نور قربي، من كفر قرع، أخصائية نفسية مجتمعية تحمل لقبًا أول في علم النفس والدراسات النسوية والجندرية، ولقبًا ثانيًا في علم النفس الاجتماعي، وتنهي خلال العام القريب ماجستير ثانيًا في الدراسات البيئية وإدارة الموارد الطبيعية.
من هذا المزيج الشخصي والأكاديمي وُلد مشروعها "خَضرة"، الذي تسعى من خلاله إلى ربط الهوية بعالم النبات، وتعزيز الوعي البيئي والاجتماعي والسياسي.
"خَضرة" ليست مجرد مساحة لتربية النباتات أو ورشات بيئية عابرة؛ بل هي فعل وعي سياسي وثقافي، يربط بين الأرض والهوية، بين الصمود الشخصي والجماعي، وبين البيئة كعدسة لفهم واقع الاحتلال والإبادة.
تؤكد قربي أن الزراعة هي جذورنا الضاربة في تاريخنا وهويتنا الفلسطينية. ومن خلال "خَضرة"، يتحوّل النبات إلى وسيلة للتعبير والمقاومة، ومساحة للتأمل النفسي والاجتماعي، وسردية بديلة تُعيد للناس صلتهم بأرضهم وذاكرتهم. في زمن تُقتلع فيه أشجار الزيتون وتُنهب الأراضي وتُقصف البيوت، تصرّ قربي على أن تبقى "الشروش قوية بالأرض"، وأن تظل البيئة جزءًا لا يتجزأ من معركتنا الوطنية.
في هذا الحوار مع "الاتحاد"، تكشف قربي أبعاد مشروعها ورسائله، وكيف يتحوّل النبات إلى لغة مقاومة وهوية وصمود.
"الاتحاد": بداية كيف بدأ اهتمامك الشخصي بالنباتات؟
تقول قربي: "عندما انتقلت إلى تل أبيب للدراسة، وجدت نفسي أعيش في شقة ضيقة بلا شرفات، بعدما كنت معتادة على بيت عربي فيه حاكورة والعديد من الشرفات، بدأت أبحث عن بدائل تمنحني إحساس الانتماء.
خلال أزمة كورونا انخرطت أكثر في عالم النباتات وبدأت رحلة البحث الخاصة بي، لاحظت حينها أن معظم المعلومات كانت بالإنجليزية أو العبرية، ومن خلال صفحتي في انستغرام عمدتُ على إرفاق منشورات أسبوعية بهدف انتاج معرفة للآخرين أيضًا شملت معلومات حول 230 نبتة، وذلك بهدف بناء دليل بالعربية يحوي معلومات وارشادات عناية، وأسعى بالتأكيد إلى أرشفة هذا الدليل يومًا ما في موقع خاص، ليكون مرجعًا بيئيًا وثقافيًا باللغة العربية".
"الاتحاد": ما هي "خَضرة" وكيف تأسست فكرة المشروع؟
"خَضرة هو مشروع يجمع بين الهوية وعالم النبات، والهدف منه تعزيز الوعي البيئي والتواصل مع الطبيعة عبر فعاليات اجتماعية وتربوية. في صفحة "الانستغرام" أيضًا أقدّم معلومات عن تربية النباتات البيتية. عمليًا، المشروع هو تقاطع بين ما أحب: الهوية والبيئة، وهو تقاطع مهم جدًا لفهم سياق الأمور وتحليل المشهد العام من خلاله. ومن خلال مهنتي كأخصائية نفسية مجتمعية أدرس الظواهر المجتمعية، وأبحث في قضايا الهوية وانتمائي لهويتي ولشعبي وعروبتي وفلسطينيتي، وأمزج هذا كله مع هواية الزراعة والاهتمام البيئي.
الفكرة لم تكن مخططة مسبقًا، بل جاءت من صفحة مجهولة الهوية. صراحةً، الزراعة هي جزء من جذورنا. ثقافتنا الفلسطينية في بلاد الشام مبنية على الزراعة، لكنها تُقدَّم اليوم كـ"تريند" جاءنا من الغرب، مع أننا رُبّينا فيه. أنا شخصيًا نشأت في بيت فيه حاكورة نزرعها كل موسم للاستهلاك الذاتي، وجدي كان مهووسًا بالزراعة وحديقته مرتبة، وجدي الآخر عمل في الأرض. لذلك أقول دائمًا إن الزراعة هي جذورنا وهويتنا، وليست دخيلة علينا".
