"الوَيْلُ لكم أيُّها القادةُ العُميان"

single

إنّ أيّة حكومةٍ عاقلة، أينما وُجِدَت، تسعى عادة للتهدئة بين الشعب الذي تتولّى حُكْمَهُ، على اختلاف فئاته ومكوّناته العِرقيّة، وبين أذرعها وأجهزتها التنفيذيّة المُختلفة. كذلك فإنها، الحكومة العاقلة، على الأقل، لا تتعجّل الأمور، ولا تتحيّن الفرص لتوتير العلاقات مع الشعوب والدول المجاورة، خاصةً إذا كانت الحدود مع هذه الدول ساخنة أصلًا، والأوضاع قابلة للانفجار، أو الاحتراب المسلّح الخطير!

***
 فما هو الأسلوب الذي يميّز سياسة حكام إسرائيل تجاه مواطنيها العرب، وكيف تنعكس هذه السياسة على علاقات الشعبيْن؟
يعيش في إسرائيل 20% من مجموع السكان، مواطنون عرب فلسطينيون على أرض آبائهم وأجدادهم. هؤلاء، لم يهاجروا لا من أوروبا ولا من أمريكا ولا من إفريقيا، لكنهم ولِدوا هنا، وسيقضون حياتهم هنا. ومع أنهم، في غالبيّتهم العظمى، أناسٌ هادئون يسعَوْن إلى العلم والعمل بكرامة ومساواة، إلاّ أنهم يُعانون من التفرقة في مختلَف المجالات: فقد صودرت معظم أراضيهم، وهُجِّر سكان بلدتَيْ إقرث وكفر برعم من بيوتهم التي هُدِمَت بشكلٍ مُرَوّع، ومُنعوا للآن من العودة إلى قراهم مع أنهم جميعًا في البلاد لم يتركوها! معاناة العرب كما ذكرت، في مختلَف المجالات: في القبول للعمل، والميزانيات المخصّصة للمواطنين العرب، وفي الخدمات العامة للمواطن، وفي تعامل أجهزة الأمن والشرطة، وحتى في القضاء! لقد قُتِلَ العشرات من الشباب العرب برصاص الشرطة، عدا الذين سقطوا في الأراضي المحتلّة، ولم تكن المبرّرات التي قدّمتها الشرطة مقنِعة لنا أبدًا! أمّا بالنسبة للمواطن اليهودي العادي، فهذه الذرائع والمبرّرات الشُّرَطيّة، أكثر من مُقدّسة، وبالتالي فالعرب إرهابيون ويستحقون كلَّ تعاملٍ فَظٍّ قاسٍ وقاتل!!
 وفي كل مرّة كانت حكومة إسرائيل تضرب قطاع غزة، وتروّع ساكنيه بهدم بيوتهم وتدمير مرافقهم الحياتيّة الأساسيّة وقتل الآلاف منهم رجالًا ونساءً وأطفالًا، كان الأمر ينعكس بتوتّر العلاقات بين العرب واليهود داخل الدولة. وكانت الحكومة تغذي هذا التوتّر من خلال معظَم وسائل الإعلام العبرية، ومِن خلال تصريحات الناطقين الرسميين التي تدين ايَّ نوع من التعاطف مع أبناء شعبنا في غزة، وتعتبره موقفًا معاديًا للدولة، وليس نقدًا لسياسة الحكومة الهوجاء، وممارساتها البربريّة المعادية لكل احتمال تصالُحٍ أو سلام! وتتجنّد وسائل الإعلام هذه، لتقديم شهادات كاذبة لأناسٍ يمينيين متطرّفين، بهدف إثارة المخاوف من العلاقات مع العرب! بينما لا تبذل أيَّ جهد لنَقْل شهادة العشرات بل المئات من التجار والوكلاء وغيرهم من اليهود الذين يعملون في القرى والمدن العربية، ويتعاملون مع سكانها باحترام، دون أن يمسّهم أحدٌ بكلمة!
أما إذا نُظِّمَت مسيرةٌ أومظاهرة عربية احتجاجيّة مرخّصة، فإنها غالبًا ما تنتهي باصطدام مع الشرطة، ينجم عنه معتقلون وجرحى أو قتلى!! قبل أشهر قليلة قتلت الشرطة في كفركنا الشاب خير حمدان، وادّعت أنه هاجم سيارة الشرطة مما عرّض أفراد الشرطة الأربعة داخلها للخطر!! وقبل أسبوعين سقط الشاب سامي جعار من رهط برصاص الشرطة! ومرّة أخرى ادّعى أفرادها أن حياتهم كانت في خطر! وقبل دفنه اتفق رئيس البلدية مع الشرطة ألاّ يحضروا أثناء الجنازة في رهط. لكنهم نكثوا وعدهم، وحضروا، فسقط الشاب سامي الزيادنة قتيلًا، وأصيب عدد من الجرحى، قسم منهم بسبب استخدام الغاز المسيل للدموع، بينهم رئيس البلدية نفسه!
 هذه، باختصار سريع، بعض تصرّفات شرطة إسرائيل، بل حكومة إسرائيل مع مواطنيها العرب! أمّا الإعلام العبري، المقروء والمرئي والمسموع، فإنه يُعيدُ بَبْغائِيًّا، ولمرة واحدة، ما تبرّر به الشرطة تصرفها مع العرب،وهو عادةً: " الشرطة شعرت بالخطر على حياتها"، أو "الأمر ما زال قيد التحقيق"، وبعدها يتجاهل كليًا ما جرى!!والمواطن اليهودي، مرةً أخرى، يزداد قناعةً بمواقفه اليمينية المعادية!

***
 أمّا سياسة حكومة الاحتلال الهوجاء المثيرة للاشمئزاز والغضب، والمعادية لأبسط حقوق الإنسان، فهي تلك المُنْتَهَجةُ يوميًّا على الحواجز الاحتلاليّة مِن قِبَل جنود هذه الحكومة، وجيشها "المتميّز أخلاقيًّا" كما يدّعي قادتُه! تصرفات غالبيّة جنود الحواجز مع الفلسطينيين، رجالًا ومُسنّين ومسِنّات، ونساء حوامل معهنَّ أطفال صغار، والنساء المُرضِعات، وذوي الحاجات الخاصة والمرضى، حبذا لو كانت تُثير القرفَ فقط، وإلاّ لما كان يندفع شاب فلسطيني أو مراهقٌ إلى ارتكاب جريمة، لا نرضاها، ضد مدنيين يهود، بدافع الغضب الشديد، والثأر لكرامته وكرامة أهله وشعبه المُهانة من تصرّف جنود الحواجز، بل جنود جيش الاحتلال عامةً! لكنها، هذه التصرفات، عنصريةٌ وحقيرة، وينبغي ازالتها كليًا، وليس فقط تخفيفها مؤقّتًا بطلب من أمريكا، بل إزالة الحواجز أيضًا، خصوصًا وأن الشعب اليهودي كان قد عانى الأمَرَّيْن على يد النازيين المجرمين، وحَرِيٌّ به وبقادته أن يكونوا حساسين جدًا في تعاملهم مع غيرهم!
 إلى جانب هذا، فهناك أيضًا تصرفات سوائب المستوطنين، الذين لا يعيشون فوق الأرض الفلسطينية المحتلة بحماية وحراسة جيش الاحتلال وحكومات الاحتلال فَحَسْب، بل يعتدون على القرى الفلسطينية يحرقون ويدنسون مساجدها وكنائسها، ويقتلعون أشجارها وزيتونها المبارَك، ويطلقون النار على الرعاة وقطعان الماشية وغيرهم، ثم لا يحاسبهم أحد، بحجّة عدم توفّر دليل أو شهود!
أما السلطة الفلسطينية ورئيسها فقد أصبحوا في شريعة قادة إسرائيل، رؤساءً للإرهاب والتحريض! وطبعًا فهم ليسوا شركاء للمفاوضات معهم، كما يقضي رئيس حكومة إسرائيل، وبعض وزرائه.وأعتقد أن القرّاء يعلمون جيّدًا لماذا توصّل نتنياهو إلى هذه الاستنتاجات، لذلك لن أتعِبَ عيونهم بقراءة كلام فارغ!
إنّ تصرّفات الحكومة الإسرائيليّة وجيشها خلال العدوان الأخير على الشعب الفلسطيني في غزة، والذي، في أيّ تقدير، فاق كل تناسب معقول ردًّا على الصواريخ التي أطلقتها حماس على جنوب البلاد، والتي سقطت في معظمها، حسب التصريحات الإسرائيلية، في مناطق مفتوحة غير مأهولة،تُعتَبَر رَدًّا شَرِسًا أرعَنَ، برًّا وبحرًا وجوًّا. فقد كانت حصيلته أكثر من ألفَيْ قتيل فلسطينيّ، منهم أكثر من 500 طفل، وَأكثر من 250 امرأة، وَ100مُسِنّ. وأُصيب بجروح متنوعة حوالَيْ 11000 مُصاب! أما في الجانب الإسرائيلي فسقط 65 جنديًا، وأصيب أكثر من 700 جريح. هذا إلى جانب آلاف المنازل التي دُمِّرَتْ في غزّة كلِيًّا وجزئيًّا، والتي اضطر سكانها إلى النزوح من بيوتهم "والسكنى" في المؤسّسات والمدارس التابعة للأمم المتحدة!
***
هذه الموبقات والتصرّفات المُشينة التي تقترفها حكومة إسرائيل ضِدّ مواطنيها العرب، وضدّ الفلسطينيين الذين تحتل أراضيهم، وتخالف القوانين الدَّوْلية في استيطان هذه الأراضي، لا يُمكِن أن تجلِب الهدوء إلى أيّ طرف كان! بل إنها، كما يحدث بالفِعل، تثير دوافع العنف والجريمة لدى أفراد لا ينتمون إلى أي تنظيم عسكريّ، فَيُقْدِم كلُّ طرف مِن الأطراف على تنفيذ جريمته المستَنكَرة والمُوَجّهة غالِبًا ضدّ مَدَنيين من اليهود أو الفلسطينيين، إشباعًا لرغبة الانتقام التي غذَّتْتها سياسة الحقد والعنصرية!والأمثلة على ما أقول كثيرة، منها:
- خطف وقتل ثلاثة فتيان يهود هم نفتالي فرنكل وجيل-عاد ساعر وإيال يفرَح على يد شابَّيْن فلسطينيين.
 - خطف الفتى الفلسطيني محمد أبو خضير، وحرقه حيًّا على يد ثلاثة من اليهود.
- ضَرْب شاب عربي درزي من دالية الكرمل على يد مجموعة من الشبان اليهود لأنهم سمعوه يتحدث العربية.
- اعتداء بالرصاص على مُصَلّين يهود في القدس، أسفر عن مقتل أربعة أشخاص.
- طعن سائق حافلة وبعض الركاب (حوالي 20 ) في تل أبيب، على يد شاب فلسطيني.
 أضِف إلى هذه الأحداث والجرائم، اعتداءات أي مستوطن يصادف فلسطينيًّا، أو سيارة فلسطينيّة، أو حتى دابّةً فلسطينية!!
هذه الأمثلة هي غَيْضٌ مِن فَيْض مِمّا أعتقد أنه انعكاس لسياسة الحِقد والقمع العنصريّ التي تمارسها الحكومة وأذرعها. فقد يتأثّر بهذه السياسة، انتقامًا، أفرادٌ فلسطينيون ضدّ أبرياء يهود. وقد يتأثّر بها، تقليدًا وانتقامًا، أفرادٌ يهود ضدّ أبرياء فلسطينيين! وإذا كنت قد أضفت المستوطنين، فإنني أرجو أن أؤكّد أنهم لا ينتظرون أن يتأثروا أو يقتدوا بأيِّ حاكم أو سياسيّ حاقد، لأنهم في الحقيقة هم مصدر العنصرية والحقد، خاصة أولئك المَفاقيع المتفرّغين لأعمال العنف ونفث السموم، ليس ضدّ الفلسطينيين فَحَسْب، بل أيضًا ضد الجيش والشرطة الذين يحمونهم!

