أقرّ الكنيست مطلع الأسبوع في يومه الأخير قبل الخروج لعطلة، بالقراءة الثانية والثالثة، قانون "سلطة مكافحة الفقر" للنائبة عايدة توما-سليمان عن الجبهة الدمقراطية، ونواب عن حركة " شاس"، وذلك في خطوة اعتبرها الكثير من المراقبين لمجريات الأمور في الكنيست تاريخية كونها تمأسس إقامة سلطة حكومية تعمل تحت وزارة الرفاه والخدمات الاجتماعية، وتجعل موضوع مكافحة الفقر امرا بنيويا في أجندة عمل الوزارة وليس طارئا وعابرا حسب اهتمامات الوزير.
وقد أجرت "الاتحاد" الحديث التالي مع النائبة توما سليمان صاحبة القانون حول أهميته والجدوى من إقامة مثل هذه السلطة ولماذا الآن؟
فقالت: الحقيقة انني منذ سنوات اضع على طاولة الكنيست اقتراح القانون والذي هو ثمرة تعاون مع جمعية " بيتحون ليف" التي تعمل منذ اكثر من عشرين عاما في دعم ومساعدة العائلات والافراد الذين يعيشون تحت خط الفقر، وسعدت انني تمكنت مع نواب آخرين بإقرار هذا القانون وبالذات الآن اذ ان هذه الدورة، وفقط قبل أسبوعين، شهدت إقرار الكنيست لأخطر واقسى ميزانية للدولة وهي تُنزِل الكثير من الضربات الاقتصادية على البلاد، وتثقل كاهل المواطنين يشمل الطبقات الوسطى منهم بالمزيد من الضرائب وغلاء الأسعار. والأنكى من ذلك أنها تقضم من ميزانيات وزارات التعليم والرفاه والصحة. ما أقصده هو أن هذا العام سوف يشهد فعلا على ما قلناه دائما بأن الفقر ليس قضاءً وقدرًا، والفقراء هكذا ليس لأنهم كسالى وانما لأن سياسات الحكومات الاقتصادية هي التي تؤدي الى سقوط الناس في دائرة الفقر.
بالنسبة لي أهمية هذا القانون أنه يأتي ليسجل اعترافا من المؤسسات الرسمية، الحكومة والكنيست بمسؤوليتها عن انتشار ظاهرة الفقر وتعمقها، وأن الحل يكمن في تغيير جذري لطرق التعاطي معها. هذا بالإضافة الى أنه لم يكن هناك حتى الآن جسم واضح يتحمل المسؤولية عن علاج الظاهرة وانيط الامر بحسن نية أو وعي وفهم الوزراء، الأمر الذي لا يمكن الاعتماد عليه في ظل انتشار سياسات نيوليبرالية وبعيدة كل البعد عن مصلحة المواطنين والفئات المستضعفة".
الاتحاد: ما هو دور وصلاحيات هذه السلطة وكم من الوقت سوف نحتاج لنرى النتائج؟
توما: لقد عملت في اقتراح القانون أن تتكون السلطة أولا من مهنيين موظفي قطاع عام، يكون تركيز عملهم على بناء خطة سنوية وأخرى خمسية تعتمد على تضافر الجهود بين مختلف الوزارات للدفع بالفقراء خارج دائرة الفقر. ويشرف على عمل المهنيين مجلس يشمل مندوبي وزارات متخصصين مثل وزارة العمل والرفاه والتعليم والمالية ومندوبي جمهور من أكاديميين ونشطاء لهم خبرة مثبته في مكافحة الفقر ومساعدة الفئات المهمشة. كما ستقوم السلطة بمراجعة القوانين المقترحة لاحقا وتقدم التوجيهات للوزارات حول انعكاس كل قانون على قضية الفقر وتأثيره على الجمهور.
هذه السلطة سوف تؤسس معهد أبحاث ودراسات يجمع ويوثق المعلومات حول قضية الفقر في البلاد ويجري الأبحاث حول سبل علاج القضية بالمقارنة مع دول أخرى. قانون السلطة سوف يدخل حيز التنفيذ بعد ستة اشهر من الآن وكان من المهم منح الوزارة الوقت الكافي لاستيعاب الموظفين وتنظيم هيكلية السلطة، خاصة أنه تم رصد مبلغ عشرة ملايين شاقل لجهود التأسيس لهذا العام.
