لم يجب أحد على السؤال الذي أنهيت به المقال الفائت. وأنا بدوري سأترك الإجابة للسياق.
كان صديق قد بادرني قائلا: سأسمح لنفسي بلعب دور محامي الشيطان لأسأل: هل كانت القيادة الصهيونية في العام 47 ستسمح بإقامة دولة عربية تطبيقا لقرار التقسيم؟
قلت: هذا السؤال ليس جديدا ولا يخص محامي شيطان، أو ملاك نبي. منذ النكبة، تردد على ألسن عشرات آلاف الناس، وفي مقدمتهم قيادات وأعضاء التنظيمات والأحزاب، وبهدف وحيد: تبرير جريمة النكبة، تبرئة القيادات من جريرتها، ومنع إعادة البحث والتقييم. صياغة السؤال مصممة للحصول على إجابة واحدة: القيادة الصهيونية بخطط أطماعها وجشعها المعروفة، كانت ستمنع قيام الدولة، سبيلا لابتلاع القسم الأعظم من أراضيها كمرحلة أولى. وعليه لا شأن لِمقامرة القيادة السياسية آنذاك بعاقبة النكبة أو تسريع حدوثها. كانت قدرنا.
جوابي أن كل ذلك غير صحيح. كانت الدولة الفلسطينية ستقوم بكل تأكيد. وكانت ضمانات الأمم المتحدة كافية للمحافظة على استقلالها وضمان ثبات حدودها، تطورها وازدهارها. وعلى العكس تماما مما يستهدفه السؤال كانت القيادة الصهيونية والدولة اليهودية الناشئة ملزمتين بعلاقات سلام، حسن جوار وتعاون مع الدولة الفلسطينية. كيف؟
1- كان انكشاف أهوال جرائم الإبادة النازية - الهولوكوست -، نهاية الحرب العالمية الثانية العام 45، قد مكن القيادة الصهيونية من لعب دور المسؤول الحصري عن مصائر اليهود في العالم. وكان أن نجحت القيادة الصهيونية في الضغط وابتزاز الضمير الأوروبي، وجعل دور الضحية حكرا على اليهود فقط. وعليه كان من غير الممكن التضحية بذلك التعاطف العالمي الهائل، متعدد الأبعاد والمستويات، من خلال مسلك مناقض، يحتمل أن يعصف بكل تلك المكاسب.
2- كانت القيادة الصهيونية على معرفة دقيقة بأنها صنيعة الشرعية الدولية القديمة والجديدة. عرضت مطالبها على، وشاركت في نقاش كل لجان التقصي والتحقيق، وفي بلورة مشاريع التقسيم، بدءا بتقسيم بيل العام 37، وانتهاء بالقرار 181 العام 47. وفي مداخلات مندوبها إلى الجمعية العامة العام 47 قدمت قبولا واضحا للقرار، وحثت راعيتها الولايات المتحدة على العمل بكل الوسائل لتمريره. ولا حاجة للتذكير هنا بأن القيادة الصهيونية كانت على علم تام بأن القرار ينص على قيام دولة فلسطينية مستقلة، مرتبطة مع الدولة الصهيونية المبتغاة بسلسلة من الروابط، وفي مقدمتها الاعتراف المتبادل بين الدولتين، والعمل الحثيث على بناء علاقات تقوم على السلام وحسن الجوار. وعليه كان يستحيل على القيادة الصهيونية القيام بأي فعل يناقض كل ذلك.
3 - كانت القيادة الصهيونية، وقد شارك مَندوبوها في الحوار وصياغة القرار، على علم تام بأنه ينص على إنشاء لجنة من ممثلي خمس دول عضوة، تتسلم المناطق التي ينسحب منها الانتداب، تُسلمها لِلدولة صاحبة الشأن حسب القرار. تنشئ إدارة مؤقتة هنا وهناك، وتهيئ البلاد لانتخابات ديموقراطية، باقتراع سري وتمثيل نسبي لِجمعية تشريعية - برلمان - في كلا الجانبين، تمهيدا لإعلان استقلال الدولتين وقبول عُضويتهما في الأمم المتحدة خلال سنة واحدة من تاريخ اعتماد الجمعية العامة للقرار. تعرف أن اللجنة الخماسية مكلفة بوضع علامات الحدود، القوانين، اللوائح، القواعد والمعاملات، لتفعيل الروابط الاقتصادية، التعرفة الجمركية، العملة الموحدة، الاستخدام المشترك للموانئ البحرية والجوية، الحركة بين أجزاء الدولتين، التنقل الحر للمواطنين، المواطنة في الدولتين.. الخ. وقبل هذا وذاك علاقة الدولتين بمنطقة القدس وإدارتها الدولية وحركة المواطنين منها وإليها. وغير ذلك الكثير. لقد كان متعذرا على القيادة الصهيونية إدارة الظهر، فجأة أو بعد لأي لكل ذلك.
