مساء الخير يُسعدني أن أشارك في أمسيتكم الكريمة هذه، مشكورين على هذه الدَّعوة اللطيفة، بمناسبة صدور كتاب "عام الجراد"، باللغة العبريَّة للكاتب الفلسطينيِّ د. سليم تماري.

تحلُّ على أهل بلادنا في هذه الأيام مناسبات مباركة وعطرة لها دلالاتها الدِّينيَّة والإجتماعيَّة والثَّقافيَّة والتَّثقيفيَّة، حلول عيد الفصح المجيد لدى المسيحيِّين قيامة السَّيِّد المسيح من بين الأموات بعد أن وطأ الموت بالموت، وعيد الفصح لدى اليهود، عيد حرِّيَّة بني إسرئيل من عبوديَّة الفراعنة في مصر، ويهلُّ علينا هلال شهر رمضان المبارك، شهر التَّسامح والغفران والمحبَّة، وزيارة النبي شعيب المباركة، كما يحلُّ في هذه الأيام عيد الأوَّل من أيَّار عيد العمَّال الأحرار والتَّاسع من أيَّار يوم النَّصر على ألنَّازيَّة، أعتى عواتي القرن المنصرف، ويسعدني أن أقدِّم لكم/نَّ في هذه المناسبة أحلى واعطر التَّبريكات عساها تعود في القادم من الأيَّام علينا، جميعنا،بالخير واليُمن والبركة والسَّلام العادل والثَّابت قد حلَّ في بلادنا العزيزة.

تعرَّفت على الكاتب د. سليم تماري من خلال أربعة اصدارات له حيث لم يحالفني الحظُّ أن اتعرَّف عليه مباشرة، الإصدارات هي الجبل ضدَّ البحر، القدس العثمانيَّة في المذكَّرات الجوهريَّة، القدس الإنتدابيَّة في المذكَّرات الجوهرية، والكتاب الرابع وهو المُحتفى بإصداره اليوم باللغة العبريَّة عام الجراد، وهو مذكَّرات جنديٍّ عثمانيٍّ فلسطيني ٍّمقدسيٍّ، خدم في الجيش العثمانيِّ بين العامين الخامس عشر والسَّادس عشر من القرن المنصرم، وهي يوميَّات الجندي إحسان التُّرجمان.

كانت لي عدَّة إطلالات على هذه المؤلَّفات الأربعة، واستعنت بها في كتابي، "سفر برلك"، الصَّادر حديثًا في حيفا عن دار كلِّ شيء، حيث أكتب فيه تاريخ أجدادي الثَّلاثة، المحكي عن تلك الفترة، جدٌّ مجنَّدٌ في الجيش العثمانيِّ، وصل الآستانة، وجدٌّ فراريٌّ هارب من قبضة التَّجنيد العثمانيِّ القسريِّ في فترة "السَّفر برلك"، إذ وَجَدَ ملجأه في أحراش جبال الجليل وجدٌّ ثالث صغير السِّنِّ فطينٌ ولبقٌ كان حلقة الوصل بين الأهل في بلدهم والجنود "الفراري" في الجبال.

هناك مجموعة من أصدقاء يوسف (جدِّي)، تركوا البلاد هاربين إلى ما وراء البحار، بعد ان اختبأوا في حاويات بحريَّة، تحمل بداخلها جذوع الاشجار الضَّخمة التي تمَّ تقطيعها من غالبيَّة احراش بلادي وتحويلها الى حطب ووقود للسُّفن، والى بناء سكك الحديد في اوروبا وخاصَّة المانيا، زد على ذلك انَّه تمَّ نقل الكثير من البضائع الأوَّليَّة الأخرى، الى السُّفن الكبيرة التي كانت ترسو في عرض السَّاحل الشَّاميِّ قبالة حيفا او عكَّا او يافا، حيث تسلَّلوا بواسطة قواربها الصَّغيرة اليها، فمنهم من وصل إلى الأرجنتين أو البرازيل في القارَّة اللاتينيَّة أو بوسطن وغيرها في القارَّة الشَّماليَّة، أو أوروبا حيث حطَّوا رحالهم فيها واستقرُّوا هناك ومنهم من ظلَّ على ظهر هذه السُّفن ليعمل فيها بحَّارًا، ومنهم من عاد الى بلاده بعد ان علِمَ بانتهاء الحرب بعد أن قتله الشَّوق للرُّجوع الى اهله وبيته وعائلته وحارته أو جارته!

