المدرسة تربويّا، لا للحكم على الطالب فقط، وأداة لتطوير التعليم، لا لمراكمة الأرقام.

  1.  الاستمراريّة والتواصل بين المراحل التعليميّة.

تكمن أهمّيّة قصوى للتقييم الكلاميّ في تعزيز الاستمراريّة التربويّة بين المراحل التعليميّة المختلفة.

فمن خلال لقاءات “المعابر” بين معلّمي المرحلة الابتدائيّة، الإعداديّة والثانويّة، يمكن نقل صورة شاملة ودقيقة عن الطالب، لا تختزلها علامة رقميّة.

في هذه اللقاءات، يُوضَّح أسلوب التقييم، والمهارات المكتسبة، والصعوبات القائمة، وطرائق التعليم التي أثبتت فعاليّتها، مما يمنع الانقطاع المعرفيّ والنفسيّ الذي يعانيه كثير من الطلّاب عند الانتقال بين المراحل.

تُعدّ فنلندا مثالا بارزا على هذا التوجّه؛ ففي المرحلة الابتدائيّة لا تعتمد على امتحانات وطنيّة رقميّة متكرّرة، بل على تقييم وصفيّ مستمرّ يقوم به المعلّم، ويستند إلى ملاحظات تحليليّة دقيقة لأداء الطالب وتقدّمه.

وعند إجراء اختبارات عامّة محدودة، تُستخدم نتائجها لتحليل جودة التعليم على مستوى المدرسة والنظام التعليميّ، لا لتصنيف الطلّاب أو ربطهم بعلامات رقميّة.

الهدف هناك ليس “كم حصل الطالب؟” بل: ماذا تعلّم؟ كيف تعلّم؟ وما الذي يحتاجه ليتقدّم؟

  1.  شراكة واعية مع الأهل.

التقييم بالكلمات يساعد الأهل على الفهم الصحيح لوضع أبنائهم، ويمكّنهم من دعمهم بطريقة واعية، بدلا من القلق حول رقم لا يفسّر شيئا.

كما يحوّل الأهل إلى شركاء حقيقيّين في العمليّة التعليميّة، لا متلقّين سلبيّين لنتيجة صامتة.

انطلاقا مما سبق، أدعو لجان الأهل وأقسام المعارف إلى النظر الجادّ والمسؤول في موضوع التقييم في المرحلة الابتدائيّة، ومنحه الأهمّيّة والوقت اللازميْن لدراسته بعمق.

كما أدعو إلى التأثير على وزارة المعارف من خلال برنامج عمل مدروس، يحتوي على أهداف واضحة، وخطط تنفيذ عمليّة، وجدول زمنيّ محدّد، يضمن انتقالا واعيا ومدروسا من التقييم الرقميّ إلى التقييم الكلاميّ.

طمرة

قد يهمّكم أيضا..
featured
الاتحادا
الاتحاد
·2026-01-16 12:25:18

على ناصية الطريق للكاتب معين ابوعبيد

featured
زهير دعيمز
زهير دعيم
·2026-01-16 12:22:46

"على ناصية الطَّريق" اصدار جديد للكاتب معين أبو عبيد

featured
مفيد مهنام
مفيد مهنا
·2026-01-16 12:07:15

زرار الثياب

featured
مارون سامي عزامم
مارون سامي عزام
·2026-01-16 12:05:29

مطلوب كثير من الوعي والقراءة... ممكن؟!

featured

سرديَّة الوطن الواحد في رواية عفيفة بنت المختار للأديب يوسف حجازي

featured
نمر نمرن
نمر نمر
·2026-01-16 11:53:19

وَرْدُ الشّام / سعيد نَفّاع

featured

سفربرلك للدكتور خالد تركي، نداء رفاقيّ لمتابعة درب النِّضال

featured
رياض خطيبر
رياض خطيب
·2026-01-16 10:58:34

"لا تقولي إنكِ خائفة يا صغيرتي"... الحرب، اللجوء والهجرة