***
تُرى، هل يجوز، إنسانيا على الأقَلّ، أن يُتركَ الوضع كما هو عليه منذ أكثر من خمسٍ وأربعين سنةً؟! إنني على يقين أنْ لا أحد من اليهود والفلسطينيين في فلسطين وإسرائيل والشتات، ولا من أبناء باقي الشعوب، ليس متأكِّدًا أنّ الحروب واحتلال أراضي الغير بقوة السلاح، والاستيطان، والردَّ بقوّة السلاح الرهيبة على أعمالٍ عسكرية تُوَجَّه ضد المدنيين، بدعوى المقاومة المسلحة، وكل ما ورد وصفُهُ أعلاه وغيره وغيره، قد حلّت أيةَ مشكلة بين الشعبيْن! بل يعلمون علم اليقين مثلي أن كل هذه العمليات، محدودة كانت، أم موسّعة، لا تحل أية مشكلة، إنما تخلق مشاكل وويلات جديدة، وتُعَقِّد المشاكل القائمة، وتغرس الآلام والويلات والأحقاد في النفوس! هل لأجل هذه يسعى أبناء الشعوب، وشعبَانا منهم، أن يتزوّجوا ويفرحوا بولادة أطفالهم وبتعليمهم؟ هل لكي يسيروا وراء نعوش أبنائهم وبناتهم إلى المقابر العسكرية والمدنية؟
 "الويلُ لكم أيها القادة العميان، الذين لا تَسعَوْن إلى صُنع السلام، ولا أن تفعلوا بالناس كما تريدون أن يفعل الناسُ بكم"، كما علّمنا يسوع الناصري، ملك السلام!



(المكر- إقرث)

قد يهمّكم أيضا..
featured

نحن بحاجة الى مشروع وطني صادق وليس لحكم ذاتي

featured

يوم الأرض الخالد.. من أعماق الذاكرة

featured

تفكيك "القدس الموحّدة"

featured

يصرّون على شعار: كن مستعدًا للحرب!!

featured

استعجلت الرحيل، أيها الغالي والعالي، الشيوعي المجدلاوي الأصيل أبو حسين – خالد مناع

featured

إبنة الناصرة فيليتسيا لانغر

featured

الفرضيات الخاطئة.. والنتائج الخائبة!

featured

صفد عروس الجليل..حاضرة في الغياب!