4- صحيح أن القيادة الصهيونية كانت ترى أن حصتها المقررة في قرار التقسيم لا تتسع لتوطين ملايين اليهود في فلسطين، وبالتالي أن أعرب قادتها في اجتماعات سرية عن تطلعهم لنشوب حرب تمكنهم من سلب أجزاء واسعة من أرض الدولة الفلسطينية، يعقبها تلبية طموح آخر يتمثل في منع قيام الدولة الفلسطينية. لكن الصحيح أيضا أنها راهنت على حماقة خصمها الفلسطيني وذهابها إلى حدود جنايتها على نفسها. والمدهش أن رهانها هذا نجح نجاحا هائلا.
5 - وفي الواقع العملي كان أن حدث التالي:
أ - في الحرب العربية الإسرائيلية العام 48 احتلت إسرائيل 14 قرية لبنانية، أعادتها جميعا للبنان اثر اتفاقية رودس للهدنة العام 49.
ب- بعد إعلان الاستقلال 14/5/48 اتخذت إسرائيل من تل أبيب عاصمة دائمة لها، وذلك بالرغم من احتلالها للأحياء والقرى العربية في القدس الغربية. أقامت الدول سفاراتها هناك. وفي العام 1980 تم نقل العاصمة من تل أبيب إلى القدس. لم تنتقل السفارات كما تقضي العادة. بقيت السفارات مكانها. كان الفعل كله، من حكومة إسرائيل، ومن الدول الصديقة، يعبر عن مواصلة الالتزام بقرار التقسيم الذي نص على إدارة دولية لمنطقة القدس. كان نقل السفارة يتطلب قرارا خاصا من البرلمان، لكون النقل خروج على قرار التقسيم.
ج - وفي العام 56 احتلت إسرائيل سيناء من مصر في الحرب المعروفة بحرب السويس. عاندت إسرائيل في البداية الإرادة الدولية بالانسحاب من سيناء. صدر عن وزير الحرب موشيه ديان تصريح قال فيه أن شرم الشيخ بدون سلام أفضل لإسرائيل من سلام بدون شرم الشيخ. ثم كان أن انصاعت إسرائيل للشرعية الدولية. انسحبت من سيناء كما من قطاع غزة.
د - وبعد احتلال سيناء العام 67 أقامت إسرائيل في سيناء، بين رفح والعريش، مجموعة مستوطنات، كبراها مستوطنة ياميت، معربة عن عزمها الاحتفاظ بسيناء من خلال ضمها. أخيرا انصاعت للإرادة الدولية بالانسحاب بعد تدمير هذه المستوطنات.
خلاصة القول إن الوقائع السابقة تقدم البرهان، مصحوبا بالدليل القطعي، على أن القرار الدولي بالتقسيم، والضمانات الدولية بأمن حدود وسيادة الدولة الفلسطينية كانت كافية لحمايتها من أية نوايا، من أية أطماع من قبل الدولة اليهودية في العدوان عليها واقتطاع أجزاء وأراضي منها، وضمها للدولة اليهودية. أي العكس تماما مما أراده القائلون بالنوايا الصهيونية المبيتة ضد الدولة الفلسطينية المستقلة. هل معنى ذلك أن القيادة الصهيونية لم تضمر نوايا، لم تضع مخططات، لم تُبيت أطماعاً في التهام أراض وضم مناطق، والحيلولة دون نشوء الدولة الفلسطينية؟ المؤكد أنه كان لها كل ذلك، لكنها وضعت كل بيض رهاناتها في سلة الحماقة السياسية للقيادة الفلسطينية. وكان أن بيض هذا الرهان فقس كله محققا فوزا مذهلا للقيادة الصهيونية، وملحقا خراباً أشد إذهالاً بالشعب والقضية.
ونختم بالعودة لعنوان المقال وحديث المكسب والخسارة من قبول ورفض القرار، والبداية من الرفض.
