21 سنة على رحيل القائد الشيوعي الاممي العريق رمزي بشارة خوري 1922-1989

single

بعد عدة اسابيع ستمر الذكرى الواحدة والعشرون على رحيل القائد الشيوعي الاممي العريق (أبو منذر) رمزي بشارة خوري. عندما اردت ان اكتب عنه، احترت عمّن أكتب، عن الشيوعي الاممي العريق ام عن الانسان الذي لم تكسُ الكشرة وجهه مرة واحدة في حياته حتى في احلك الاوقات! بل ابتسامة تسر الصديق وتغيظ العدو، ام عن الوجيه المصلح والمفاوض المقنع، ام عن الرفيق والصديق والاخ الاكبر.
تعرفت عليه وعلى المرحوم جمال موسى سنة 1951، يوم اراد الحزب الشيوعي في عكا اقامة احتفال في ذكرى ثورة اكتوبر الكبرى في مقهى الكزينو التابع لنا، وعندما فشل اعوان الحكم العسكري في اقناعنا بالغاء الاتفاق مع الحزب، جمع الحكم العسكري اعوانه من القرى المجارة واحضرهم بالمئات وحرضهم على ضرب الشيوعيين وتخريب الاجتماع قبل بدئه وخاصة ضرب جمال موسى. كما اصيب الشيوعي موشيه زلبر في وجهه، ونقل على اثرها الى المشفى، غير ان خطيب الاجتماع المرحوم اميل حبيبي وجه كلامه عبر مكبر الصوت(المايكروفون) للمحرضين حتى انهم صارو يصغون له. وهكذا بدأت العلاقة تتوثق بيني وبين رمزي وجمال، الى ان قررت الحكومة اقامة مجلس بلدي في عكا. وكان مرشح المباي للرئاسة الحاكم العسكري باروخ نوي، اما مرشح الحزب الشيوعي للعضوية فكان رمزي خوري، مما اغاظ باروخ نوي فرفع دعوى في المحكمة على ان رمزي خوري ليس مواطنا عكيا، ولكن دعوته سقطت. وهكذا انتخب رمزي خوري للمجلس البلدي وقد كان اول شيوعي في اسرائيل يمثل الحزب الشيوعي في مجلس بلدي او محلي.
وعندما اراد المجلس بحث ميزانية البلدية، كان مقر المجلس في بناية سكة الحديد التي هي اليوم مدرسة لتعليم ضباط البحرية، وكانت البلدية قد ارسلت قبل عدة ايام اخطارات للمواطنين لدفع ضرائب باهظة اضعاف اضعاف ما كانوا يدفعونه. وقد جند الوطنيون بالتعاون مع الشيوعيين الجماهير العكية لحضور جلسة البلدية وكنت اول مرة في حياتي احضر جلسة مجلس بلدي. وعندما افتتح رئيس البلدية باروخ نوي جلسة المجلس بدأ بالتهجم على رمزي قائلا: انت تحرض سكان عكا، غير ان ذكاء وسرعة خاطر رمزي افحمت الرئيس حيث قال له: لا انا ولا حتى ستالين- وكان وقتها ستالين عائشا- نقدر ان نحضر انسانا واحدا! بل الذي احضر هذه الجماهير اخطاراتك ذات المبالغ الباهظة. وعندما اراد نائب الرئيس في نهاية الجلسة تلخيص النقاش وكان من حزب المتدينين قال بالحرف الواحد: كل النقاش الذي دار الليلة لم يشمل أي اقتراح للمناقشة سوى اقتراحات رمزي خوري.
لم يكن رمزي (ابو منذر) يطمع في مركز او وظيفة فقد عرضت عليه السلطات حتى تتخلص من مواقفه عدة وظائف مرمرقة بمرتّبات عالية، وكان يرفضها باباء مفضلا خدمة شعبه! وعندما فشلت محاولات السلطات قررت استعمال الضغط والارهاب ضده، وهو يزيد عنادا امميا، وعلى الرغم من كل كرههم للشيوعيين، الا انهم كانوا يحترمونه ولم يمر يوم واحد دون ان يكون في شركة عميدار او البلدية او مركز البوليس لحل قضايا السكان. ولو اردت ان اكتب عن حياته النضالية فلن يكفيني كتاب لأوفيه حقه، لانه كان شعلة عمل، لذلك قررت ان اختصر اشياء كثيرة. وقد كان بيته اكثر من مقر ونادٍ دائما مليئا بالمراجعين والمفاوضين وكان كل ما سمع عن أي خلاف بين بعض الافراد يتدخل لحل النزاع، وكذلك عندما كان يريد ان يوجه انتقادا بشكل لاذع او نكتة ساخرة.
