news-details

الحبكة التأويلية الأﻟﻴﭼورية في القصة القصيرة «صراع النمل» للكاتبة سهير شحادة

                       

قرأت مؤخرًا على صفحات  "الاتحاد" قصة قصيرة للكاتبة سهير شحادة تحت عنوان «صراع النمل» ، أبطالها من النمل ، تهدف الى التعليم ، أو تقديم العِبَر والارشاد عن طريق ما يُعرَف بالمثل الخرافي حيث تلجأ الكاتبة كغيرها من الكتاب في العصور السابقة والحديثة أيضًا الى مثل هذا الأسلوب ، وذلك لتجنُّب أمور قد تعود بالضرر على الكاتب أو لإمتاع القارئ وجلب الفائدة للمتلقين، لأن الناس يقبلون على القصة المروية على السنة الحيوان كالحشرات هنا أي النمل، أكثر من الوعظ والإرشاد بطريقة ظاهرة ، ومن هنا يكون الكاتب قد حقّق هدفه ، وهو تصوير الحالة الاجتماعية والانسانية ، كما هو الحال في قصة كاتبتنا هنا ، أو أحيانًا بالسياسة ، وكل ذلك بأسلوب رمزي . فعالم الحيوان هو نفسه عالم الإنسان ، وما هذهِ الكائنات (أو الشخصيات) من النمل في قصة سهير شحادة ، إلّا رموز يعطي كل منها صورة من نوع معيّن من الناس . فالنملة التي جاءت تشكو الى معشر النمل حول ملاحقة طفلة صغيرة لهذه النملة ورفيقتها اللتين كانتا تجمعان فتات الخبز اليابس ، وكانت نتيجة ملاحقة الطفلة لهما أن قتلت الطفلة رفيقة النملة الساردة لهذه الشكوى أمام معشر النمل . وفي أجواء حزن واستياء هذهِ النملة مما حدث لرفيقتها ، اعترضتها نملة من مجموعة معشر النمل ، موبخةً إياها وزاعمةً أن ذلك كذب وافتراء ، وادّعت أنّ ما حدث للنملة القتيلة قد يكون جرّاء مخالفة أعراف وتقاليد البشر .

واحتدم النقاش بين معشر النمل بحيث أنّ النزاع بينهم قد تفاقم ، علمًا بأنَّ الكارثة التي حلّت بهم بفعل ذلك الحدث قد جعل زعماء النمل بحكمتهم يقرّرون اللجوء الى مكان آخر يعيد لهم الاستقرار والسكينة والسلامة .

إنّ الكاتبة سهير شحادة في هذه القصة ذات المثل الخرافي الأﻟﻴﭼوري (allegorical) أو الحبكة التأويلية ، قد نجحت في ابراز التماسك الفنّي للأحداث الدرامية في هذهِ القصة القصيرة التي لها أكثر من معنى أو دلالة من منظور الكاتبة أو القارئ . فالكاتبة في قصتها هذه تلجأ الى الرمز كعلامة مختصرة تستعملها للتعبير عن شيء غير مباشر في الواقع الاجتماعي للبشر من حيث أنّ النملة التي قتلتها الطفلة ترمز وتمثِّل فئة المُستضعَفين في الأرض ، بينما معشر النمل يمثّل أيضًا فئات الكادحين ومهيضي الجناح المعرّضين للاستغلال والاضطهاد والقهر والقمع بكافة أشكاله ، ولا تجد أمامها هذهِ الفئة إلّا التسليم بالأمر الواقع والخنوع للظروف المريرة التي تتعرّض لها ، وليس بمقدورها أن تفعل شيئًا سوى الرضوخ والاستكانة وأخيرًا اللجوء والهجرة الى أماكن آمنة حفاظًا على حياتهم واتقاء الشرور بكل حيثياتها . ومع هذا فإنّ الكاتبة سهير شحادة تأتي في هذه القصة برمز مادي ملموس يشير الى وجود إشارات ولو قليلة تعبِّر عن إشارات كثيرة تدلّ على شيء معين قابل للتفسير من زوايا مختلفة .

ونلمس في قصة سهير شحادة أنّها تجيد بمهارة استخدام الكلمات الموحية باعتمادها على اللغة باعتبارها جوهرًا ويصاحبه نمط من الإنفعال في تصوير الواقع الداخلي أو الخارجي بأسلوب فني لافت وأنيق .

وبعبارة أخرى ، تستخدم الكاتبة بُنية مضمرة للإشارة الى مجموعة عناصر مترابطة في النّص ، وهذا الترابط قائم على أساس ضمني وذي دلالة غير مباشرة .

ويُلاحَظ أنّ الكاتبة ترى في هذا المثل الخرافي بأنّه خير وسيلة يُستَعَانُ بها لتلقين الأحداث ، وتلقين الصغار ، ومبادئ الأخلاق والسلوك القويم ، والرحمة بما يختزنه من عناصر التشويق ، وإثارة الخيال ، والبُعد عن النظرة التجريدية الى الشواهد الحسيّة الملموسة المؤثرة .

ولا بد لنا في ختام هذا التعليق الموجز أن نحيّي الكاتبة النجيبة سهير شحادة التي كتبت هذه القصة التي تتّسم بالحكمة والمعاني العميقة متعدّدة الأوجه ، والتي اكتسبتها من واقع الحياة ، والتي تتخطّى حدود الزمان والمكان لأنها تعبِّر عن حقائق الانسانية الشاملة ، فالسرد القصصي هنا ، ليس غاية لديها ، إنّما هو لإسداء الحكمة عن طرق المثل القصيرة .

وأخيرًا ، نتمنى للأخت الفاضلة الكاتبة سهير شحادة دوام التوفيق والمزيد من الابداع والتألق في عالم الأدب.

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب