"الاتحاد"
واصلت إسرائيل اليوم الأحد، في إرسال إشارات واضحة لارتكابها جريمة اغتيال العالم النووي الإيران فخري زادة، يوم الجمعة الأخير. وهذا الاعتراف الضمني، يكرر نفسه بعد كل جريمة إرهابية ترتكبها إسرائيل، بدءا بتسريب "مصادر إسرائيلية" لصحافة عالمية كبرى، ثم ينطلق المحللون العسكريون الإسرائيليون، بسلسلة مقالات، الرابط الجامع بينها واضح جدا، ما يعني أنهم يكتبون بعد توجيهات عسكرية واستخباراتية، يقرر بشأنها من يقف على رأس هرم الحكم.
وتركزت مقالات المحللين العسكريين الإسرائيليين اليوم، في احتمالات الرد، ومعظمهم يقدرون أن الرد لن يكون قريبا، لأن إيران لا تريد الدخول بمسار عسكري، لا تعرف كيف سيتطور، عشية دخول جو بادين الى البيت، وهو الذي انتقد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي مع إيران، بقرار من إدارة دونالد ترامب.
كيف يتخذ قرار الاغتيال
المحلل العسكري في صحيفة "يديعوت احرنوت" أليكس فيشمان، كتب، "تقول الفرضية الاساس انه عشية دخول الرئيس بايدن الى البيت الابيض لا يكون لايران ظاهرا مصلحة في اقتياد المنطقة الى فوضى عسكرية من خلال عملية حربية صاخبة. ولكن كل شيء مفتوح، لان الرغبة في الثأر، في الردع وفي اعادة بناء العزة الوطنية قائمة. والان هذه مسألة فرصة وقدرات".
"ان المبدأ الذي يوجه اسرائيل في حربها ضد النووي العسكري الايراني هو ان تكون كل الوقت في الهجوم: ان تبادر، تشوش، تعرقل، تكسب الوقت. ومثلما لا يوجد عمل واحد يصفي النووي الايراني، فانه لا توجد جهة واحدة في سلسلة انتاج القنبلة منيعة. هذه الحرب تتضمن ضربا للمنشآت، إما بشكل مباشر أو بهجوم سايبر أو من خلال الضغط الاقتصادي او الدبلوماسي، وكذا ضربا للعامل البشري: للادمغة، المدراء والمساعدين".
وحسب فيشمان، فإنه "كقاعدة، عندما تقرر اسرائيل تنفيذ العمليات السرية المنسوبة لها تجري سلسلة سياقات مرتبة جدا. ويبدأ هذا من فكرة في الجسم المحرك للعملية: الجيش، المخابرات، الموساد، يمر في سياقات عمل دراسة مستمرة، جمع معلومات استخبارية، فحص بدائل، عشرات المداولات التي تدرس حالات وردود افعال هامة لكل خطوة. وهنا يشارك مستويات العمل والاجسام الاخرى المشاركة او المتأثرة بالعملية".
"عندما تتبلور الفكرة العملياتية تنتقل الى النقاش والقرار في لجنة رؤساء الاجهزة. ويجب على القرارات ان تتخذ بأغلبية واضحة من رؤساء اجهزة الاستخبارات والا فإن الفكرة تسقط. وفقط بعد ذلك يصل القرار الى القادة: بشكل عام الى الكابينيت او الى مجموعة ضيقة من الوزراء حول رئيس الوزراء. ويمكن لهذا ان يستغرق اشهر طويلة. فخري زادة كان على بؤرة الاستهداف لسنوات طويلة، منذ توقفت موجة تصفية العلماء. وعندما استأنف الايرانيون السباق النووي واقتربوا جدا من القنبلة قرر احد ما تغيير السياسة واعاد تحديد شارة الثمن".
إيران قد تؤجل الرد
ويقول المحلل العسكري رون بن يشاي في مقال له، في موقع "واينت" التابع لصحيفة "يديعوت أحرنوت"، إن "الأيدي الإيرانية مقيدة حاليا. إذ يتطلب الوضع الاستراتيجي منهم حساب خطواتهم بعناية. ويقدرون، ربما عن حق، أن إسرائيل تخلصت من فخري زاده ليس فقط لتصفية الحسابات معه، وتعطيل البرنامج النووي الإيراني لفترة من الوقت، ولكن أيضًا بهدف إلحاق الضرر بفرص الإيرانيين في فتح صفحة جديدة مع الرئيس الجديد جو بايدن، عندما يجلس في البيت الأبيض. الرد الإيراني القاسي الانتقامي على اغتيال فخري زاده، والذي سيؤذي إسرائيل وربما يسقط قتلى بيننا، سيؤخر حوار بايدن مع النظام في طهران، ولن يتعجل رفع العقوبات عنهم".
وتابع، أن أوساطا في إيران تعتقد أن هدف الاغتيال هو جر إيران لمواجهة عسكرية، تعطي دونالد ترامب نقاطا، وهو يغادر البيت الأبيض، ويضيف بن يشاي، "سبب آخر يجعل الحرس الثوري والنظام الإيراني على الأرجح سيؤخران تنفيذ العمل الانتقامي ضد إسرائيل، وهو أن مثل هذا الهجوم الذي سيضر بإسرائيل يتطلب استعدادًا دقيقًا ويجب ألا يفشل. المرشد الأعلى وشعبه يريدون ردع إسرائيل واستعادة هيبة النظام وإشباع الرغبة في الانتقام. هجوم يحقق كل ذلك لا يمكن الاستعداد له وتنفيذه في غضون أيام أو أسابيع قليلة. سينتظرون فصل الصالة الرياضية ثم يحاولون ضربنا". حسب تعبير الكاتب.