الاتحاد: نحن نعلم أن تشريع مثل هذه القوانين في ظل هذه الحكومة العنصرية صعب جدا عندما يقترحها نواب من المعارضة فكيف نجحت في المصادقة على هذا القانون رغم كل ذلك؟
توما: يجب أن نكون واضحين، في أي برلمان وعندما تكون نائبا عن كتلة صغيرة لا يمكن أن تنجح بسن القوانين دون تعاون وإقناع لنواب آخرين، خاصة من الائتلاف الحكومي، الذي يستطيع عندما يكون واسعا كما في حالتنا اسقاط أي قانون. هذا القانون كما قلت هو ثمرة عمل مشترك مع منظمات المجتمع المدني المهتمة بالموضوع التي قدمت لي الاقتراح لتبنية وتقديمه وقدمته أيضا لنواب من حركة شاس العضوة في الأئتلاف. واضح انه كان هناك تلاقٍ في المصالح بيننا كنواب رغم انتماءاتنا السياسية المختلفة وكوني من المعارضة لسبب واضح هو أنني أمثل المجتمع العربي الذي يعاني بشكل واسع من الفقر، اذ أن أكثر من خمسين بالمئة من العائلات العربية تعيش تحت خط الفقر، كما أن الفقر أكثر عمقا لدى هذه العائلات عن غيرها. وبالمقابل ثاني أكثر مجموعة تعاني من الفقر في البلاد هي الحريديم من اليهود الشرقيين المتدينين لذا كان من الطبيعي ان نبادر من الطرفين للدفع بهذا القانون.
الاتحاد: اذًا بالإمكان التعاون في قضايا معينة رغم الفروقات؟
توما: عندما تكون هناك مصلحة مشتركة واقتناع بأن الحل يلبي حاجة الطرفين يمكن إيجاد نقاط التقاء، مع أن الامر ليس بالسهل في ظل الأجواء العنصرية والفاشية المستشرسة. وللحقيقة، ما سهل قليلا الأمر أن عملية تشريع القانون كانت قد بدأت وحصلت على موافقة الجهات المهتمة في الأمر مثل لجنة التشريع الوزارية قبل بدء الحرب وقبل هجمات السابع من أكتوبر.
ولكن ورغم كل ذلك كانت طريق التشريع محفوفة بالاشكاليات اذ أن فهم مندوبي شاس لطبيعة عمل السلطة مختلف تماما عما رغبت أنا في تثبيته بنص القانون، حيث كانت محاولة لتحويلها الى سلطة جل عملها توزيع المساعدات المالية لإسكات جوع الناس بينما أردت لها اكثر أن تكون سلطة تعمل على تغيير السياسات وتقود تغييرا في أداء الدولة فيما يتعلق بالفقراء ولقد نجحت بالمحافظة بالفعل على هذه الروح في النص.
لقد حاولت الحكومة، من خلال إضافة بند للقانون، القضاء على مجلس الأمن الغذائي في إسرائيل بادعاء انه لدى إقامة السلطة للقضاء على الفقر لن يكون لهذا المجلس أي داع، وطبعا كل ذلك لمعاقبة أعضاء المجلس الذين خرجوا علانية ضد تجويع الفلسطينيين في غزة خلال الحرب الأخيرة، كما اتخذوا موقفا مناهضا للانقلاب على السلطة الذي تنفذه حكومة نتنياهو. وبعد حملة مركزة قدتها في الكنيست وساهمت فيها قوى أخرى من خارج الكنيست نجحت بإخراج البند والإبقاء على مجلس الأمن الغذائي. لقد قدمت هذه الأمثلة ولو لم تكن كلها للتأكيد بأن الاختلاف في فهم القضايا وطرق حلها قد يؤدي الى الكثير من الإطالة والتعقيدات رغم الاتفاق على الخطوط العريضة.
الاتحاد: هل نستطيع أن نقول إننا في بداية الطريق وسوف نرى النتائج لاحقا في مكافحة الفقر والقضاء عليه؟
توما: حين نسعى لسن القوانين فإن ذلك لتقديم حلول لقضايا حارقة للناس، ليس هناك نصوص واضحة وملزمة للحكومات للتعامل معها ونحن نضع الأسس والنظم للعمل المستقبلي حول الأمر. وعلينا كمشرعين وجمهور مهتم ان نراقب عملية التنفيذ وأن نطالب بشكل دوري بتقارير عمل من الجهات المسؤولة كأداة ضغط ورقابة لإلزام السلطات التنفيذية. أنا فخورة وسعيدة بالجهد الذي وضعته في سن هذا القانون لأنه يساهم بشكل مباشر وعميق في تحسين حياة الفئات المهمشة والفقيرة وبكوني ابنة لهذه الجماهير وأتيت من بيت عمالي كادح لطالما اهتممت بهذه القضايا المتعلقة بالعدالة الاجتماعية وحقوق ورفاهية المواطنين الأساسية.



.jpg)



.jpg)

