أكّدت منظمة "هيومن رايتس ووتش"، في تقرير لها، اليوم الأربعاء، أن استخدام إسرائيل للفسفور الأبيض على نطاق واسع في جنوب لبنان يعرض المدنيين لخطر جسيم ويساهم في تهجير المدنيين.
وقالت المنظمة في تقريرها، إنها تحققت من استخدام القوات الإسرائيلية ذخائر الفسفور الأبيض في 17 بلدة على الأقل في جنوب لبنان منذ تشرين الأول الماضي، حيث استخدمت خمس منها فيها الذخائر المتفجرة جوا بشكل غير قانوني فوق مناطق سكنية مأهولة.
ويشار الى أن الفسفور الأبيض مادة كيميائية مستخدمة في قذائف المدفعية والقنابل والصواريخ، وتشتعل عند تعرضها للأكسجين. تسبب آثارها الحارقة الوفاة أو الإصابات القاسية التي تؤدي إلى معاناة مدى الحياة. يمكنها إشعال النار في المنازل والمناطق الزراعية وغيرها من الأعيان المدنية.
وبموجب القانون الإنساني الدولي، استخدام الفسفور الأبيض المتفجر في المناطق المأهولة بالسكان هو عشوائي بشكل غير قانوني، ولا يفي بالمتطلبات القانونية لاتخاذ جميع الاحتياطات الممكنة لتجنب إلحاق الأذى بالمدنيين.
وقال رمزي قيس، باحث لبناني في هيومن رايتس ووتش: "استخدام إسرائيل قذائف الفسفور الأبيض المتفجرة جوا في المناطق المأهولة بالسكان يُضر بالمدنيين بشكل عشوائي ويدفع كثيرين إلى مغادرة منازلهم. على القوات الإسرائيلية التوقف فورا عن استخدام ذخائر الفسفور الأبيض في المناطق المأهولة، لا سيما عندما تكون البدائل الأقل ضررا متاحة بسهولة".
وقابلت هيومن رايتس ووتش أيضا ثمانية من سكان جنوب لبنان وتحققت من 47 صورة وفيديو من جنوب لبنان تشير إلى استخدام ذخائر الفسفور الأبيض، منشورة في وسائل التواصل الاجتماعي أو تمت مشاركتها مباشرة مع الباحثين، وحددت موقعها الجغرافي. في خمس بلدات، تُظهر الصور ذخائر تنفجر جوا تحتوي على فسفور أبيض يهبط فوق أسطح المباني السكنية في قرى كفر كلا، وميس الجبل، والبستان، ومركبا، وعيتا الشعب الحدودية في جنوب لبنان.
قال رئيس بلدية البستان إن شخصين من البلدة نُقلا على عجل إلى المستشفى نتيجة اختناقهما بسبب استنشاق دخان الفسفور الأبيض عقب هجوم 15 تشرين الأول. قال رئيس البلدية: "إنهما مدنيان، وكانا في منزليهما. أحدهما عضو في البلدية والآخر مزارع".
قال السكان لـ هيومن رايتس ووتش إن استخدام الفسفور الأبيض في المناطق المأهولة بالسكان في جنوب لبنان ساهم في تهجير السكان من عدة قرى على الحدود اللبنانية الإسرائيلية.
وأكدت وزارة الصحة العامة اللبنانية إنه حتى 28 أيار، أن التعرض للفسفور الأبيض أدى إلى إصابة 173 شخصا على الأقل منذ تشرين الأول. لم تحصل هيومن رايتس ووتش على أدلة على أي إصابات حروق ناجمة عن استخدام ذخائر الفسفور الأبيض، لكنها سمعت شهادات تشير إلى احتمال حدوث أضرار في الجهاز التنفسي.
قالت الدكتورة ثروت زهران، أخصائية علم السموم والأستاذة المساعدة في طب الطوارئ في "الجامعة الأمريكية في بيروت": "التأثيرات الأكثر خطورة للفسفور الأبيض هي الجلدية، والتي قد تشمل حروقا من الدرجة الثانية والثالثة يمكن أن تؤدي إلى حروق كبيرة جدا وعميقة ونخرية وكاملة السماكة. يمكن أن يؤدي التعرض لدخان الفسفور الأبيض [أيضا] إلى أضرار حادة في الجهاز التنفسي العلوي، بما فيه ضيق التنفس، والتنفس السريع، والسعال، ولكن يمكن أن يكون له أيضا آثار متأخرة، بما فيها الالتهاب الرئوي الكيميائي، الذي قد يتطلب دخول المستشفى ودعم الجهاز التنفسي بجهاز".
قالت هيومن رايتس ووتش إن استخدام إسرائيل الفسفور الأبيض على نطاق واسع في جنوب لبنان يُبرز الحاجة إلى قانون دولي أقوى بشأن الأسلحة الحارقة. "البروتوكول الثالث لاتفاقية الأسلحة التقليدية" هو الصك الوحيد الملزم قانونا والمخصص تحديدا للأسلحة الحارقة. لبنان طرف في البروتوكول الثالث، لكن إسرائيل ليست طرفا فيه.
ينطبق البروتوكول الثالث على الأسلحة "المصممة في المقام الأول" لإشعال الحرائق أو التسبب في حروق، وبالتالي يستبعد بعض الذخائر متعددة الأغراض ذات الآثار الحارقة، لا سيما التي تحتوي على الفسفور الأبيض. بالإضافة إلى ذلك، له تعليمات أضعف لاستخدام الأسلحة الحارقة التي تُطلق من الأرض في "تجمعات المدنيين"، مثل تلك المستخدمة في لبنان، مقارنة بالأسلحة الحارقة التي تُسقط جوا، رغم أنها تسبب الإصابات المروعة نفسها.
"تجمع المدنيين" له تعريف واسع، يشمل المناطق المأهولة بالسكان وتتراوح من القرى إلى مخيمات اللاجئين إلى المدن. لطالما دعت هيومن رايتس ووتش وعديد من الدول إلى سد هذه الثغرات في البروتوكول الثالث ووضع معايير دولية توفر حماية أفضل للمدنيين من الأذى الناجم عن الأسلحة الحارقة.
على المستوى الوطني، على إسرائيل حظر استخدام ذخائر الفسفور الأبيض المتفجرة جوا في المناطق المأهولة بالسكان لأنها تعرض المدنيين لخطر الهجمات العشوائية. هناك بدائل متاحة للفوسفور الأبيض الموجود في قذائف الدخان، بما فيها بعض المنتجات التي تنتجها شركات إسرائيلية، ومنها قذيفة الدخان من طراز "إم 150" (M150)، التي استخدمها الجيش الإسرائيلي في الماضي كوسيلة للتمويه لحجب قواته. يمكن لهذه البدائل أن يكون لها نفس التأثير وتقلل بشكل كبير من الضرر بالمدنيين.
على لبنان أن يقدم فورا إلى "المحكمة الجنائية الدولية" بيانا يتيح التحقيق والملاحقة القضائية على الجرائم الدولية الخطيرة الواقعة ضمن اختصاص المحكمة على الأراضي اللبنانية منذ تشرين الأول 2023.
قال قيس: "هناك حاجة إلى معايير دولية أقوى ضد استخدام الفسفور الأبيض لضمان عدم استمرار هذه الأسلحة في تعريض المدنيين للخطر. استخدام إسرائيل للفسفور الأبيض في لبنان مؤخرا ينبغي أن يحفز الدول الأخرى على اتخاذ إجراءات فورية لتحقيق هذا الهدف".





.jpg-0208b9f0-8627-40aa-9016-282021cd17b4.jpg)


