لا يمكن اعتبار قرار رئيس الدولة يتسحاق هرتسوغ إضاءة أولى شمعات عيد "الحانوكا" العبري في قلب مدينة الخليل المحتلة بالذات، إلاّ مجاهرة واضحة باختياره، موقفًا وموقعًا، لمعسكر الاستيطان الكولونيالي بكل ما يحمله الأمر من دلالات قاتمة.
هرتسوغ جاء أمس الأول الأحد الى مدينة الخليل التي ينهشها الاستيطان والاحتلال وسط إجراءات أمنية مشددة. وهو ما أثار عاصفة ردود غاضبة على هذه الخطوة عالية الرمزية الاستعلائية والتوسعيّة. ولا يمكن لهرتسوغ إقناع أحد بغير ذلك، لأن الزمان والمكان، الموقع والتوقيت، هما شرطان ضروريان للحكم على الممارسة، كل ممارسة، في السياسة.
وأن يقوم رئيس الدولة التي تمارس الاحتلال بهذه الخطوة، واختيار المدينة التي تشكل نموذجًا للقمع والاستعلاء والنهب الذي يمارسه جهاز الاحتلال، فهو بهذا يستهتر بمشاعر وحقوق جميع الفلسطينيين ويستفز فيهم الوعي والوجدان، وهو ما استحق إدانة لهذه الزيارة/الاقتحام على لسان رئيس الحكومة الفلسطينية محمد اشتية، بتأكيده أن الزيارة تمثل "استفزازا لمشاعر الشعب الفلسطيني وانتهاكا صارخا لحرمة الحرم الإبراهيمي"، داعيا "الأمم المتحدة إلى توفير الحماية للبلدة القديمة في الخليل والحرم من التهويد".
إن تصريحات هرتسوغ بأنه "رغم كل التعقيد، العلاقة التاريخية للشعب اليهودي بالخليل والحرم الإبراهيمي وتراث الأمهات والآباء لا يرقى إلى الشك"، هي ديماغوغية تصب في خدمة مشروع تكريس الاحتلال والابرتهايد. لأن العلاقة التاريخية والتراثية مع أيّ موقع لدى أيّ شعب، لا تبرّر احتلاله ولا السيطرة عليه بالحديد والنار والرصاص وجرائم الحرب. وإلا، فهل يقترح هرتسوغ مثلا إعادة احتلال شبه جزيرة سيناء التي تشكل موقعا ومرحلة تاريخية هامة بل ربما الأكثر أهمية لليهود؟!
إن استخدام مثل هذه المزاعم لا يقصد إعلاء شأن علاقة شعبٍ بتاريخه، بل يأتي لتسويغ ما لا يمكن تسويغه: الاحتلال والاستيطان والتوسّع والبطش الوحشي والاستعلاء القومجي المقيت الساقط والمرفوض.




.png)