شك في رد الإيرانيين
ويقول المحلل في الشؤون الاستخباراتية، رونين بيرغما، في مقال له في صحيفة "يديعوت احرنوت" اليوم الأحد، إن المخابرات العسكرية الإسرائيلية "أمان" بحثت منذ فترة طويلة بشأن فخري زادة، "فقد اعتقد رجال شعبة الاستخبارات "امان" بانه من الافضل ان يبقى على قيد الحياة. هكذا مثلا، في 2009 الغيت عملية تصفيته في مرحلتها الاخيرة. فقد أقنع احد كبار الموساد رئيس الوزراء اولمرت بانه يحتمل أن تتشوش العملية فأمر هذا داغان بالغائها".
وتابع بيرغمان، "منذ النشر عن موت فخري زادة، وتلميحات رئيس الوزراء لما فعله هذا الاسبوع "ولكنه لا يمكنه ان يروي عنه"، كثرت التخمينات عن ان الاغتيال يخلق خطر حرب او اندلاع لعنف حاد في الشرق الاوسط. وفي تحليلات اخرى قيل ان الاغتيال يستهدف تكبيل يدي بايدن في اتصالاته مع ايران. كل شيء ممكن، ولكن اغتيالا كهذا يحتاج الى التخطيط لاشهر طويلة ان لم يكن سنوات، ولا يمكن اخراجه الى حيز التنفيذ بكبسة زر".
وختم، "مشكوك جدا ايضا ان يرد الايرانيون، بعد ان لم يردوا في كل الاعمال السابقة ضدهم. والان ينتظرون كانون الثاني. في حينه كما يأملون، سيتمكنون ربما من الشروع في مفاوضات مع بايدن لاستئناف توريد اموالهم المجمدة في ارجاء العالم. من الصعب الافتراض بانهم سيلقون بكل هذا الان فقط من اجل الرغبة في الثأر فيخاطروا بقوة نار الولايات المتحدة".
الاغتيال كان مسألة وقت
المحلل بالشؤون العربية في صحيفة هآرتس، تسفي بارئيل، قال في مقال له، إن اغتيال عالم الذرة الايراني، الجنرال محسن فخري زادة، كان مجرد مسألة وقت وفرصة مناسبة. الفيزيائي الذي توج بلقب "أبو المشروع النووي الايراني" والذي كان رئيس "مركز الاستعداد الدفاعي الحديث والتكنولوجيا"، الذي فيه طور ايضا المشروع النووي العسكري الايراني، عرف جيدا أن اسمه موجود في القائمة السوداء لاسرائيل والولايات المتحدة".
"في العام 2006، في ظهور في نادي الصحافة في واشنطن، كشف علي رضا جعفر زادة، المتحدث بلسان التنظيم المعارض المقاتل، مجاهدين خلق، قائمة تشمل 21 عالم وفيزيائي يرتبطون بالمشروع النووي ويعتبرون في طاقم جامعة الامام الحسين التي يديرها حرس الثورة الايراني. في المكان الثاني في القائمة ظهر اسم فخري زادة، وقبله كان اسم فريدون عباسي الذي في العام 2010 اصيب اصابة خطيرة في محاولة لاغتياله نسبت لإسرائيل".
"منذ ذلك الحين تمت محاولات اغتيال لعلماء ايرانيين آخرين. وفي العقد الاخير اضيف الى القائمة مئات علماء الذرة الذين تخرجوا من الجامعات، واشخاص مهنيين أسسوا البنية التحتية المعرفية والتطويرية للمشروع النووي الايراني، مستندين الى تطوير ذاتي مدهش والى معرفة ومكونات تم استيرادها أو سرقتها من كوريا الشمالية وباكستان وحتى من دول غربية. هذه الشبكة متعددة الاذرع التي يسيطر عليها حرس الثورة تحصل على تمويل حكومي، غير محدود تقريبا، وهي غير مرتبطة بمؤهلات أو خبرة شخص واحد.
تصريحات نتنياهو استفزازية
المحلل العسكري في هآرتس، يوسي ميلمان، قال في مقاله، إن "تصريحات نتنياهو وترامب يمكن تفسيرها باستفزازات لاشعال حرب، ومحاولة لتصعيد التوتر بين ايران واسرائيل والولايات المتحدة. التوتر زاد مؤخرا على خلفية التقارير عن أن الرئيس الامريكي يفحص مهاجمة منشآت نووية في ايران قبل مغادرة البيت الابيض، رغم أن خبراء يعتقدون أن احتمالية ذلك ضعيفة".
"مع ذلك، يجب علينا أن لا ننسى بأنه مع كل اهمية الانجاز الاستخباري لمن كان المسؤول عن العملية، إلا أنهم في ايران سارعوا الى اتهام الموساد، كل شخص يوجد له بديل. هذا الامر صحيح ايضا عندما يتعلق الامر بعالم كبير. فمهما كان مهما، يمكن ايجاد بديل لفخري زادة لا يقل عنه تأهيلا. أمر آخر، الذي من المهم ايضا تذكره هو أنه يوجد لايران الآن معرفة كافية تمكنها من انتاج سلاح نووي اذا ارادت ذلك".






