لا يخفى على أصحاب البصيرة والتجربة أن جميع المساعي الامريكية وخلفها الأوروبية الغربية والإسرائيلية، بخصوص إيران وأحداثها واحتجاجات شعبها، هي مساع ليست معنية أبدًا وغير مهتمة بتاتًا بمصالح وحقوق وحاضر ومستقبل الشعب الإيراني. ولنا عبرة في التدخلات الأجنبية والامبريالية ونتائجها وغاياتها، بدءا من سوريا والعراق، مرورا باليمن ووصولا لليبيا.
ولذلك، فمن الضروري والمفيد التأمل فيما تطرحه القوى التقدمية الإيرانية تحديدًا. وأولها حزب توده الشيوعي الإيراني الذي قدّم قراءة شاملة للاحتجاجات الشعبية الجارية، معتبرًا أنها انتفاضة واسعة الجذور بدأت من إضرابات واحتجاجات اقتصادية، ثم امتدّت بسرعة إلى عشرات المدن، وأصبحت تمثل تحديًا حقيقيًا للدكتاتورية الثيوقراطية–الرأسمالية الحاكمة. وهو يرفض قطعًا الرواية الرسمية التي تنسب الاحتجاجات إلى تآمر خارجي، مؤكّدًا أن أسبابها داخلية خالصة، تتمثل في السياسات الاقتصادية النيوليبرالية، والفساد البنيوي، واتساع الفقر واللامساواة، والقمع السياسي والاجتماعي الشامل.
توده يرى أن غالبية الشعب الإيراني لم تعد تريد استمرار الوضع القائم، الذي دمّر فيه النظام الاقتصاد الإنتاجي، وعمّق بؤس العمال والكادحين، وجعل البلاد أكثر عرضة للتدخل الخارجي عبر سياساته الداخلية والخارجية.
في الوقت ذاته، لا ينجرّ التقدميون في إيران ولا يعلَقون في شباك المصائد التضليلية. وأمام التهديد بالتدخل الأميركي، يتبنّى حزب توده موقفًا حاسمًا يرفض أي رهان على الولايات المتحدة أو إسرائيل أو القوى المرتبطة بهما. ويحذّر من محاولات إعلامية وسياسية لتصنيع "بديل" عبر تضخيم التيار الملكي والدعوة إلى عودة حكم عائلة الشاه المخلوع بهلوي، معتبرًا ذلك مشروعًا رجعيًا تابعًا يفتقر إلى قاعدة اجتماعية، ولا يمكن أن يتحقق إلا عبر تدخل أجنبي. وهو يؤكد أن هذه الدعوات لعودة الملكية تخدم النظام الحاكم عبر منحه ذريعة لقمع الاحتجاجات، وفي الوقت نفسه تفتح الباب أمام سيناريوهات تدميرية شبيهة بتجارب العراق وليبيا.
إن الحل الذي يطرحه التقدميون يتمثل في مواصلة الانتفاضة الشعبية وتوسيعها، وحمايتها من التآمر والتسليح والاندساس التخريبي لعناصر تخدم مصالح قوى معادية لمصالح الشعب الإيراني. ويؤكد وجوب بناء وحدة عمل بين القوى الاجتماعية والتقدمية والوطنية، بعيدًا عن الاستبداد الداخلي وعن الارتهان الخارجي. ويدعو الحزب إلى تشكيل حكومة انتقالية وطنية–شعبية، تمهّد لاستفتاء حر وديمقراطي يقرّر الشعب من خلاله مستقبله، ضمن إطار ديمقراطي، علماني، مستقل، ومعادٍ للتدخل الأجنبي.






