"لا تقولي إنكِ خائفة يا صغيرتي"... الحرب، اللجوء والهجرة

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

لا تقولي إنكِ خائفة يا صغيرتي...
إنكِ ذات يوم ستقودين الصوماليات وتحررينهم من عبودية المجتمع والتقاليد التي أفرزتها عصابات التطرّف الديني في مواجهة القهر والجوع، ومواجهة المجتمع الذكوري الذي رسّخ العبودية والظلم!

نمط أدبي اختاره هذا الروائي الإيطالي الشاب، والذي أرى أنه قادر على قصّ الملحمة الكبرى التي نعيش يومياتها المعاصرة: الحرب، اللجوء، والهجرة، والبحر المتوسط..

الصومال كانت لعقودٍ عدة مستعمرةً إيطالية، وكعادته الاستعمار يمتصّ خيرات الأرض وعرق شعوبها ويتركها
تنزف تحت وطأة القهر والجوع والتخلّف..

وهذا الكاتب الإيطالي الشاب، والذي استطاع وبمهنية إبداعية راقية أن ينقل لنا هموم وآلام هذا الشعب النازف تحت وطأة القهر والتخلّف، وسيطرة عصابات التطرّف الديني على حياة هؤلاء الناس الذين وُلدوا من أجل الحياة والحرية..

سامية... طفلة صومالية كغيرها من ملايين الأطفال الذين وُلدوا في ظلّ هذه الأوضاع الكارثية التي خلّفها الاستعمار وما ترك وراءه من تخلّف وجوع وقهر. تعيش سامية مع أختها وهدان وأمها وأبيها ياسين بحوش أحد الأحياء الفقيرة، تتقاسمه مع عائلة عبد الهادي، جار وشريك والدها ياسين بدكّة لبيع الخضار بسوق المدينة، وابنه علي صديق ورفيق درب سامية التي ترسم لحياتها طريقًا نحو الانخراط بعالم الرياضة، وعلى الأخص سباقات العدو..

وعلي يشكّل الصديق والرفيق لسامية في رحلة البحث عن الانتصار في حلبة السباق، ومن ثم يتحوّل إلى مدرّبها الخاص، بحيث يزرع في نفسيتها روح المقاومة والتحدّي للظروف ومتابعة الرحلة نحو تحقيق الفوز.

الرسالة التي يحاول الكاتب أن يوصلها من خلال هذه الرواية تتكشّف بشكل تدريجي من خلال رحلة سامية
نحو تحقيق حلم المشاركة بأولمبياد بكين الذي يقترب، وهناك رحلة طويلة أمام سامية من أجل تحقيق هذا الحلم: منافسة على مستوى البلد، ومنافسة على مستوى القارة الإفريقية، وهناك محطات كان علي دومًا رفيق درب وصديقًا ومدرّبًا مخلصًا أمينًا للعهد والصداقة، يتقاسم وسامية الحلوة والمُرّة، بحيث حكم السكن بنفس الحوش والطعام المشترك الذي تحضره أم سامية لسكان الحوش من أهل علي وبعض الجيران، هو نقطة بيضاء نقية بحياة هذا الشعب البسيط الطيب الذي يبحث عن الاستقرار والسعادة النفسية مثل أي شعب آخر بالعالم.

نقطة التحوّل بمجريات هذه الرواية هو فقدان الأب ياسين، والد سامية، الذي يتدفّق حبًّا وحنانًا لعائلته، وهو دومًا فخور وسند لسامية، يشجّعها على متابعة المسير نحو تحقيق الحلم. فقدانه غير المتوقّع ترك بصماته على مجرى حياة هذه العائلة المتواضعة، وقساوة العيش بعد فقدان الوالد أثّرت على حالة هذه الأسرة، ويدفع الأم إلى الاقتصاد بمصروف البيت، وخاصة بأن شريك الوالد عبد الهادي يقوم بقدر ما استطاع بتوفير متطلبات الحياة، مما يدفع الأخت وهدان للبحث عن عمل، وخاصة بأنها تملك طاقة صوتية مميّزة، مما يمكنها المشاركة بإحياء حفلات الأفراح لسكان هذه البلدة اللطيفة..