سافر جدِّي يوسف، ولم يملك من زاد سفره شيئًا، كان يفتِّش في طريقه عن مصدر رزق له ولأهله ليُنقذهم من جوعهم وعوزهم، سافر الى "حرِّيَّته" هربًا من خازوق العُصملِّي ومن حبل مشنقته، ومن سجنهم وفَلقتهم، فقد سافر لعلَّه يجد نصيرًا وزادًا لأهله أو يلقى ﴿..اللؤلؤ المكنون﴾ الذي لم تمسُّه يدٌ ولم يشمُّه انفٌ ولم يدخل قلبًا، يفتِّش عن لؤلؤ عذريٍّ صافٍ، ناصعٍ في البياض وكاملٍ في الطُّهر وخالصٍ في الصَّفاء وطاهرٍ في النَّقاء وعظيمٍ في البهاء..

أيَّام السَّفر بَرْلِك، وكلمة السَّفر بَرْلِك تعني السَّفر (بالعربيَّة) وبَرْلِك هي كلمة تركيَّة تعني جماعيٌّ وهنا يُقصدُ بها تهجير جماعيٌّ، لأهل البلاد من قبل آل عثمان اثناء الحرب الكونيَّة الأولى..وتعني بالمفهوم الضِّمني التَّسفير أو التَّهجير القسري والجماعي إلى برِّ الأناضول، يوم كان شرقنا العَربيُّ يرزح تحت سلطة الامبراطوريَّة العثمانيَّة (الدولة العُثمانيَّة العليَّة)، التي حكمت بلادنا، اربعة قرون أو يزيد، بالحديد والنَّار والقمع والارهاب والتَّجهيل والتَّرحيل والتَّنكيل، حيث اصبح ذكر هذه الأيام مرادف للقتل والتَّجويع والتَّطهير العرقيِّ والفقر والمذلَّة والعذاب والعوز، وتُعرف أيضًا بأيَّام المجاعة..

 

**

إطلالة د. سليم تماري الأولى كانت في "عام الجراد"، عن مبلغ الرَّشوة لإعفائه من الخدمة العسكريَّة:

لم تكن ليوسف او لعائلته علاقات اجتماعيَّة للحؤول دون التَّجنيد، ليحصُلَ على إعفاءٍ ولم يكُن بمقدور عائلته ان تدفع بِرطيلاً (رشوة) أو بَدَلاً (والبَدَلُ، البدل العسكريُّ، هو مبلغ من المال يُدفعُ الى الحكومة لإعفاء من يُطلب الى الخدمة العسكريَّة الاجباريَّة)، حيث كان المبلغ يتراوح بين عشرين الى خمسين ليرة عثمانيَّة نقدًا (ص21)، ليتوسَّط له المختار عند الاميرالاي أركان حرب، قائد المنطقة، مفتِّش المقرِّ الاداريِّ للجيش العثمانيِّ ليغضَّ الطَّرف عن أمر التَّجنيد، أو عند الأمباشي (عريف يحمل شَرطَتين على كتفيه)! ومنهم من دفع البدل العسكريَّ، وطولب بالخدمة العسكريًّة لاحقًا (فش اشي مضمون)، أو أن يذهب الى الطَّبيب للمعاينة، لإصدار مَرَضيَّة، تشهد له على أمراضه المُزمنة التي تمنعه من الالتحاق بالجنديَّة، وأحيانًا كان الطَّبيب يعفي من الجنديَّة ويبقيه بين أهله موظَّفًا أو كاتبًا، ومن لَم تكُن له أيَّة امكانيَّة من تلك الإمكانيَّات التي ذُكرت، تجنَّدَ، ومنهم من هرب من التَّجنيد إلى الجبال ويُسمَّى "فراري" أو "مُشرَّد"، وكانت العقوبة، إذا قُبِضَ عليه، الشَّنق في السَّاحات العامَّة ليكون عبرة لغيره وليَعتَبِر غيره إن جال في ذهنه رفض الأمر، لذلك اختفى الرِّجال من أحياء البلدة مخافة التَّجنيد، ولقد كانت حياة الفراري احيانًا أصعب وأقسى من حياة الجنديَّة، حيث كانوا يختبئون في الاحراش وعلى قمم الجبال، او في الوديان والمغاور، وبعضهم من سرى ليلاً لأهله ليعينهم في مجهودهم في فلاحة الأرض من حراثة وزراعة وتشجذيب لدفع خطر موتهم جوعًا..

