*مرثية مهداة إلى روح جدي "الحردان" الغائب الحاضر أبدا*
قبل ميلاده بقليل حرِد، حزنٌ يكتنفه خوف ممزوج بالغضب، صرخ الجنين المفجوع بيتمه الاحترازيّ قبل ولادته: لماذا يا أبتِ، لم تمهلني ولو للحظة أن أتذوّق طعم البنوّة حتّى وإن كانت عابرة؟
غلّفته مشيمة البرد حتّى نضج فوُلد حردانَ..
وُلد وله ذراعان وساقان وأجمل عينين، وحزنٌ سرمديّ مشبع برائحة البرد وذلّ اليتم ، يأبى أن ينبتر عن أعضائه...
ثماني عيون من حريق وبراكين خوف وعتمة، شهدت مخاضا أليما لا تتبعه الزّغاريد،ليولدَ جدي "الحردان" شقيقا رابعا لشقيقتين وشقيق بكر..
ألبسوه اسم والده المتوفّى "حسين" لكنّ أحدا، لا كبيرا ولا صغيرا، كان يعرفه بهذا الاسم.. كان يُعرف فقط بالحردان..وأنا حفيدة الحردان، استحي من تاريخ لا يخجل، أن لا أحكي ما سمعته على لسان جدي،بعد أن شربت من حزن حكايته، وغضبت وحردت، وشمخت لأني أنتسب إلى هذا الحردان.. حتى وإن سخر مني أترابي الأطفال، لانتسابي لاسم فيه من الغرابة بقدر ما فيه من السلبيّة..أعذرهم، فهم ما فقهوا ولا لمسوا تفاصيل ودواعي الحرَد...
باعوني يا "سيدي" باعوني ألف مرة.. لم يطاوعه حبل سرّته المبتور قبل مولده، أن يقول باعتني أمي لتنام في حضن زوج.. قال: في تلك الأيام الصّعبة كيف كانت ستَتدبّر أمورها، امرأة لا نفقة لها ولا حول ولا قوّة، وعلى حجرها أربعة أطفال صغيرهم رضيع.. كان لا بدّ لها من ظهر تستند إليه في مواجهة الذّئاب والفقر.
لكنّ هذا الرضيع كبر وحده وهو يتنفّس بصعوبة اسم "الحردان". يتجشأ، يتقيّأ، يبلع حرده قسرا ويستمّر.
كبُرَ الحردان وأراد أن لا يكون حردان..أحبّ مِنَ الجميلات مَنْ أحبّ وأحبّته الفاتنات، فهو وإن كان حردانَ، فهو قطعة من مرمر القمر، وحضور عارم للرجولة..
"قاروط" و"معتّر"، كيف نصاهره؟ حتى أقرباؤه قالوها..
باعوني يا "سيدي" وأنا لا أقبل البيع، والرّجال لا يبكون.. كان صوته يرتجف برقرقة خفيّة في العين ظنّني لم ألحظها..
باعونا يوم خرجنا على الإنجليز، حمّلونا "البواريد" وقالوا سلاح، وقالوا ثورة..
"شردنا" مع الثوّار، لكن "الفشك طلع مبرّد، والثورة مبرّدة"..
وقبضوا الثّمن وباعونا.
تعزّز الاسم على المسمّى واشتد التصاقهما..
أشقائي رحلوا إلى لبنان ولَم نلتقِ، فبعد أن زوّجت أمي أختيّ لعجوزين من حيفا، وانتقل اخي الكبير ليعمل عتّالا في ميناء حيفا بقي هناك حتى دهمنا اليهود، حربهم كانت أقسى من حرب الإنجليز..ف قد شُتّتنا و"هجّ" أخي مع أختيّ وزوجيهما إلى لبنان.. ومن يومها انتهى اللقاء بيننا..
زوج أمّي، عمّي أمين كان طيّبا لكنّي لم أعش في كنفه.. كان على عاتقه ما يكفيه من الهم في ظل القلّة والعوز..
أمّا أولاده الأربعة، إخوتي من أمي فهم ما تبقّى لي وإن كانت هي مشغولة عنّي بهم، وكأنّي جزء منسيّ من ماضٍ هجرته ولَم تعد تلمح أطيافه.. ثلاثة من الصبيان كانوا، وبنت ورثت طيبة أبيها كانت تخبّئ لي في عبّها رغيفا تهربّه دون أن تلحظها أمّي فتمنعها بعد أن شطبتني من تاريخ بطنها..
إخوتي ما باعوني لأحد..
لكن الفقر والعوز وقلّة الحال باعوني يا "سيدي".
**
لو بقيتَ معنا يا "سيدي" لمزّقت الآن آخر ورقة نقديّة زائفة هزيلة قبضوها لقاء بيعنا، فما زلنا نباع ولا نشترى، ننتهك ولا نحرد كما حردت..
باعونا يا "سيدي" كما باعوك أنت الحردان الذي تجرع الحسرة واللوعة، أنت حسرة مرّة في حلق التاريخ،أنت صورة الحقيقة المعلّقة فوق شبابيكنا الملوّنة، ما تبقّى لنا منك صورة تنطق، فقد تعربشت تحتها غابات السّنديان ترويها دموع مروجك الخضراء الحردانة..
