ليكن المرء والمرأة ضد كل سياسة الرئيس والحُكم في روسيا، ليعتبر سلوكه اجتياحًا وليس مجرد عمل عسكري، وليقف بالكامل مع النظام في أوكرانيا وحتى مع الناتو – فلا يمكن الفصل بينهما – لكن مع ذلك يجدر به النظر بمباشرة وعمق وجرأة الى اجتياحٍ آخر مفزع، هو سيل المعايير المزدوجة الذي يملأ اليوم الكرة الأرضية من أقصاها إلى أقصاها.
فلم يُبق حلف الناتو من عقوبات إلا واستلّها ويواصل فرضها على روسيا، تحت عنوان استحالة قدرة بطنه الرقيقة على هضم هذا العدوان من دولة على أراضي وسيادة دولة أخرى. ومن حق، لا بل من واجب - وسنشرح لاحقًا لماذا واجب – كل إنسان يرفض دوس عقله وتحويله إلى دمية خاملة طرح السؤال التالي: لماذا لم يتنادَ العالم، أو يتكالب بالأحرى، إلى إطلاق هذه المدفعية الثقيلة من العقوبات حين اجتاحت الولايات المتحدة الأمريكية، مباشرة او بغطاء سميك منها، على امتداد العقود السبعة الماضية الدول التالية: كولومبيا، هندوراس، هاييتي، الدومنيكان، السلفادور، غواتيمالا، كوبا، فيتنام، تشيلي، بنما، ليبيا (مرتين)، الصومال، العراق (مرارًا)، أفغانستان، اليمن – وفلسطين طبعا، التي يتواصل اجتياحها والعدوان عليها واحتلالها ومحاصرتها وتهجير معظم أهلها حتى هذه اللحظة بالضبط.
يُفترض بهذه الازدواجية المنحطة أن تكون مرئية جدًا لكل الكائنات ما عدا النعامات الحقيقية والاستعارية التي تدفن رؤوسها في رمال الخوف والخنوع. واستمرارا لتلك الازدواجية يجدر قراءة تقارير صحفية في صحف صادرة في واشنطن، وليس على صفحات "روسيا اليوم"، عن التعامل العنصري مع مدنيين في أوكرانيا فقط بسبب لون بشرتهم – أفارقة وآسيويون يعملون ويتعلمون هناك يجري منعهم من الخروج الى مواقع آمنة، إلا بعد عبور البيض الشقر ذوي العيون الزرقاء، كما وصف صحفي في قناة غربية اللاجئين الاوكرانيين الذين يتضامن معهم لأنهم يختلفون عمن جاءوا من العراق وسوريا وأفغانستان، مثلما قال زميل عنصري آخر له!
وحتى تكتمل الصورة الجماعية للعبث، ها هي منظمة غير حكومية لمحبي القطط حول العالم تفرض عقوبات على القطط في روسيا وتلك التي يربيها أشخاص يعيشون في روسيا. لا كلام!
هذا النفاق يحكم المشهد الراهن. يحكمه إعلاميا وسياسيا وأخلاقيا، ومن المعيب والخطير أن لا يرى كل إنسان هذا الانحطاط. من يسمى أبيض وغربي مطالبٌ بهذا بالضبط كسائر البشر في كل كوكبنا. مع ذلك، يبقى من الطبيعي أن ينتفض أكثر ذلك الذي يتم اعتبار اجتياح بلده أو بلد شعب من شعوبه أمرا لا يستحق عقوبات ولا حتى تفعيل لمعايير قانونية؛ ويجدر هذا بمن يرى بأم عينه أن النظرة اليه لا تزال على خلفية اللون فيما لونه هو في الدرجة الثانية؛ يُفترض به وبها أن ينتفض لكرامته الإنسانية الأساسية، لأن من واجبه (الواجب المُشار إليه أعلاه) رفض نزع إنسانيته ورفض التحول الى بهيمة في قطيع الجهل الذي يجري مسخ وعيه وتزييفه وتحويله إلى أداة تافهة وإلى مجرد غرض عديم الروح والوعي والحرارة الإنسانية في خدمة مشاريع قوى الهيمنة والاستغلال الكبرى.




.png)