في احد الايام كان في مركز البوليس فدخل المرحاض لقضاء حاجته فوجد سجينا يهوديا مربوطا بالمرحاض، وحالا قابل مدير المركز منتقدا وموبخا على هذا العمل غير الانساني مما اضطر المدير للاعتذار ووعد بعدم تكرار هذا العمل غير الانساني.
لقد كان رمزي خوري ماهرا في جمع وتأليف وفود المطالبة والاحتجاج، سأذكر هنا احد هذه الوفود التي الفها سنة 1958 على اثر عاشوراء اسرائيل أي اول ايار، حيث اعتقلت وسجنت الحكومة المئات من الشيوعيين وحلفائهم من الدمقراطيين. فقد جند ابو منذر وفدا كبيرا من رجال عكا المعروفين والدمقراطيين، مؤلفا من كل من رمزي خوري، ابو سليم نديم دلال، ابو خليل بشير بياعة، محمود سروجي، ابو ابراهيم اميل الموج، ياسر غطاس(وقد كنت انا اصغرهم سنا وقدرا) وآخرين خانتني ذاكرتي عن ذكر اسمائهم، ولم يبق منهم على قيد الحياة سوى كاتب هذه السطور، وقابلنا قائم مقام وزارة الداخلية وقائم مقام الاقليات حيث قدمنا احتجاجنا على مواقف الحكومة تجاه الاقلية العربية واعتقال هذه المئات. ومن المضحك ان ممثلي الحكومة استغربوا لأن بين الوفد ثلاثة مسيحيين! وقد كتبت "الاتحاد" افتتاحيتها بعنوان: وفد عكا الكبير.
وكم من مرة سجن وفرضت عليه الاقامة الجبرية. ففي سنة 1967 كان في نابلس في مهمة حزبية واذا بضابط البوليس بن يتسحاق المعروف بعدائه للشيوعيين والعرب يقول له الا تكفيك عكا، ففاجأه رمزي وهل تظن ان نابلس تختلف عن عكا، "مثل ما طفشوك من عكا سوف يطفشوك من نابلس". واعتقله على الفور وفي السجن اثناء التعذيب كُسر له ضلعان في صدره. وفي سنة 1980 عنما زوجت ولديّ كانت حفلتهما على بعد عدة امتار من بيت رمزي وكان مفروضا عليه عدم الخروج من البيت  من غروب الشمس حتى شروقها، وعندما قدم طلبا للحصول على تصريح لحضور الحفلة رُفض طلبه لانه يهدد أمن الجمهور أي الحكومة، ومن الحفلة وجهنا له تحية نضالية عبر المايكروفون. وعلى الرغم من ان كل المسؤولين في المؤسسات يكرهون الشيوعيين الا انهم كانوا يحترمونه لانهم يرون فيه الانسان  بكل معنى الكلمة، وعندما زرته في بيته قبل وفاته بعدة ايام وهو على فراش المرض قال: ان شفيت لن اسمح لاي مسؤول في الحزب ان يتبوأ اكثر من مهمة واحدة لان مرضه كان اجهادًا للقلب بسبب تبوئه عدة وظائف في الحزب.
وعلى الرغم من انه من قرية البعنة الا انه فضل ان يدفن في عكا لانه احبها واحب اهلها مثلما اهلها احبوه. وبعد وفاته لم تهن ولم تيأس رفيقة حياته المرحومة ام منذر سنديانة عكا ابتهاج، بل زادت من نشاطها الحزبي والاجتماعي حتى آخر رمق في حياتها قبل سنتين من الزمن، لذلك اقترح على الحزب الشيوعي والجبهة الدمقراطية ان يطلبا من البلدية ان تطلق على الدرج المؤدي الى بيتهما من شارع الهاجاناه أي الفاخورة اسم "درج رمزي وابتهاج خوري". واخيرا لروحك نقول: أقوالك واعمالك دائما في ذاكرتنا لانها ذاكرة شعب قاوم ويقاوم. نم مطمئنا لان رفاقك وابناءهم ما زالوا يسيرون على دربك.

 


(عكا)

قد يهمّكم أيضا..
featured

رحلة في أسماء البلاد العتيقة

featured

كوبا نموذج للصمود والكرامة

featured

موضوعية الجدل

featured

مخاطر السياسة الأميركية على قضيتي القدس واللاجئين

featured

في أربعين خليل عليمي

featured

في اليوم العالمي للفتاة والطفلة، عليك البقاء داخل فستان الأنوثة

featured

غطاء جوي اسرائيلي للتكفيريين؟!