هناك مغالطة كبيرة في القول إن العملية العسكرية الروسية هي أمر مفاجئ. فقد كانت الأحداث تتسارع كالدومينو. لكن هذا ما يحدث حين يتم تصوير الحاصل على أنه مواجهة روسية-أوكرانية لا غير، علمًا بأن جميع مسببات هذا الاشتعال الحربي تكمن في سياسات وممارسات حلف الناتو، الذي جعل من حكومة كييف وسيلة لخدمة مصالحه وللتوسع الاستفزازي لماكينته الحربية باتجاه روسيا.
إن إسقاط السياق العام وتجاهل التراكم المضطرد لوقود نار الحرب هو جزء من ماكينة الدعاية الغربية. ويكفي التوقف عند عدد من المحطات الزمنية منذ عام حتى اليوم، لإظهار أن المسألة ليست "لحظة جنون روسية"، رغم ما يحمله نوع الحكايات هذا من إثارة وتشويق سينمائيين، بل هي ذروة لتوتر متصاعد يتحمل المسؤولة عنه بالكامل حلف الناتو، الذي يصرّ على محاصرة روسيا من أقرب المناطق على حدودها، بواسطة توسّع يشمل جوانب اقتصادية وعسكرية، بعضها استراتيجيّ كالصواريخ النووية الموجهة مثلا.
منذ نيسان 2021 دعت وزارة الخارجية الروسية كلا من حكومة كييف وحلف الناتو إلى "وقف التجهيزات العسكرية التي تصعد التوترات شرقي أوكرانيا". وبعدها بأسبوع قال نائب وزير الخارجية الروسي سيرجي ريابكوف إن حلف الناتو يقوم بتحويل أوكرانيا "إلى برميل بارود".
لكن الرئيس الأوكراني زيلينسكي واصل، بتوجيهات خارجية كما يبدو، طلب العضوية في الناتو، وهو ما دفع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للتحذير من أن هذا يعرّض نظام الأمن الأوروبي بأكمله للتدهور، مؤكدا مجددًا أن توسع الناتو باتجاه الشرق أدى إلى زيادة سريعة في حالة انعدام الثقة المتبادلة في أوروبا.
موسكو واصلت السعي لتخفيف الاحتقان، وفي كانون الأول الماضي قدمت مقترحاتها للناتو بشأن ضمانات أمنية. وخلال اجتماع افتراضي طلب الرئيس الروسي من نظيره الأمريكي جو بايدن ضمان عدم توسع حلف الناتو في الاتجاه الشرقي، وعدم نشر الحلف أسلحة هجومية بالقرب من روسيا، وكل هذا قوبل بالاستخفاف. وعاد بوتين وأكد أن روسيا لا تعرِّض أي دولة للخطر، وأن توسع الناتو المستمر فرض تهديدا. وتساءل: "هل نضع صواريخ بالقرب من حدود الولايات المتحدة؟ الولايات المتحدة هي من تأتي إلينا بصواريخها".
مستشعرة وجهة الأمور الخطيرة دعت بكين على لسان المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية حلف الناتو إلى "هجر عقلية الحرب الباردة البالية والتحيز الأيديولوجي، والقيام بأعمال تساعد في تعزيز السلام والاستقرار". لكن التعنت لدى واشنطن وأتباعها فتح الباب على هذا التطور الخطير، والذي ندعو الى كبحه وعدم تصعيده. وهو ما يحتاج فورا العودة للاتفاقيات ووقف التوسع الاستفزازي الغربي.




.png)