يُحكى أنَّ النَّاس كانت تُفتِّش في روث الدَّواب عن حبوب القمح كي تغسلها وتجدُ فيها قوتها، أو حتى كانوا يُقايضون ما يملكون مقابل رطل من القمح لسدِّ حاجتهم، وصدِّ جوعهم، وهناك من زوَّج ابنته بعد أن كيل له رطل قمح في المكيال، والله أعلم!

وقد كانت والدة جدِّي تتضرَّع، دومًا، إلى العاطي الوهَّاب، ما كان يتمنَّاه النَّبي داود:

يا رازقَ النَّعَّابِ في عشِّه، ارزقني! والنَّعَّاب هو فرخ الغُراب، والغُراب من أذكى الطُّيور، وحين يرقد على بيضه ليُفقِّس، تخرج افراخه من بيضها، بيضاء كالثَّلج نقيض لونه، الأمر الذي يُثير استغرابه لسواده وبياض فراخه، فيهجرها، لكنَّ منقار النَّعَّاب طيِّب الرَّائحة، وعطره فوَّاح ممَّا يجذب إليه الدِّيدان والحشرات لتدخل منقاره وتكون له غذاءً، وبعد فترة يعود الغُراب إلى عشِّه ليجدَها على شاكلتهِ، ويبدأ بتغذية فراخه..

قلقٌ دائمٌ وخوفٌ داهمٌ ورعبٌ حائمٌ، وجوعٌ وتمنِّيات بزوال الحال..

 

**

الإطلالة الثَّانية من خلال كتابه "القدس العثمانيَّة في المذكَّرات الجوهريَّة"، لد. سليم تماري: لقد حرق تفكيرُه قلبَه، إذ كيف يترك أهله في حالة الفقر والعوز والحاجة والمجاعة والغلاء  والحرب التي عاشها أهله، خاصَّة بعد هجوم الجراد على البلاد وأكل الأخضر واليابس، حتَّى أنَّه يُروى "وكانت تلك السَّنة مَحْلاً، وانحبست الأمطار وغزا البلاد والقدس الجراد، بصورة فظيعة جدًّا فإنِّي أذكر تمامًا والله يشهد أنَّني عندما كنتُ نازلاً على سُلَّم البلديَّة رفعتُ رأسي إلى السَّماء مع جميع النَّاس فلم نستطع رؤية الشَّمس قطعيًّا فكان الجراد الطَّيَّار شبيهًا بالغيوم المتكاثفة في الجوِّ مما حجب نورَ الشَّمس عن الأرضِ" (ص 190) زد على ذلك أنَّ السُّلطان عبد الحميد قطع جميع الأشجار المُثمرة وأعطى خشبها للألمان (دخلت الامبراطوريَّة العثمانيَّة في الحلف الثُّلاثي، مع ألمانيا وإيطاليا والامبراطويَّة النمساويَّة المجريَّة، في العام الف وتسعمائة واربعة عشر) لبناء قطاراتهم وليكون مصدرًا للوقود والبناء، وكذلك انتشرت الأوبئة، الكوليرا والتِّيفوس والحمَّى، فكيف يتركهم لينعم بحياة "البذخ"، نسبيًّا، من الطَّعام المجَّانيِّ والإقامة الرَّتيبة ومن حياة الجنديَّة المرتَّبة، مع انَّ حياة العساكر العاديِّين كانت شقيَّة وبائسة وحياة قنوط وفقر.