على النّاصية جبهة عالية، مرج عريض من الياسمين البلديّ والفلّ الناصع، تفرّع من وسطه نهران توالدت الجداول الصغيرة حولهما مبعثرة بعشوائيّة الذّكريات التي حفرتها، رأيتُني هناك، أنا وأولاد عمّي نسبح بشقاوة وأمان لا يجرفنا التّيّار مهما اشتدّ، بل يأخذنا إلى برّ الأمان، لنلوذ إلى الظلّ في كنف تلتي الزّعتر الرّابضتين هناك عند قدمي "سنسلتين" متينتين، حاجبين متقني الأناقة والكثافة، يلتقيان زغبا رقيقا في وسط الطّريق، ليظلِلا اخضرار الزّعتر النّائم في العيون بحنوٍّ وديع..
هناك في ثنايا الزّعتر المخمليّ كنّا "نتمرمغ" غير آبهين بشوكة تخزنا هنا وأخرى تخزنا هناك..
نواطير، تلك "السّناسل" ساهرة تُبعد الثّعالب عن مروجها وحقولها وتلالها..
لتحمي عبق الزّعتر الحادّ من حزنه، ففي ثنايا الرّائحة انكسار عتيق، حردانة تلك المآقي..
على ماذا لا تحرد؟
أعلى سجادة الصلاة المزركشة بالأحمر والأسود والأبيض والأخضر، وهي تنسحب من تحت ركبتيه فتنسلخان، لينمو الصبّار والعلّيق من قمبازه؟
تنحني الأهداب الحريرية سياجا من سنابل الذّهب تحاصر دموعا تعاني المخاض ولا تجرؤ على الانسكاب.. فدمعة الرجال محرّمة، وتصير الرّموش السّنابل مناجل تقاتل..
بين دمع تلك المآقي ارتفع الأنف جبلا صامدا ارتمى عند خاصرته شاربان، سيفان للتوّ استّلا، سيف من غمد عنترة يقاوم الغاصب، وسيف استله خالد ابن الوليد شاهرا به صوت الحقّ وصاحب الحقّ، تغفو القبل آمنة في ظليهما، دافئة تحلم بالفرح المهجّر، تغفو على شفتين كقرص شمس قرمزيّ ساعة مغيب صيّفيّ يغرق في بحر من السكّر المنثور،حبيبات ناعمة على أطراف الذّقن، سكّر على ملح الذاكرة يذوب في صخب القبل والمواويل.."ويما مويل الهوا ويما مويليا، ضرب الخناجر ولا حكم النذل بيّا.."
في تفاصيل ذاك القمر المكتمل، بزعتره وسكّره، بجداوله وسيوفه المسلولة كان يعشّش الم الحردان..
يغريني ذاك السكّر المنثور ببريقه العذب، أن أمدّ أصابعي، لكنّي ما عدت قادرة على مداعبته اليوم، بعد أن تكسرت ثنيات كوفيته النّاصعة المكويّة بعناية فائقة، تناثرت كالياسمين لتفارق جوهرة كانت تلفها بأناقة، رأسا ما طأطأ ولا انحنى، فارقته فلم يعد بعده أحد بكوفيّة وانحنى العقال هزيلا بعد أن غاب رأس جدّي الذي كان يرفعه، وكثرت الرؤوس المطأطئة بعده. فعلى ماذا يشمخ عقال بعد اليوم؟. وتكسرت الوجنتان بعد ربيع وصيف وكأنهما ورقتي أكدنيا كسرتها عواصف الخريف،أعادتني الملامح الغائبة إلى حاكورة جدّي الملوّنة ثمارها، فتلك القراصيّة الخمرية وذاك المشمش المشمس، والخوخ والتفاح والليمون والعنب وتينة لا أنسى طعم مربى ثمارها الذي تعدّه جدّتي مشذّى باليانسون، تتحلّق حوله حبيبات السمسم السمر في أروع حلقة دبكة، وطبعا بعض الزيتونات التي لم تكن تخلو منها حاكورة في فلسطين.. لكن للأكّدنيا رائحة خاصة، تعيد إلى الذّاكرة عطرها، فترسم سبّابة جدّي وهو يهدّدنا اذا مددنا الأيدي لقطف الثّمر الأخضر، "خلّوها تستوي"... وها قد نضجت وما عدنا قادرين على تذوقها لا حلوة ولا حامضة، بعد أن أصبح زارعها غائبا تحت الثّرى..
وما زالت للسكّر المنثور على الذقن رائحة المسك، حتى وهو مسجّى في صندوق الرّحلة الأخيرة كانت رائحة المسك تغمر شفاعمرو كلّها..
والحرَد ما زال ينبعث من أثير المسك..
ها قد بيع للمرّة الأخيرة للثّرى "سيدي حبيبي" وخلد الجسد المثقل بالهموم للنّوم أخيرا وخلد اسم الحردان في ثنايا التاريخ عنوة، تاريخنا الصّامت الحردان.
جدّي ما كان مسيحا لكن صلبوه..
وما كان خليلا لكن أحرقوه..
كان " قاروطا" فباعوه..
اشتريتك جدّي..
(شفاعمرو)
