هرع قائد المنطقة الشمالية للجيش الإسرائيلي الجنرال رفائيل ايتان وحط بمروحيته في ساحة عند مدخل القرية الشمالي حيث النصب التذكاري للشهداء في عرابة.. يطلب الاجتماع برئيس المجلس المحلي السيد محمود نعامنة.. كان هذا على اثر وقوع فرقة من المجنزرات في كمين في حي نصار، حيث حوصرت واستعصى عليها الإفلات. قام الجنرال مهددًا رئيس المجلس المحلي بإبلاغه إما ان تخرج الفرقة سالمة آمنة وحالا وإما أن يقوم هو بتدمير القرية...
هناك صور ارتسمت وأخذت حيّزًا في مخيلتي، وانحفرت في ذهني واختزنت في ذاكرتي يستعصي على الزمن مهما طال أو قصر ان يمحوها.
كان شهر آذار سنة 1976 شهرًا مميزًا بالتداعيات. كثير الزخم بالأحداث. غنيًّا بالنشاطات. مفعمًا بالحماس. طافحًا بالغضب الشعبي. تضافرت فيه جهود الرفاق أعضاء الحزب الشيوعي في فروع سخنين، عرابة، دير حنا. بذلوا ما استطاعوا من قوة وبأس للعمل على "تعبئة" الجماهير. ووضع خطر غول مصادرة 17 ألف دونم من ارض المل نصب أعينهم ولرفع منسوب الوعي الجماهيري، ولخلق جهوزية التحدي لتهديد ووعيد السلطات العسكرية والسياسية بالويل والثبور لمن يستجيب لقرار قيادة الجماهير العربية التي أجمعت عليه في اجتماعها المنعقد يوم 6/3/1976 بإعلان الإضراب الشامل لكل الجماهير العربية وذلك في يوم 30/3/1976، احتجاجًا على قرار المصادرة الذي أعلنته السلطات في 5/2/1976 الذي صرّح به وزير الزراعة آنذاك عن إغلاق منطقة (9) ارض المل أمام الفلاحين.
يوم 29/3/1976 كان يومًا حاسمًا في هذا الحدث التاريخي. السلطات العسكرية تدفع بحشودها، معززة بناقلات الجنود والمجنزرات والمدرعات غصت فيها ارض المل، والتلال والمرتفعات والجبال المشرفة على القرى الثلاث والقريبة بها. وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة تبث الرعب في نفوس المواطنين. باتت قضية رفع المعنويات ودب الحماس في نفوس المواطنين من الضروريات الملّحة. وتستوجب الإسراع في التفاعل لاتخاذ خطوات من شأنها، تفويت الفرصة على السلطات بتثبيط العزائم، وزرع الرعب أو خلق شعور باللامبالاة. في الساعة الخامسة والنصف من ذلك اليوم وكان يومًا آذاريًّا صافيًا ولطيفًا. رائحة أزهار الربيع الشذية تعبق بالجو، الشمس أخذت تميل نحو الغروب وبدأت ترمي بخيوطها البرتقالية نحو البحر، الرفيق إبراهيم شمشوم والصديق أحمد جربوني بخطى ثقيلة وئيدة يقتربان من نادي الحزب وجباههما مقطبة، ووجوههما واجمة وعلامات الغضب واليأس بادية في عيونهما، تقدّمت سائلا ما بكما، شو السيرة، أجابا بصوت خفيض "قررت اللجنة المحلية للدفاع عن الأرض ان يكون إضرابًا سلميًا لا حركة اليوم ولا حراك غدًا" تسرّعت وقلت لا لن يمر هذا، سنحرق الأرض تحت أقدام المتعاونين.
