جرت يوم الأربعاء الماضي الانتخابات العامّة لنقابة الطلبة في جامعة حيفا، والتي توجه خلالها الطلبة لانتخاب المجلس العام المكوّن من 40 عضوًا لقيادة النقابة وعملها وتمثيلها في الاتحاد القطري ومجلس التعليم العالي خلال السنتين القادمتين.
جرت هذه الانتخابات في أوضاع غير طبيعيّة وغير مسبوقة في ظل جائحة كورونا المستمرة ومنظومة التعليم عن بعد، إذ لم تفتتح المؤسسات الأكاديميّة أبوابها بعد، مما دفع بإدارة النقابة ولجنة الانتخابات الإعلان عن إجراء العمليّة الانتخابيّة عن بعد، عبر شركة خارجيّة تتيح للطلبة التصويت الالكتروني من بيوتهم، والاستغناء لأول مرّة عن صناديق الاقتراع وعن عمليّات الفرز الطويلة والمعقّدة.
إن جولة قصيرة بين الناشطين السياسيين في جامعة حيفا والخريجين منها على مدار عقود تمنح فكرة حول مدى عدم نزاهة وشبهات فساد نقابة جامعة حيفا وعمليّة التصويت فيها، بدءًا من اليوم الأول للإعلان عن الانتخابات وحتّى لحظة فرز الأصوات وانتخاب رئيس النقابة. لقد شكّلت الانتخابات الأخيرة قبل عامين مثالًا واضحًا لهذه الخروقات مع إلغاء نتيجة التصويت في كليّة الحقوق بعد إثبات تزوير لجنة الانتخابات للنتيجة وإضافة أكثر من 100 صوت إلى عمليّة الفرز جميعهم لمرشّح الإدارة، حيث ألغيت النتيجة بعد تصوير عمليّة التزوير وتدخّل الشرطة والقضاء.
معركة غير عادلة وموجّهة مسبقًا
لم تكن شبهات عمليّات التزوير لنتائج الانتخابات وفرز الأصوات المشكلة الوحيدة في انتخابات النقابة في الجامعة، بل شكّلت خاتمة لممارسات أبعد ما تكون عن الديمقراطيّة، حوّلت نقابة الطلبة إلى مركز للفساد.
في منشورها ليلة الانتخابات، أكدت الجبهة الطلابيّة تسجيلها عددًا كبيرًا من الخروقات التي نفذتها النقابة عبر ذراعها في لجنة الانتخابات: أبرزها شطب النقابة لثلاثة مرشحين من مرشحي الجبهة الطلّابيّة دون أي مرجعيّة قانونيّة تسمح بذلك، بالإضافة إلى رفضها البتّ الاستئناف والاحتجاج على قرارها الذي قدمته الجبهة الطلابية.
يضاف الشطب وعدم البتّ في الاستئنافات إلى سلسلة من الخروقات التي بنت معركة انتخابيّة تخدم جانبًا واحدًا فقط، عبر قرارات تبدو تقنيّة في ظاهرها لكنها في باطنها تبني منظومة انتخابيّة تحمل في جوهرها خللًا بنيويّا تسهّل استمرار سيطرة الإدارة الحاليّة على النقابة، بدءًا من استغلال موارد النقابة الكثيرة في المعركة الانتخابية حتّى السيطرة على العملية الانتخابية، ومن ضمنها لوائح المصوتين وطرق التواصل معهم، والذي يمنحها تفوقًا جديًا خاصة في ظل إجراء الانتخابات عن بعد، الأمر الذي يتفاقم مع عدم نشر لجنة الانتخابات أيًا من قراراتها.
هذا كله يضاف إلى طريقة توزيع المقاعد الانتخابيّة، حيث تتحكم النقابة ولجنة الانتخابات بهذه التقسيمة التي تمنحها تفوّقا إضافيًا، عبر دمج كليات مختلفة في مناطق انتخابيّة خدمة لمرشحيها أو لتخفيض تأٌثير وقوّة الطلاب العرب المرتفعة في هذه الكليات وإضعافها.
مهزلة يوم الانتخابات
على الرغم من نشر إدارة النقابة قرارها بإجراء انتخابات الكترونيّة 30 يومًا قبل الانتخابات، إلا أنها تجنّبت نشر ترتيبات عمليّة التصويت ومجرياتها حتّى ليلة الانتخابات. ومع نشر الترتيبات بدأت تتضح معالم يوم الانتخابات وما ينتظر الطلاب من خلالها. فقد خصصت النقابة لتسعة آلاف مصوّت 10 روابط تصويت فقط! أي أن أكثر من 800 طالب اضطروا للانتظار على كل رابط، مما تسبب بانهيار كامل للمنظومة وحرمان مئات الطلبة من الإدلاء بأصواتهم.