 

**

والإطلالة الثَّالثة كانت في "عام الجراد"، "مسكينة حالة هؤلاء العساكر التُّعساء. تَعبٌ وجُوعٌ وعَطشٌ وطَفرٌ وثيابٌ قذِرةٌ والاهانةُ والضَّربُ واللكمُ على رؤوسهم. إنَّها لحالة تعيسة، لم أرَ أطوع من الجنود العثمانيَّة. فإنَّهم ينقادون قيادةً عمياء حتَّى المتنوِّرين منهم يخشون كلَّ الأوامر ويحسبون حساب أيِّ ضابطٍ كان ويعبِّرون عن الذُّلِّ والمسكنة. فجنود هذه حالتها لا يُرجى منها خيرًا" (ص 176)، بالرَّغم من هذه الحالة كانوا يُنشِدون "سرحده دوغرو أي شانلي أسكر" أي سر نحو الأعادي يا خير عسكر! ولم يهدأ ليوسف بالٌ ولَم تستقر له حالٌ ولو للحظة واحدة، "مش راكبي ع راسو" لأولئك الذين يُنادون بالأخوَّة العربيَّة التُّركيَّة، وبتعزيز سُلطة السُّلطان، الخليفة، وكيف يمكن أن تكون هناك اخوَّة بين الرَّاكب والمركوب أو بين الظَّالم والمظلوم..

لقد كانت نيَّة العثمانيين حينها تتريك العرب، وتعليمهم اللغة التُّركيَّة بدلاً من العربيَّة، وراحوا إلى أبعد من ذلك، إذ قاموا بعمليَّة نقل بعض السُّكَّان العرب عن طريق السِّكَّة الحديديَّة الحجازيَّة، من بلاد الشَّام ومن أرض نجد ونجران والحجاز في الجزيرة العربيَّة، إلى داخل أراضي آسيا الصُّغرى، إلى بلاد الأناضول وبالمُقابل تمَّ نَقْلُ بعض الأتراك إلى البلاد العربيَّة بهدفِ تفريغ وطننا العربيِّ من سُكَّانه الأصليِّين وتغيير الطَّبيعة السُّكانيَّة، لقد حاولوا بذلك إحكام سيطرتهم على بلادنا بكُلِّ الطُّرق والوسائل، لكنَّهم  كما هو معلوم فشِلوا في ذلك، بعد أن تمادوا في غيِّهم وطُغيانهم، ورُدَّت سيوفهم إلى نحورهم، وطوى الطَّاغوت ذيله، ولو بعد حين (اربعة قرون أو يزيد).

 

**

وكانت إطلالتي الرَّابعة على د. سليم تماري في كتابه "عام الجراد": ذات يوم، بينما كان يوسف يبيع الكستناء الطَّازجة والمشويَّة، في ساعات عطلته من العسكريَّة لكفاف يومه، على قارعة الطَّريق بجانب أحد الحوانيت وإذ بسيِّدة تطلب منه بعضًا من الكستناء، أكلت ما تسنَّى لها، وما اشتهت نفسُها، وحين فتَّشت في محفظتها عن نقود، لتدفع له، فلم تجد غِرشًا واحدًا، "بارا يوك" فاعطته طفلها، ريثما تُحضر له النُّقود، وتستطيع دفع ثمن الكستناء، وتذهب من بعدها لشراء بعض حاجيَّاتها وحاجِيَّات طفلها من البقَّالة المجاورة، فأخذ طفلها منتظرًا عودتها. وحين طال انتظاره "زَيِّ اللي بستنَّا بعقلاتو" ولم تعد السَّيِّدة لأخذِ طفلها الرَّضيع، أصابت يوسف حيرة مُحْرجة لا مخرج منها وأسئلة لا أجوبة عليها، "ولعب الفار في عبُّو" أين يضع يوسفُ، وهو في بلاد الغربة، الطِّفلَ؟ كيف يُطعِمُهُ إن أخذه؟ فهو بالكاد يُطْعِم نفسه، حيث كانت ماهيَّته العسكريَّة لا تتجاوز الخمسة غروش صاغ، ولا تكفيه لكفاف نصف يومه. ماذا تفعل الخمسة غروش للجندي؟ أهل تكفيه "لتُتُنه" أم لحمَّامه أم لحلاقة ذقنه أم لمصروفه اليَوميِّ؟ .."إنَّ هذا هو الظُّلم بعينه. فتبًّا لحكومة تبخِّسُ بحقوق جنودها" (ص 137)، وإن قرَّر أخذه، فهو في بلاد لا يعرف فيها أحدًا غير معسكره وجنوده وضابطه، وهو لا يعرف مسكنًا ولا ملجأً ولا جارًا ولا مُجيرًا سوى فكرة ساورته، أن يضع الطِّفلَ عند باب أقرب جامع يجده في طريقه، ويتركه هُناك ليمضي إلى حال سبيله.