*"ليطلق سراح فضل نعامنة"!*
في الساعة السادسة والنصف من ذلك اليوم ينطلق الرفاق محمود بدارنة وإسماعيل قراقرة وكاتب هذه السطور من بيت الرفيق محمود بدارنة إلى مدخل القرية، كان الغروب قد بدأ يلف القرية، والدخان يتصاعد بكثافة من الجهة الشرقية من دير حنا. ثُلة من الفتيان تجمهروا هناك بدافع حب الاستطلاع ولمشاهدة قوافل آليات الجنود وهي تعبر من هناك إلى ارض المل والتلال المجاورة، وما هي إلا دقائق معدودات بُعيد الحديث معهم، انطلقوا بحناجرهم القوية يهتفون ليطلق سراح فضل نعامنة، وبالروح بالدم نفديك يا جليل. سار في مقدمتهم الشابان إسماعيل شحادة نعامنة وسليمان نمر نعامنة، قطعوا شارع الجلمة لينضم إليهم أعضاء الشبيبة الشيوعية بقيادة سكرتير الشبيبة الشيوعية الرفيق كمال محمد جراد نعامنة، أخذت روافد الشباب تتوافد لتنضم إليهم. كانت هتافاتهم تصدح لتتعانق بهتافات الرفيق توفيق كناعنة الذي اعتلى سيارة ومن مكبر الصوت كان صوته يجلجل يحث الجماهير لتلبية نداء قيادة الجماهير العربية بتنفيذ الإضراب. وكان الرفيق فضل نعامنة يسترق السمع والنظرات من وراء قضبان زنزانته في معتقل شرطة نهاريا حيث زُج به فجر يوم 28/3/1976. كإجراء تعسفي احترازي حسب ادعاء الشرطة.
في الساعة السابعة من مساء يوم 29/3/1976 مظاهرة حماسية حاشدة تجوب شوارع القرية والهتافات تعانق السماوات. وعند محطّة سونول للوقود على الشارع الرئيسي المؤدي إلى مدخل القرية قام عدد من الجنود الذين تسللوا من بين أشجار الزيتون ليفاجئوا المتظاهرين في جنح الظلام وأمطروهم بوابل من الرصاص الحيّ بشكل همجي وعشوائي سقط عشرات الجرحى، وكانت جراح الشاب إسماعيل شحادة نعامنة خطيرة في بطنه. انفضت المظاهرة لتعود إلى مركز القرية باب الزاوية. لم يكتفِ الجنود بهذا القدر من الاعتداء الإجرامي، فقد سوّلت لهم نفوسهم بمرافقة فرقة من حرس الحدود ليلاحقوا الشباب ويتوغّلوا في القرية حتى باب الزاوية، ليجدوا أنفسهم يغرقون في بحر من الجماهير الذين واجهوهم برباطة جأش وليمطروهم بوابل من الحجارة وينهالوا عليهم بعصيهم وفؤوسهم ومناكيشهم ومذاريهم وشواعيبهم، ليردوهم على أعقابهم ناكصين، استسلم البعض أمام هيجان الجماهير واحدهم استسلم وسلّم سلاحه الا ان عضو المجلس الأخ عبد الرؤوف كناعنة أعاده له وتابعنا الجنود أثناء فرارهم وفي الطريق تهادى لسماعنا أصوات خفيفة من وكر معتم تحت احد البيوت تقدّمت وزميلي عبد الرؤوف كناعنة لنجد ضابطين ضلّا الطريق واختبآ من حمأة غضب الشباب أخرجناهما وسعينا جاهدين لحمايتهما من غضب الشباب، رافقناهما حتى عادا سالمين. (ومن يصنع المعروف في غير أهله يلاقِ الذي لاقى مجير أم عامر).
وعلى بعد أمتار منا اتصل احدهم بالهاتف اللاسلكي الذي كان بحوزته وما هي الا دقائق حتى قام رتل من الدبابات والمجنزرات بالتقدم وقاموا بإطلاق الرصاص على جماهير الشباب المتواجدين في المنطقة بين أشجار الزيتون. وفي الساعة الثامنة والنصف أصابت رصاصات الغدر الرفيق خير ياسين الذي سقط بقامته الشامخة شهيدًا يقبِّل تراب الأرض ويرويها بدمه الطاهر الزكي.