"الاتحاد": من هو جمهور الهدف الذي يشارك في ورشات "خَضرة"؟
قربي: "كنت أتمنى القول إن الجمهور هو من الصبايا والشباب، لكن الواقع أن الغالبية الساحقة هي نساء وفوق سن العشرين. أقمت أيضًا ورشات مع مسنات خرجت منهن قصص عن الأرض وتجارب لا يعرفها الجيل الصغير. كما أقمت ورشات مع أطفال في الحيز العام، في منتزه يحمل هوية البلد (كفر قرع) ويحتوي على بير تاريخي كان الناس يملؤون منه المياه. المنتزه كان متروكًا طويلًا، لكنني أردت إحياءه من خلال الورشات. كذلك، نفذت ورشات مع طواقم عمل.
الجميل أن كل ورشة تمنح مساحة للحوار واكتشاف الذات. المشاركات يتفاعلن بطرق مختلفة، وكل واحدة تجد زاوية تلامس حياتها وتجربتها".
وتوضح قربي أنّ الورشات في "خضرة" متعددة ومتنوّعة، ولكل منها هدف خاص:
- ورشة التشريش: الأقرب إلى الناس، لأنها فريدة وتلفت النظر. تقول قربي: "أعتقد أنها الأقرب للمشاركين، فهي تُظهر السيرورة بشكل واضح؛ إذ يمكنك أن تراقبي الجذور وهي تتكوّن في الماء، وهذا مختلف تمامًا عن رؤيتها في التربة.
- ورشة الصبر والصبّار: ذات بعد وطني وعاطفي، كانت مساحة للتعبير عن الصمود والحزن، وفتحت مجالًا للحديث عن قضايا مسكوت عنها.
- ورشات ترفيهية وتزيينية للقوارة: تركّز على الجانب الحسي–العاطفي، وتربط بين النباتات والمشاعر اليومية.
- ورشات بذور: للتعرّف إلى أساسيات الزراعة منذ بداياتها.
- ورشات فن من وحي الطبيعة: تهتم أكثر بجانب الاستدامة، وكيفية استغلال العناصر الطبيعية المتوفرة لإنتاج فن بطرق متعددة.
"الاتحاد": شعارك "خلي شروشك بالأرض قوية" يحمل الكثير من الدلالات. ما الذي تسعين إلى إيصاله للمشاركين من خلال هذا الشعار؟
- "الشروش هي كل شيء. هي الأصول والتاريخ والسردية. إذا كان الأساس غير متين، ننهار بسهولة. هذا ينسحب على الجانب الزراعي المرتبط بالتمسّك بالأرض، وعلى الجانب النفسي المتعلق بالحصانة والصمود.
الشعار لا يحمل دلالة جندرية، فلا هو 'شروشَك' ولا 'شروشِك'، بل 'شروشك' للجميع. أردتُها عبارة شاملة يتفاعل معها كل شخص على طريقته. في النهاية، المعنى واحد: أن تكون جذورنا قوية حتى نصمد في وجه التحديات، سواء كانت نفسية أو مجتمعية أو سياسية".
"الاتحاد": هناك أكثر من بُعد لورشات "خَضرة". كيف يتمثل بالبُعد الوطني والصلة بالأرض؟
-"الورشات تقوم على ثلاثة محاور: محور معلوماتي، محور عاطفي–مجازي، ومحور تطبيقي. على سبيل المثال، ورشة الصبر والصبار التي أطلقناها في الأشهر الأولى للحرب كانت متنفسًا للتعبير عن الحزن والقهر في ظل كمّ الأفواه والتسكيت. وجد المشاركون أنفسهم يروون قصصهم من خلال نبات الصبار، الذي يرمز إلى الصمود الوطني والتمسّك بالأرض.
البُعد الوطني يظهر أيضًا في تقدير نعمة الأرض، وفي الانتباه لأبسط مظاهر النمو التي تُعيد إلينا قيمة ما فقدناه كشعب. بهذا المعنى، الزراعة تتحول إلى فعل مقاومة وصون للذاكرة".
