قال تقرير لصحيفة "هآرتس" إن جيش الاحتلال يبدي قلقًا متزايدًا من أن "الإنجازات العسكرية" التي حققها الجيش خلال الحرب، والتي أُعيد من خلالها ترسيخ "الردع الإقليمي" بثمن باهظ، يجري توظيفها سياسيًا في ظل الصراعات الداخلية في إسرائيل، ولا سيما من قبل وزراء كبار، في خطاب يتسم بالتباهي والاستخفاف، وصولًا إلى حد الإذلال بحق دول في المنطقة.
وبحسب تقديرات جيش الاحتلال، فإن الانتقال من حالة "الردع الإقليمي" إلى "الإذلال الإقليمي" يدفع دول الشرق الأوسط، بما في ذلك دول وقّعت على اتفاقات أبراهام لتطبيع العلاقات أو تجري محادثات للانضمام إليها، إلى فقدان الثقة بإسرائيل وإلى القلق من طموحاتها الإقليمية. ووفق هذه التقديرات، تعمل تلك الدول على بناء تحالفات مع الولايات المتحدة ودول أوروبا الغربية، وكذلك فيما بينها، بهدف منع إسرائيل من تكديس قوة غير خاضعة للضبط في المنطقة، وخلق أدوات ضغط قد تنعكس سلبًا على أمن إسرائيل واقتصادها.
وقال مصدر عسكري رفيع لصحيفة هآرتس إن "كثيرًا من دول الشرق الأوسط ترى أن إسرائيل خرجت من الحرب أقوى بكثير من حجمها الفعلي في الإقليم". وأضاف: "القدرات التي أظهرها الجيش الإسرائيلي وجهازا الشاباك والموساد أعادت إلى حد كبير الردع أمام مختلف اللاعبين في المنطقة، لكنها، في المقابل، تتحول بفعل الخطاب السياسي المتباهِي وغير المسؤول إلى أداة إذلال. وفي الشرق الأوسط، من يراكم قوة مفرطة ويتباهى بها يُصنّف فورًا كعامل مزعزع للاستقرار يجب الاستعداد له".
ويرى مسؤولون عسكريون، بعضهم يشغل مناصب محورية في مجالات البحث والاستخبارات، أن الأشهر الأخيرة شهدت تآكلًا متزايدًا في الثقة بين إسرائيل ودول المنطقة. ووفق تقديرهم، فإن الردع يمنع التصعيد والحروب، في حين أن الإذلال قد يؤدي إلى نتائج عكسية. ويشير مصدر أمني إلى أن إسرائيل تبث صورة من الثقة المفرطة، بل والمتعجرفة أحيانًا، تُفسَّر إقليميًا كغياب لضبط النفس وعدم استقرار في استخدام القوة العسكرية.
وبحسب هذه القراءة، لا يُنظر إلى الرسائل الصادرة من إسرائيل على أنها تعكس دولة قوية ومسؤولة، بل دولة قد تتصرف بشكل أحادي، وغير متوقع، ودون مراعاة للمصالح السياسية الإقليمية.
وتستند هذه الانتقادات إلى سلسلة تصريحات علنية لوزراء كبار، من بينها تصريحات رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو عن "تغيير وجه الشرق الأوسط"، وتهديده باستئناف الحرب على جميع الجبهات، إضافة إلى خطوات وتصريحات وزير المالية بتسلئيل سموتريتش الهادفة إلى فرض وقائع ميدانية في الضفة الغربية تُفضي إلى ضم فعلي، خلافًا للموقف الأمريكي، فضلًا عن تصريحاته المسيئة للسعودية في سياق الحديث عن التطبيع.