لا نحتاج إلى التذكير بأن حصيلة الرفض تمثلت في خسائر نعاني تبعاتها حتى يومنا هذا، وأن شعبنا وقواه الوطنية حاول على مدار أعوام النكبة ال78، وبتضحيات هائلة، تعديل بعض نتائج الخسارات. نجح أحيانا قليلة، وفشل أغلب الأحيان. والمشكلة التي نعانيها حتى الساعة أن حبل الخسائر على الجرار. ينذر بنتائج أفدح بما لا يقاس.
وننتقل إلى فرضية القبول، ونبدأ بالخسارات. كانت الخسارات ستنحصر في أمرين. الأول أن أكثر من نصف الوطن كان سيبقى تحت إدارة أجنبية، وإن ظل التنقل منه وإليه متاحا. والثاني أن قرابة ثلث شعبنا - 490 ألفا في الحصة اليهودية و85 ألفا في منطقة الإدارة الدولية - لن يحظى بالاستقلال التام. سيكون الأولون في وضع يشبه ذلك الذي عليه أهلنا في الداخل الآن، مع بداية أفضل بكثير. أقلية قومية متساوية الحقوق، ينقصها إشغال بعض المواقع السيادية كرئاسة الدولة، رئاسة الوزراء، ربما رئاسة البرلمان، الوزارات السيادية، قيادة الجيش.. الخ، كما هو حال الأقليات في كل بلدان العالم.
غير ذلك كان سيعود على الجزء الآخر من شعبنا الذي سيحظى بالاستقلال، بعديد المكاسب الصافية. كنا سنحظى بِدولة كاملة السيادة تحرم جارتها اليهودية من، وتشاركها في، صورة واحة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط. تحول بين الدولة اليهودية وبين خدمة المصالح الاستعمارية في منطقتنا العربية. غير ذلك كانت دولتنا المستقلة قابلة للحياة كونها تقوم على مساحة تقارب ال12 ألف كم2، كلها قابلة للاستثمار، لها واجهة بحرية تزيد على مائة كيلومتر، من شمال أسدود إلى رفح في الجنوب، ومن جنوب عكا إلى رأس الناقورة في الشمال. تقاسم جارتها اليهودية مناصفة في مياه نهر الأردن وفي استثمار كنوز البحر الميت. لها ميناءان بحريان؛ يافا وأسدود وشراكة في ميناء حيفا. لها ميناء جوي هو مطار اللد. لها حدود طويلة مع مصر في الجنوب، الأردن في الوسط، ولبنان في الشمال. قبل ذلك وبعده تتمتع بنظام سياسي ديمقراطي متقدم، أعطى المرأة حق الانتخاب في وقت مبكر. كانت الدولة الفلسطينية بِأحزابها السياسية، بِنقاباتها، اتحاداتها، جمعياتها.. الخ مؤهلة أكثر من بعض شقيقاتها العربيات للعب دور الشريك الريادي الفاعل في الجامعة العربية والمنتديات العربية الدولية.
وماذا أيضا؟
في تقديري أن أكبر المكاسب كان سَيتمثل في حقيقة أن وضع الاستقلال وعلاقات الشراكة العديدة مع الجارة اليهودية سيفعل كل الحوافز للدخول في عصر المنافسة الحضارية مع الجارة اليهودية. صحيح أن هذه الجارة كانت تسبقنا بمراحل في البنية التعليمية وعلى رأسها المناهج الحديثة، الجامعات، مراكز الأبحاث، الصناعة، الإدارة، البنية التحتية، التعليمية، الصحية، الكهرباء، الاتصالات، الطرق، السكك الحديدية وغير ذلك الكثير مما يفعل كل الحوافر للنهوض ببنيتنا التعليمية التي كانت في طور الحبو، والعمل بأقصى الطاقات لسد هذه الفجوة الواسعة والعميقة، وتشكيل نوع من المنارة الحضارية للأشقاء العرب في كل مكان.
مختصر الكلام أن المكسب الأساس من قبول القرار أن الشرق الأوسط كان سيسير في طريق فعل مغاير تماما للذي سار عليه حتى الآن. وفي تقديري كان القبول سيضع للعدوانية الإسرائيلية الف لجام ولجام.
وأختم بالسؤال: إذاً، لماذا هذا التطير من احتمالية العودة للأسوأ مما كان؟




.jpg)




.png)



.png)