"الاتحاد": أما البُعد الآخر، فهو جودة الحياة التي تبحث عنها المشاركات. كيف تعالج الورشة هذا الجانب؟
-"أنا لست معالجة أفراد، ولا أدّعي ذلك. ما أقوم به هو معالجة ظواهر مجتمعية. النساء، مثلًا، يجدن متنفسًا من خلال العناية بالنباتات. الانتباه إلى السيرورات الصغيرة، مثل نمو نبتة أو نجاح تجربة إكثار، ينعكس على حياتهن اليومية.
أركز على الاستدامة البيئية التي تحمل أيضًا بُعدًا ماديًا. كيف نعيد إنتاج ما نملك؟ كيف نستغل الموارد الطبيعية المتوفرة ونكاثر النباتات؟ كيف نصنع أدوات تجميلية للبيت بأقل تكلفة؟ هذه التفاصيل الصغيرة تتحول إلى أدوات لتحسين جودة الحياة، إدارة المنزل، قضاء وقت تربوي مع الأطفال، وحتى تعزيز الصلة الأسرية عبر العمل الجماعي في الحديقة".
"الاتحاد": هل الضغوطات التي نمر بها كمجتمع وكأفراد في هذه الفترة العصيبة تعزز الدوافع للمشاركة في الورشات؟ وما الذي تمنحه الورشات في هذا السياق؟
-"بالتأكيد. في ظل الحروب والضغوطات المجتمعية، يبحث الناس عن متنفس ومساحة للتعبير. الورشات تمنحهم هذه المساحة. هي بمثابة بوابة أولى إلى عالم النباتات، يكتشفون من خلالها تجارب إيجابية وربما يمرون أيضًا بتجارب فشل، لكنهم يتعلمون كيف يحولونها إلى فرص.
هذا كله ينعكس على حياتهم. مثلًا، قد تتعلم المشاركة مهارة صغيرة في الورشة وتجد نفسها تطبقها في جوانب أخرى من حياتها بوعي أو دون وعي. بالنسبة لي، هذا جزء من مهمتي في معالجة الضغوطات المجتمعية عبر بناء حصانة جماعية".
"الاتحاد": ما هي أهم الانطباعات أو ردود الفعل التي تتركها الورشات على المشاركات؟
-"الردود كلها عاطفية وشخصية. كثيرات يقلن إنهن 'وجدن أنفسهن' في الورشة. إحداهن حصلت مني على قصاصة نبات عام 2021، وبعد سنوات أرسلت لي صورًا للنبات وقد تكاثر وانتشر في بيوت أخرى.
ردود أخرى تتمثل في قولهن: 'فتحتِ لنا عالَم العناية بالنباتات' أو 'بدأنا نزرع في الحاكورة' أو 'نريد أن يتعلم أطفالنا هذه السيرورة'. هذه الانطباعات تعكس الأثر العميق للنباتات على الحياة اليومية، وكيف تتحول الورشة إلى بداية رحلة طويلة".
ما الذي تضيفه "خَضرة" إلى النقاش البيئي–السياسي في فلسطين؟
-"لا يمكن فصل البيئة عن الواقع السياسي. أزمة المناخ مرتبطة بالحرب. الاحتلال يستخدم القصف لتخريب الأرض وتسميمها. المياه الجوفية لا تعرف الحدود، وما يحدث في غزة من تدمير ينعكس على إسرائيل أيضًا.
الاحتلال يمنع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم، يقتلع أشجار الزيتون، ينهب الأراضي، ويسرق حتى الأشجار الرومانية القديمة. الناس المستضعفة هي التي تدفع الثمن. بالنسبة لي، البيئة عدسة أرى من خلالها كل شيء. لا أستطيع فصلها عن قضيتي الفلسطينية، ولا عن هويتي الجندرية أو المجتمعية".
"الاتحاد": ما هي رسالة "خَضرة" الأخيرة التي تودين توجيهها لجمهور القراء؟
"رسالتي هي: خلّوا شروشكم بالأرض قوية. تمسكوا بما تؤمنون به، واعتبروا الأرض مصدرًا للطاقة والثبات. بالنسبة لي، وجدت ذلك في الزراعة والنشر، لكن كل شخص يمكنه أن يجد طريقه الخاصة ليترك أثرًا إيجابيًا في مجتمعه.
علينا جميعًا أن نؤدي 'ضريبة المجهود' من أجل ترك أثر. هذا هو الطريق لتبقى جذورنا قوية في هذه البلاد، في ظل الصراع، وفي سيرورة الحياة والبيئة".







.jpeg)