كما تشمل الانتقادات حملة صادرة عن مكتب رئيس الحكومة استهدفت مكانة مصر الإقليمية واتفاق السلام معها، عبر اتهامات بتعزيز قواتها العسكرية والاستعداد لمواجهة مع إسرائيل والسماح بتهريب أسلحة عبر محور فيلادلفيا، وهي ادعاءات رُدّدت من قبل مسؤولين حكوميين قبل أن يتبيّن أنها غير صحيحة. كذلك أشار التقرير إلى محاولة اغتيال قيادات في حركة حماس في قطر خلال مفاوضات صفقة الرهائن، وهو حدث يرى جيش الاحتلال أنه عمّق الشكوك الإقليمية في إمكانية الوثوق بالحكومة الإسرائيلية الحالية.
وقال مصدر عسكري: "هذه التصريحات لا تبقى داخل النقاش الإسرائيلي الداخلي، بل تُترجم فورًا إلى لغة الشرق الأوسط، وتُنتج صورة مقلقة على مستوى الإقليم كله".
وخلال الحرب، وبحسب التقرير، عززت معظم دول المنطقة تعاونها مع إسرائيل في مواجهة إيران، انطلاقًا من مخاوف مشتركة من المشروع النووي الإيراني، وشاركت بعض هذه الدول في جهود استخباراتية ودفاع جوي ودعم لوجستي للقوات الأمريكية والغربية لاعتراض الصواريخ الإيرانية.
غير أن إضعاف إسرائيل للمحور الإيراني غيّر المشهد، إذ تصاعدت مخاوف دول خليجية من الثقة المفرطة التي تُظهرها إسرائيل، والتي باتت تُنظر إليها، في نظر هذه الدول، كعامل يهدد الاستقرار بدلًا من أن يعززه.
وقال عسكري أمني رفيع سابق إن هناك توجهًا متناميًا لدى قيادات سياسية وأمنية إسرائيلية للاعتقاد بأن القوة العسكرية تحقق مكاسب أكبر من المسارات السياسية. وأضاف أن دول الخليج ترى في هذا التوجه رسالة مفادها أن إسرائيل مستعدة لاستخدام القوة حتى في ساحات دول شريكة، كما حدث في قطر، ما يدفع قادة هذه الدول للتساؤل عمّا إذا كانت إسرائيل، بعد إيران، قد تسعى مستقبلًا للتأثير أو التدخل في شؤونهم الداخلية.
وفي نقاشات "أمنية" مغلقة، تُنقل إلى الحكومة تحذيرات من أن تحويل النجاح العسكري إلى "توجيه سياسي" سيؤدي إلى تآكل الثقة الإقليمية وإضعاف التعاون المشترك، ويدفع دول الخليج إلى تعزيز تحالفاتها مع الولايات المتحدة وأوروبا، بما ينعكس سلبًا على مكانة إسرائيل الإقليمية.
وتعززت هذه المخاوف على خلفية المباحثات الاستراتيجية بين الولايات المتحدة والسعودية، وكذلك الاتفاقات الأمنية والاقتصادية الضخمة التي وقعها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع قطر والإمارات ودول أخرى. ووفق المصدر نفسه، لا تقتصر هذه الدول على بناء نفوذها عبر الاتفاقات، بل تستثمر بكثافة في قطاعات الطب والأكاديميا والإعلام والبنى التحتية في الغرب، ما يخلق اعتمادًا متبادلًا واسع النطاق، حتى من جانب الولايات المتحدة.
وختم التقرير بالإشارة إلى أن موقف جيش الاحتلال، كما عُرض في الآونة الأخيرة، يؤكد أن الاستمرار في خطاب يُظهر إسرائيل كدولة تفضّل الحلول العسكرية الأحادية على المسارات السياسية والاقتصادية قد يؤدي إلى تآكل اتفاقات السلام، والإضرار بمسار التطبيع الذي أفرزته اتفاقات أبراهام، وفقدان فرص استراتيجية مع دول أخرى، في مقدمتها السعودية، بما قد ينعكس سلبًا على أمن إسرائيل على المدى البعيد.