ظهور حركات التطرّف الديني وانتشارها، وعلى الأخص بين الشباب، ترك بصمات عميقة وجارحة، وعلى الأخص فتيات وصبايا هذا البلد، ممثّلًا بسامية وودهان. ممارسات هذه الحركات الأصولية وسيطرتها على مجريات الأحداث السياسية والاجتماعية تركت بصمات كارثية على سامية وأختها وهدان، بحيث دفعت سامية إلى ارتداء اللباس الشرعي حتى وقت ممارسة تمارين الاستعداد للسباق القادم، وبنفس الوقت قطعت الطريق على وهدان ومنعتها من إحياء حفلات الزواج، بحيث تستطيع مساعدة العائلة بنفقات العيش ومن أجل تطوير أدائها الفني والصوتي.

والشيء الذي ترك بصمة قاسية وصادمة عند سامية كان فقدانها لعلي واختفاؤه بدون أي تفسير أو سبب يشفي قلق وحيرة سامية، بهذا الوقت التي أصبحت بحاجة إليه من أي وقت مضى..

رغم المرارة، ولكن سامية تقرّر متابعة رحلتها نحو تحقيق المجد لها ولأهلها ولبلدها الصومال، مما يدفعها إلى الالتحاق باللجنة الأولمبية الصومالية من خلال تعرّفها إلى أحد الفاعلين بهذا المجال، سنان، مندوب اللجنة والمشرف المباشر عن تحضير اللاعبين للأولمبياد، على الأقل من ناحية توفير الأرضية أمام اللاعبين من رعاية وإمكانيات، يوفّر لها الأرضية من أجل المشاركة بالألعاب، اختيار اللاعبين الأفارقة للمشاركة بالأولمبياد...

الطريق شاقّ مليء بالتحديات، وسامية اختارت الطريق وقبلت التحديات..!!

في احدى الأمسيات، وبعد عودتها إلى البيت، فجأة تشعر بوجود حركة بغرفة مهجورة بزاوية الحوش، تتقدّم لكي تكشف ما يجري بالداخل، تُصاب بصدمة تكاد تفقدها صوابها: علي، نعم علي، هناك في زاوية مظلمة، يطلب منها الهدوء وعدم الصراخ، ويقول بأنه جاء لكي يودّعها، ويتمنى لها كل الخير في رحلة الأولمبياد، وبأنه انضمّ إلى حركة الشباب. إنه نادم، ولكن لا يوجد أمامه إمكانية للتراجع، ويمدّ لها جزدانًا، ويقول لها إنه مساعدة لها ولأهلها، وخاصة بعد رحيل الوالد.. يودّعها علي ويخرج...

أراد بهذه النقود (التي مصدرها مجهول) أن يساعد سامية لكي تكمل مسيرتها نحو تحقيق الهدف والفوز بالميدالية...

الجزء المتبقي أراد الكاتب أن يخصّصه بشكل فني، ومن خلال سرد تفاصيل أحداث الرواية، هي ظاهرة الاتجار بالبشر، والتي بدأت مع ما أُطلق عليه الربيع العربي! بحيث دفعت الحروب والمجازر التي ارتُكبت من خلالها ملايين السوريين والعراقيين إلى الهروب وترك الوطن، والبحث عن أفق جديد للحياة بعيدًا عن الحرب والدمار، ونجاح وهدان شقيقة سامية للهروب والزواج من حبيب عمرها يوسف والانتقال للعيش بالنرويج..

وبعد أن تأكّد لسامية بأن الوضع الحالي الذي يجري بالصومال وسيطرة عصابات التكفير مستحيل أن يسمح لها بالمشاركة بالأولمبياد، لذلك تختار طريق الهرب والوصول إلى وهدان من أجل تحقيق حلمها بالاشتراك بالألعاب.

