كم فرحتُ عندما فككتُ لغز كلمة "رهاوي" التي تُرافق كلمة "عجور" في نداء الباعة في مدينة إدلب في الشمال الغربي من سورية، وكنتُ أسمعها وأنا ما أزال صغيراً، أُرافق أمي إلى بازار المدينة، لبيع الحصيرة المشغولة من قش الغاب على نهر العاصي أو قش الجزيرة على نهر الفرات. كانت -رحمها الله- تُنهي شغل حصيرتها في ستّة أيام، وأصحبها في فجر اليوم السابع، أي يوم الأربعاء من كل أسبوع إلى ساحة البازار عند أقدام التلة الغربية في المدينة عند بير "الشهيد" والذي تُنتح منه مياه رش الحصير لترطيب قساوة قشها وإعادة النضارة إلى لونها، لأن القش في الأصل ينبت على الماء ويُحب الماء. كانت صناعة الحصر من القش مزدهرة تلك الأيام في مدينة إدلب قبل وجود الحصير المصنوعة من النايلون الملون. ولكن هذا مقال آخر على كل حال.
كنت تسمع الباعة في بازار مدينة إدلب يوم الأربعاء من كل أسبوع: رهاوي يا عجور. وها نحن في أحد أيام الأربعاء في أوائل سبعينيات القرن العشرين حيث يبدأ القرويون، حتى قبل منتصف ليلة الأربعاء، يفدون من كل فج عميق. من أربعة أطراف المنطقة وهم يُحمّلون بغالهم وحميرهم وكدشهم وسياراتهم بضائع زراعية مختلفة، ومصنوعات حرفية: الفليفلة الحمراء من جهات بلدة حارم على الحدود التركية، خام بلدة الفوعة "الشيعيّة" المنسوج على نول يدوي، بطيخ بلدة معرة مصرين، قضامة وبزورات بأنواعهما من مدينة أريحا النزهة على سفح جبل الأربعين، القش وسمك السلور الطيب من سهل الروج، القشطة، لبن الغنم "الزبادي" في طناجر من خشب، والذي يكاد من فرط تماسك قوامه يُحمل على راحة الكف، وفريكة من سهول إدلب الشرقية، ومنتوجات زراعية وصناعية لا حصر لها مفروشة في أرض بازار يوم الأربعاء عند أقدام التلة الغربية.
كنا أطفالاً تلك الأيام، وكانت قوافل الحمير والبغال والكدش القادمة من تخوم قُرى: كورين وعين شيب وفيلون وجدار بكفلون ونحليَّة وباب الله وخربة مرتين، والواقعة جميعها في التلال المشجَّرة إلى جنوب وغرب مدينة إدلب في الشمال السوري. تمر هذه القوافل على بعد متر واحد من باب دارنا في حيّ "المنطرة" غرب المدينة متجهة إلى سوق الهال لتفرغ حمل أرزاقها من العجور الرهاوي والعجور الأزرق والكندور والحصرم والقرع السلاحي والرومي والبندورة والتين والعنب والمشمش. كانت تلك الأيام مواسم خير وبركة. كنا نستيقظ مع طلوع الشمس ونركض رأساً إلى الدروب والبراري، وعندما نلمح قافلة العجور قادمة على ظهور البغال نتبعها كظلها، حفاة عراة، متوسمين في نداء خافت خجول أن ننال مرادنا: عمي زكاتك اعطيني عجورة.
كان العجور الرهاوي يوضع في خرج ضخم بعينتين من الكتان المنسوج ليتوازن الحمل على ظهر الدواب. والمثل يقول: عقله جوزتين في خرج، وقد كُنَّا كذلك. ونادراً ما يوضع العجور في قرطال. كانت البندورة والتين والعنب توضع في قراطيل. والقرطال في مدينة إدلب سلَّة من قصب يستعملها أهل الفلاحة والزرع، وما تزال تُصنع وتستعمل حتى اليوم. تختلف في الحجم منها الكبير الذي يتسع لأرطال من التين ومنها الصغير الذي يتسع لرطل من العنب. يقال هات لي قرطال تين أو قرطال عنب أو قرطال بندورة أو ليكن قرطال عجور رهاوي. نعم في إدلب نقول عجور رهاوي. ولكن ما أصل الاسم؟ ومن أين جاءت كلمة رهاوي؟
العجور في العربية هو القثاء، وهي من ألفاظ القرآن. ويقال له "قثي" أو "قتي" في حلب، ومقتي في الساحل السوري، و"المقتاية" في عرف الفلاحين: الأرض السليخ التي تُزرع فيها خُضار الصيف، تعروزي في بغداد، فقوس في فلسطين، وخيار في اليمن، وما هو بالخيار، عجور في إزمير، وكلمة عجور تركية يستعملها الباعة في البازارات في المدن التركية، وقد دُهشت من لفظهم كلمة عجور بهذه السهولة. مع أن عين عجور تمليل في لفظهم إلى الألف. العجور الرهاوي ينسب إلى مدينة الرها القديمة حسب تاج العروس، وهي تشتهر به إلى يومنا هذا. والرها مدينة أورفا التركية حالياً وتعود في الأصل إلى الفترة البابلية والآشورية والآرامية والسريانية وهي مدينة كوزموبوليتية مقدسة. وسكان تلك المنطقة أهل فلاحة وزراعة من قديم الزمان. وقد اشتريت أحد أصناف العجور الرهاوي أخضر اللون كلون الخيار من مدينة إنطاكية حين مررت بها مرور العابرين. في المثل الشعبي في إدلب نقول: الله يعطيك العافية بقرطال الحاج أحمد بيراوي. وقرطاله -مع الأسف- مبخوش، بلا أرضية، فيمرق منه ما يوضع فيه.




.jpg)




.png)



.png)

