جميع الأحزاب الصهيونية التي تقدّم نفسها كبديل لليمين بمختلف تلوينات تطرّفه بقيادة بنيامين نتنياهو، تهرب من مواجهة القضايا الأساس التي تشكل المحور الذي يدير اليمين ماكينته الدعائية عليه. وإذا كان ذلك يقتصر في السابق على تجنبها الجبان الخوضَ في مستحقات التسوية السياسية مع الشعب العربي الفلسطيني، فاليوم تهرب أيضًا من قضية الغلاء التي طغت فوق كل شيء بنظر الجمهور الإسرائيلي بحسب عدة أبحاث.
مثلا بيّن استطلاع بادرت إليه "معاريف" عشية رأس السنة العبرية، أن أكثر ما يقلق الإسرائيليين هو غلاء المعيشة كما قال 68% من المستطلعين. هذا مقابل 32% من المستطلعين الذين أعلنوا أن قلقهم مصدره ما وصفه معدو الاستطلاع بـ "الارهاب الفلسطيني". خلف هذه الأرقام تكمن ربما حقيقة أنه لم يعد بوسع المؤسسة الحاكمة تغطية توجهها النيوليرالي الذي يعمّق القمع الاقتصادي والفقر ويفاقم تكاليف الحياة وأسعار مستلزماتها بواسطة المزاعم "الأمنية".
ووصل تأثير العبء الاقتصادي حدًا تظهر معه تغيّرات عميقة في سلوك الإسرائيليين وانتقالهم من الخمول والإذعان في إزاء الغلاء إلى مواقف احتجاجية فعلية وفاعلة، تصل حد مقاطعة شركات ترفع الأسعار. ووفقًا لاستطلاع خاص أجرته هيئة شؤون الاستهلاك في الهستدروت يرى 71% من الإسرائيليين أن مقاطعة منتجات الشركات التي ترفع الأسعار، تساهم في مكافحة غلاء المعيشة.
فكيف سلكت تلك الأحزاب التي تحب تسمية نفسها "بديلة" لليمين في هذه القضايا؟ حزبا لبيد وغانتس والعمل وميرتس؟ حاول رئيس الحكومة يئير لبيد تعويم الجدل السياسي على الاقتصادي من خلال تصريحه عن "حل الدولتين" في الأمم المتحدة، لكن كالمتوقع توقف الأمر هنا، ولم يقم أيّ من أحزاب اليسار الصهيوني أو الوسط بأية متابعة لهذا الجدل وتوسيع نطاقه. أما نتنياهو الذي حاول مع الليكود اللعب الدعائي على مسألة الغلاء فسرعان ما ترك الأمر بعد عدة فيديوهات قصيرة.
بالنتيجة عاد "المعسكران" بسرعة البرق إلى الاتفاق بينهما على مواصلة الجدل بصيغته الشخصية والسطحية ومن دون الخوض في القضايا المركزية، لأن هذا سيكشف لجمهوريهما أنه لا فرق حقيقي في المواقف والرؤى الأساسية بين الطرفين. فعقيدة الهيمنة التوسعية مشتركة للمعسكرين في رفض أية تسوية عادلة وبالتالي أي حل للصراع (غير المتكافئ) مع الشعب الفلسطيني؛ والعقيدة الرأسمالية بصيغها الأكثر تشددًا هي المهيمنة في المعسكرين.
من هنا فإنه من واجب الأحزاب والقوى والحركات التي تشكل طروحاتها بديلا حقيقيا للمعسكرين، أن تجاهر في خطابها السياسي الانتخابي بما بكشف حقيقة المواقف السياسية المدمرة المشتركة للمعسكرين، في الاقتصاد وفي السياسة، وطرح رؤية السلام العادل والعدالة الاجتماعية بكل وضوح ومنهجية وقوة.





.jpg)
.jpeg)