عصابات الاتجار بالبشر وخلفية هذه التجارة القذرة، والتي تواجه سامية ومن رافقها من مهاجرين، عصابات إجرامية تستغل أوضاع المهاجرين وتحاول الابتزاز وممارسة الضغط النفسي والجسدي، وحتى ممارسة الاغتصاب لمن لا يريد دفع ما طُلب منه من أموال. شبكة من عصابات الاتجار بالبشر مرتبطة بعضها بالبعض في كل بلد وكل محطة تصلها القافلة، ومن لم يلتزم بتسديد ما طُلب منه يتعرّض للعقاب أو الاغتصاب وتركه حيثما حطّت رحال هذه القافلة..!؟

من حسن حظ سامية بأنها تستطيع استغلال ما جلبه معه علي بزياراته الأخيرة من أجل الطلب من وهدان إرسال لها النقود بالطريق نحو الشمس والحرية.. لقد أسهب الكاتب في وصف خلفيات وأساليب عمل عصابات الاتجار بالبشر، لكي تستطيع الشعوب الأوروبية أن تدرك حقيقة هذه الكارثة ورحلة العذاب أمام هؤلاء الناس الهاربين من الموت والباحثين عن الحرية..

بعد درب الآلام، تستطيع سامية أن تحقق هدفها وتصل إلى النرويج، تستقبلها وهدان وزوجها وابنة الأخت التي تشبهها، منار، والتي كانت قد وُلدت أثناء رحلة العذاب التي مرّت بها سامية...

تصل سامية إلى الأرض النرويجية، وتبدأ عملية التدريب والاستعداد للأولمبياد، ورغم ما مرّت به من تجربة قاسية، إلا أنها تقرّر الاشتراك باسم أهلها وبلدها الصومال...

لست ناقدًا متمرّسًا بتقنية النقد الأدبي، ولكن أستطيع أن أؤكّد من خلال تفاعلي مع مجريات أحداث هذه الدراما، التي تمثّل أفق عالم جديد في مجال الكتابة الروائية، أنها أرسلت رسالة واضحة للإنسانية حول ظاهرة مقلقة وخطيرة شكّلت وما زالت تشكّل ناقوس خطر، ذهب ضحيتها الآلاف من الضحايا الأبرياء الذين دفعتهم الحروب والضيق الاقتصادي، ودفعتهم إلى متاهات الغربة والتشرّد بحثًا عن الحرية والعيش بكرامة.

تحوّلوا إلى لقمة سائغة لعصابات تهريب البشر، والتي تميّز الكاتب بوصف قذاراتهم وكيفية تعاملهم مع البشر كأدنى من الحيوانات....

رواية جريئة وهادفة تضع الإصبع على الجرح، واختار الصومال لأنها ولعشرات من العقود كانت تئنّ تحت وطأة الاستعمار الإيطالي، بلد هذا الكاتب الشاب، وكيف تركت بلده المستعمِرة إيطاليا الصومال تعاني ويلات الفقر والجهل والتخلّف.

قد يهمّكم أيضا..
featured
يوسف جمّالي
يوسف جمّال
·2026-01-16 12:26:44

وُلد انبعاثي مع انبعاثك

featured
ناظم حسونن
ناظم حسون
·2026-01-16 12:25:33

على ناصية الطريق للكاتب معين ابوعبيد

featured
زهير دعيمز
زهير دعيم
·2026-01-16 12:22:46

"على ناصية الطَّريق" اصدار جديد للكاتب معين أبو عبيد

featured
مفيد مهنام
مفيد مهنا
·2026-01-16 12:07:15

زرار الثياب

featured
مارون سامي عزامم
مارون سامي عزام
·2026-01-16 12:05:29

مطلوب كثير من الوعي والقراءة... ممكن؟!

featured

سرديَّة الوطن الواحد في رواية عفيفة بنت المختار للأديب يوسف حجازي

featured
نمر نمرن
نمر نمر
·2026-01-16 11:53:19

وَرْدُ الشّام / سعيد نَفّاع

featured

سفربرلك للدكتور خالد تركي، نداء رفاقيّ لمتابعة درب النِّضال