*بحر زاخر مائج وهائج*
في الساعة التاسعة والنصف من ذلك المساء ومن بين ذلك البحر الزاخر المائج والهائج من الجماهير، ظهر الرفيق ماجد أبو يونس وعدد من الرفاق الذين تسللوا عبر الطرق الترابية الالتفافية ليصلوا إلى عرابة لتقديم المساعدة ولشد أزرنا. تقدم وسألني بحكم انني سكرتير منطقة الناصرة للشبيبة الشيوعية عمّا يمكن ان يفعله ويقدّمه. أجبته جوابًا مقتضبًا ان يذهب ويسد الريح عن عرابة. كان لبيبًا جدًّا وان اللبيب من الإشارة يفهم، ترك المكان وعاد ليقيم سدًا منيعًا من الجهة الغربية من سخنين لتعيق تعزيزات وحركة الجيش. ويتجند ورفاقه لفتح معركة على الشارع الرئيسي ليخفف من حدة الضغط على جماهير عرابة الأمر الذي دفع سلطات الجيش والشرطة يوم 30/3/1976 بارتكاب جريمة ادت إلى سقوط ثلاثة شهداء من سخنين وجرح واعتقال العشرات من الشباب انتقامًا لما قاموا به من نشاط ورباطة جأش.
لقد كان يوم الثلاثين من آذار يومًا مشهودًا. شهرًا يحمل في طياته الكثير من العبر. ومن على صفحاته سجل العديد من الحكايات البطولية والقصص الرائعة التي تبعث السرور والغبطة عن مقاومة شعب اعزل لا يملك اي وسيلة الا العزيمة والإرادة.
يوم الـ 30 من آذار الساعة الواحدة ظهرًا هرع قائد المنطقة الشمالية للجيش الإسرائيلي الجنرال رفائيل ايتان وحط بمروحيته في ساحة عند مدخل القرية الشمالي حيث النصب التذكاري للشهداء في عرابة، يطلب الاجتماع برئيس المجلس المحلي السيد محمود نعامنة على اثر وقوع فرقة من المجنزرات في كمين في حي نصار، وحوصرت واستعصى عليها الإفلات. قام الجنرال مهددًا رئيس المجلس المحلي بإبلاغه إما ان تخرج الفرقة سالمة آمنة وحالا وإما أن يقوم هو بتدمير القرية.
جرى الاتفاق على تلبية طلب الجنرال مع فك الطوق عن القرية وإلغاء أمر منع التجول وانسحاب القوات من داخل القرية والتلال المحيطة بها وإطلاق سراح كل المعتقلين. وهكذا حدث ففي الساعة الثانية بعد الظهر، وصلت الفرقة إلى قاعدتها في المل وتم تلبية جميع مطالب رئيس المجلس المحلي ليعود الهدوء الحذر إلى القرية ولتضمد جراحها بفقدان شهيدها خير ياسين، وأعيدت الأرض لأصحابها الحقيقيين سنة 1985.
*لنذكر إذا نفعت الذكرى*
ومن انعكاسات هذا اليوم الذي لا زال زخم يوم الأرض ماثلا أمامنا ويغمر نفوس الشباب والجذوة التي أشعلت لهيب يوم الأرض لا زالت تحتفظ بوميضها ولم تنطفئ بعد. تتقد وتسري في العروق. وفي غمرة الاستعدادات لإحياء هذه الذكرى الماجدة، أقدمت لجنة التنظيم اللوائية على إصدار قرار أمر هدم لبيتين اُنشئا ليكونا مرآبين في ارض المل، بحجة عدم الترخيص. فقد باءت جميع المحاولات لإلغاء القرار التعسفي بالفشل، ولم يسعف أصحاب البيتين أية وسيلة الا وسيلة واحدة، فقد استذكر الشباب هبة يوم الأرض فتنادوا للدفاع عن البيتين بالاعتصام المتواصل ليل نهار وقد لبّى الشباب النداء وعندما زار قائد شرطة المنطقة الشمالية وقائد شرطة مركز سيجف ورجال المخابرات وأيقنوا ان أهالي عرابة مصممون على يوم ارض جديد، أفلحت المداولات بإلغاء قرار الهدم وتنفس الأهالي وأصحاب البيتين الصعداء وهم يقطفون ثمرة جديدة من الثمرات التاريخية ليوم الأرض التي تكتب في كل سنة، ولنذكر إذا نفعت الذكرى، وللجيل الشاب الذي لا يعرف الكثير عن مجريات يوم الأرض.
عاش يوم الأرض الخالد
المجد والخلود لشهدائنا الأبرار
عاش الحزب الشيوعي وشبيبته الشيوعية
