كان النظام الإيراني يتبنى مقاربة أيدولوجية يتشاركها الإسلاميون جميعًا، أنه بالإمكان هزيمة الواقع نفسيًا قبل هزيمته ماديًا، عبر شحن الجموع بقوة العقيدة واشباعهم بمفاهيم الوعود الأخروية لقاء الصبر.
الأحداث الأخيرة في إيران أسقطت هذه المقاربة، وأظهرت أن الأفق المسدود للنظام ينبع لا من خلل عقائدي أو فكري إنما من خلل تنموي، فإيران منذ محاصرتها بعد الثورة بقيت على نموذج يصطلح عليه بـ"التنمية الرثة" التي انفجرت في وجه النظام.
النظام الإيراني الذي قام كنظام ثوري وجد طرقًا ليدفع عجلة التطور الرثة طوال ما يزيد عن أربعة عقود بحكم كونه نظامًا ثوريًا وعبر "تصدير الثورة" ولكن النظام وصل إلى مفترق صعب.
يختلف النظام الإيراني عن غيره من الحركات الإسلامية بأنه تأسس في أعقاب ثورة جذرية مع أن "الفصيل" الذي وصل إلى السلطة وتفرد بها لاحقًا ليس ثوريًا نظرًا لتحالفاته وائتلافه الاجتماعي، سلطة الخميني كانت مكونة من ائتلاف اجتماعي جمع الملالي وكبار الفلاحين وبرجوازية البازار، وهذا يفسر تهميش هاشمي رفسنجاني الذي نادى بتأميم ملكية الأرض وتقييد التجارة الحرة.
ما يمكن الإشادة به في النظام الإيراني هو قدرته على النجاة في حصار خانق، بفعل مجموعة من الشروط والخطوات الخلاقة التي نصنفها على هذا النحو:
1. الطبيعة الثورية للنظام الإيراني جعلت النظام يجد طريقًا لتطوير المجتمع في شروط خانقة من التنمية الرثة.
2. "تصدير الثورة"، عملت إيران على إيجاد نفوذ في الفضاءات السياسية لدول المنطقة عبر ما عرف بـ"تصدير الثورة"، الذي رغم الحصار جعل حدود إيران تبدأ من خارجها، في شكل مُصغر من الإمبراطورية الإقليمية.
3. رغم الخصومات العديدة مع دول في المنطقة، وبالذات مع دول الخليج، إلا أن النظام الإيراني لم يكن نظامًا مغامرًا (كحالة صدام مثلًا)، فكان يكفي الأنظمة المتخاصمة إبعاد خطر "تصدير الثورة" والنفوذ في الفضاءات السياسية للدول على "الصديق المهيمن"، أي الشاه، والارتياح المبدئي لوضع الخصم/العدو المنبوذ على الصديق المهيمن.
4. تماسك وحدة صف النخبة القائدة لفترات طويلة قبل أن الدخول في حقبة الإقصاءات الداخلية.
5. تأسيس قوى أمنية أيديولوجية ممثلة في الباسيج والحرس الثوري.
بعد امتداد السابع من أكتوبر تآكلت الشروط التي قوت شوكة النظام الإيراني وعززت حضوره محليًا وإقليميًا، فقد خسر النظام الإيراني مساحات نفوذ كبيرة في دول المنطقة في أعقاب تفرد إسرائيل بحلفائه ومن ثم الحرب المباشرة عليه، وتراجعت فكرة "تصدير الثورة".
مع الانكفاء الداخلي والعقوبات انخفض منسوب التطور الداخلي ضمن حدود "التنمية الرثة" وحدث نوع من التفسخ في الائتلاف الاجتماعي الذي صعد مع "ولاية الفقيه". هذا التفسخ في الائتلاف الاجتماعي انتقل إلى النخبة السياسية التي لم تعد موحدة بل إن رؤساء سابقين كأحمدي نجاد وحسن روحاني تم تهميشهم ضمنيًا في خلافات مع المرشد الأعلى، ويصعب تقدير مدى التماسك الداخلي في النخبة وهل هي نخبة متماسكة في حدود رفض العدوان الخارجي أم أيضًا فيما يخص الوضع الداخلي الإيراني.
أما نقطة قوة النظام اليوم فتمكن في عاملين، أولهما وجود عدد كبير من الأنصار الايديولوجيين المقتنعين بالأفكار العليا لولاية الفقيه، وثانيًا تنظيم هؤلاء الأنصار في قوى مسلحة أيدولوجية هي الباسيج والحرس الثوري الذين يدينون بالولاء فوق كل اعتبار لفكرة الولاية الدينية التي تنوب عن المهدي وتمهد لقدومه.
الحالة الصعبة التي وصل إليها النظام الإيراني لا تفسح المجال لكثير من السيناريوهات، فقد يسقط النظام حقًا بفعل نفاد شروط تماسك النظام الذي استقر عليها بعد الثورة بسيناريوهات غير متوقعة كانقلاب عسكري أو غيرها، وقد ينجو أيضًا.
ولكن حتى لو بقي النظام، وهذا وارد جدًا، فإن نفاد شروطه تعني أن النجاة هذه المرة هي احتواء للأزمة وتأجيل حلها حتى الموجة القادمة، أي أن النظام بحلته الحالية انتهى حقًا والسؤال إذا بقي كيف هل سيعيد ترتيب نفسه أم سيحاول البقاء على هذا الشكل.
إذا صحت الأخبار من الداخل الإيراني عن تصفية الشبكات الموالية لإسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية فهذا يعني انخفاض فرص إحداث فراغ سلطوي جراء ضربات عسكرية، وقد يعني هذا اتحاد الإيرانيين ضد العدوان العسكري إطار وطني دستوري إيراني.
.jpeg)


.jpg)




.png)



.png)