ذهب إلى الجامع المُجاور ووضع الرَّضيع عند مدخله،وحين همَّ بالخروج من باب الفرَجِ وإذ بإمام المسجد يقطع ارتياحه وراحته ونفَسَه، بعد أن أمسك بيوسف متلبِّسًا بالتُّهمة قائلاً:

آه! يا بيزافنك دينْسِز كاوِر (المعرَّس\المعرَّص الذي لا دين له، زنديق وكافر)! يا ديُّوس (والدَّيُوث هو من لا يغار على أهله وبيته وقد حرَّم الله عليه الجنَّة كما جاء في الحديث الشَّريف)، هو أنت الذي يأتينا كلَّ يومٍ بطفلٍ وتضعه قرب باب الجامع، لقد "قفشناك"، "أدبسيز أخلاق يوك" (بدون أدب وبدون أخلاق)، "نَادر بو" لماذا تضع الأطفال هنا كلَّ يوم، فقال له يوسف (جدِّي) بعد ان استعاذ ﴿..بربِّ النَّاس﴾ أن يحميه من الشَّرِّ ﴿..في صدور النَّاس﴾ الذي يُدخله ذلك اللعين ﴿..الخنَّاس﴾، فعسى بذكر ربِّ النَّاس يختفي شرُّ النَّاس ويغيب الشَّرُّ عنه..

شعر يوسف بخفقانٍ مُريبٍ في صدره كاد يُطيِّر قلبه من سجنه، حيث ركَّب الخوفُ لقلبه اجنحةً ليطير به إلى حرِّيَّته، لكنَّ الدَّم احتقن في عروقه وتجمَّدت أجنحة قلبه في قفصه، وغسل العرقُ جلدَه، وبدأ يطلبُ رحمةَ الرَّحمن، علَّ الرَّحيم يرحمه من ظلم عسكر آل عثمان.

فبعد أنْ كان يوسف المسكين في مشكلةٍ واحدةٍ أصبح يحمل مُشكِلتين. وعندما حضر الضَّابط، قصَّ عليه يوسف روايته فطلب منه أنْ يودع الوديعتين، الرَّضيعين، في ملجأ فاطمة خانم الواقع في حيِّ القصبة في مركز المدينة. فذهب إلى هناك، فوجد امرأة في غاية الجمال والحُسن واللُطف، "تشو جوزال كادين" ووضَعَ الطِّفلين في الملجأ عند الخانم وعندما همَّ بالخروج، صادف يوسفُ زوجَ فاطمة خانم يدخل البيت، فصرخت بأعلى صوتها لسببٍ لم يعرفه يوسف: آه كودجا! آه زوجي! وإذ بباب الخزانة والسَّبَتِ والحمَّام يُفتح ومن كلِّ باب يخرج عشيقٌ، فتعجَّبَ زوجُها ويوسفُ من رؤية هذا المنظر حيث سارعت للقاء زوجها لتعانقه قائلة: انا بحبك، "سيني سيفيوروم"، تعال اجلس هنا "اوتور سانا" وتُسمِّي عليه بأسماء الله الحُسنى جميعها، كي تَطرُدَ الشَّيْطان من قلبه وعقله وفكره ويُكذِّب حقيقةَ ما رأت عيناه، وبذلك تكون زوجته "العفيفة" صادقة وأنَّ ما رآه حقيقةً، يكون قد شُبِّه له، وتكون قد قطعت شكَّه، رؤيته، بيقينها، بحيلتها، وحينها يتحمَّل الزَّوج إثمَ بعض الظَّنِّ. وهكذا تكون فاطمة، الحاضِنة و"الحاضِنة"، فاطمة "فاهنشي"(الزَّانية)، قد درأَت الحدودَ بالشُّبُهات.

عاد يوسف، وفي ذهنه يجول حديث الإمام عليٍّ بن ابي طالب (كرَّم الله وجهه) حين قال: "كمُطعمة الزُّهَّاد من كدِّ فرْجها لَكِ الوَيْلُ، لا تَزْنِي، ولا تَتَصَدَّقي"، وأين هي من مَثلِ الحُرَّة التي يُقال فيها: "تَجُوعُ أو تموتُ الحُرَّةُ وَلاَ تَأْكُلْ بِثَدْيَيْهَا"..عاد هاربًا من بيت فاطمة خانم وملجئها، "كَرْخانَتها"(دَار الدَّعَارَةِ)، إلى المعسكر، ودخل غرفة رئيس الدَّرك بعد أن سمح له بالدُّخول بقوله: ني هيبر، شو الخبر، خوش غالدينز، أي أدخُل، فأجابه يوسف داخِلاً: صفا بُولْدِك، فدخلَ. استجوبه عمَّا حدث، لقد كان عليه ان يُطيع اوامر الضَّابط طاعةً عمياء. وسُمح له بدخول ساحة المعسكر ووجد جنود فرقته يتعلَّمون نشيد العسكر التي تدلُّ كلماته على وجوب طرد المحتلِّ من دياره دوشمان ألدي وأنَّ الاحتلال إلى زوال، آفلٌ لا محال، وأنَّ نصر الضُّعفاء أكيد..

رحل الغُزاة، "الأفاعي أبناء الأفاعي" وبقي أهل الشَّام..

رحل العُثْمانيُّون وانصرفوا إلى غير رجعة وبقي لنا الهواء والسَّماء والغبراء والبطحاء والماء والبحر والصَّخر والحجر والزَّهر والطَّير والجبال والوديان والإنسان وبقيت الأوطان.

وبدأ يوسف مرحلته الثَّانية بعد ان فهم المؤامرة، وبعد أن رحل العثمانيُّون عن بلاد الشَّام، وقاسى وعانى الأمرَّين في "المنفى القسري" عند آل عثمان، في تجنيد اترابه واصدقائه ومعارفه في البلدة والضَّاحية والجوار في خلايا منظَّمة ضدَّ الاستعمار البريطانيِّ والفرنسيِّ وآل صهيون وتحذيرهم من رجعيَّة العربان، وتحشيد كافَّة القوى المستعدَّة للتَّضحية، بقوله "طاب الموت" في سبيل عزَّة الشَّام ومجدها وكرامتها وحرِّيَّتها وعروبتها، فشامُنا سكبُها مجدٌ..

فهِمَ يوسف اللعبة، وحين فهِم يوسف أصبح يقظًا "مثل حمار الوحشِ.."، "وشجاعًا مثل موج البحر.." "ومخيفًا مثلما النَّمر مخيف"، لن يسكتَ على الظُّلم بعد، وفهم أن "ما بحك جلدك غير ظفرك"، "آه كم يصبح..(يوسف) مخيفًا إن فهم"، وبدأ يُعدُّ العُدَّة لمواجهة الثَّالوث الدَّنس ﴿وأَعِدُّوا لَهُم ما استَطَعْتُم مِن قُوَّةٍ وَمِن رِباطِ الخَيْلِ..﴾، في سبيل حرِّيَّة الشَّام..

رحل يوسف عن الحياة، وبقي أحفاده على خُطاه، يكمِّلون الطَّريق ويُتابعون المسير ويحفظون المسيرة ويرسمون المصير المُزْهر لا محالة، على هُداه وعلى خُطاه، في سبيل عزَّة الوطن وشرفه ووحدته..

رحلوا وبقيْنا..

رحلوا وصمدنا..

رحلوا وبقي أهل البلد..

"يرحلون ونبقى والأرض لنا ستبقى"

انقلع آل عثمان وبقي اصحاب الأرض على العهد، فخير القول الصِّدق، "وشرُّ القولِ الكذبُ"..

وخيرُ العهد والوعد الوفاء..

ولا يبقَى في الوادي غيرُ حجارته، ولا يبقى في الوطن غير أهله..

فليشربوا البحر..

ملاحظة: مداخلة د.خالد تركي، في مؤسَّسة فان لير، مكتوب، في مكتبة الجامعة العبريَّة، في حفل إشهار كتاب بروفيسور سليم تماري، "عام الجراد" (يوميَّات جنديٍّ فلسطينيٍّ مقدسيٍّ، في الجيش العثمانيٍّ ما بين 1915-1916) المُترجم إلى اللغة العبريَّة بعد أن تُرجم الى التُّركيَّة والإنجليزيَّة..

 

;