مع اقتراب الساعة الثامنة وإنهاء عمليّة التصويت، كان هناك عدد كبير من الطلبة ممن انتظر في غرف الانتظار والروابط للإدلاء بأصواتهم، مما دفع بلجنة الانتخابات إلى تمديد عملية التصويت 40 دقيقة إضافيّة، لكن كل ذلك لم يكف لتصويت كافة الطلاب. مع إغلاق عملية التصويت تبيّن أن نسبة التصويت لم تتجاوز الـ 32%، وتسجيل المراقبين لـ 250 حالة لم يتمكن خلالها المصوتين من الإدلاء بأصواتهم لحجج تقنيّة. فقررت النقابة منحهم، في اليوم التالي، ساعات إضافيّة للتصويت.
يوم إضافي للتصويت تحت سيطرة تامّة لإدارة النقابة
لقد أثار قرار النقابة تمديد التصويت لفئة قليلة من الطلّاب وشبهة التلاعب المستمر بعدد المصوتين كثيرًا من الشكوك، خاصة مع تاريخ الإدارة الحاليّة الغنيّ بالتزوير والتلاعب بالنتائج، فبين ليلة وأخرى تقلّص عدد ممن لم يتمكنوا من التصويت من 250 طالبًا إلى 170 طالبًا، ومن ثم تراجع العدد إلى 53 طالبًا فقط دون توضيح السبب.
بالإضافة إلى شبهة التلاعب بعدد المصوتين، قررت النقابة فرض سيطرتها على كل المعطيات المتعلقة بالمصوتين، هويتهم، وكلّية دراستهم، وطرق التواصل معهم، بالإضافة إلى معرفتها بنتائج الانتخابات الأولى قبل تصويت هذه الفئة، مما يمنحها تفوقّا جديًا يمكن أن يرجّح النتيجة في عدد من الكليّات. والأمر الأهم هو عدم وجود أي ضمان لعدم التلاعب بهذه القائمة وإدخال مصوتين إليها لترجيح النتيجة في كليات متأرجحة.
وما يثير الاستهجان، هو منح فرصة التصويت لهذه الفئة فقط دون غيرها، على الرغم من تسجيل الأحزاب المنافسة عشرات بل ربما مئات الحالات التي لم يتمكن خلالها الطلبة من التصويت لأسباب تبدو تقنيّة بظاهرها.
الحرب مع إدارة النقابة مستمرة لكنها خسرت المعركة الأولى
أصدرت المحكمة المركزيّة في حيفا قرارها بوقف عملية التصويت وتأجيل البت في القرار حتى تاريخ 24 من الشهر الجاري، ومنح كافة الأطراف فرصة للوصول إلى اتفاق وتفاهمات. بينما قررت الجبهة الطلابية عدم التوجه إلى القضاء في هذه المرحلة، وتأجيل المسار القضائي حتّى نشر النتائج النهائيّة، وكشف عملية تصويت هذه الفئة من الطلاب، والكشف عن كيفية اختيارها أو طريقة تسجيل المتضررين. هذا وبالرغم من الإيمان أنه لا يمكن حصر التجاوزات في العملية الانتخابية بعدم تصويت هذه الفئة.
لكن في المجمل، ومع تلخيص الجولة الأولى من هذه الحرب مع النقابة، يمكن القول أن الحركة الطلّابيّة خرجت رابحة من هذه المعركة، وطرحت صوتًا بديلًا لصوت إدارة النقابة الحالية، التي عاثت الفساد في النقابة وامتهنت ممارسات غير ديمقراطيّة في إدارتها. فاليوم اتضح اكثر من أي وقت مضى وخلال معركة انتخابيّة مكثّفة زيف وتوجهات هذه الإدارة وضعفها وقرب التخلّص من إدارتها المستمرة منذ سنوات طويلة. بالإضافة إلى استعادة الحركة الطلّابيّة عافيتها ونشاطها ولو جزئيًا، بعد سنة من تقييدات فيروس كورونا وإغلاق أبواب المؤسسات الأكاديميّة، الأمر الذي شكّل ضربة قويّة للنشاط السياسي العام والنشاط السياسي الطلابي بشكل خاص.

.jpg)







.jpg-996e5f18-912a-407f-b78d-03f46b566fa7.jpg)