احتفالٌ محمود في كفرياسيف

single

شهدت كفرياسيف يوم السبت الماضي حدثاً مميزاً، يوم احتُفل بالإعلان الرسمي والشعبي عن افتتاح مؤسسة محمود درويش للإبداع. مميزاً لأن الإعلان عن إطلاق مؤسسة محمود درويش من كفرياسيف/الجليل يحمل من الرمزية الكثير ويتعداها ليكون استحقاقاً بديهياً، فمن حيث كانت البدايات تكون البدايات أيضاً.

يعلم المؤسسون والمبادرون أن المشروع كبير، والمهمة خطيرة وصعبة، فاسم محمود درويش وما أنتج لا يُعقل أن يحصرا في مؤسسة، مهما علا شأنها.

بالمقابل، فإنني أعتقد أن الارتكان إلى فرضية القوة الذاتية الكامنة في مكانة محمود درويش وإنتاجه الشعري والنثري، تكفي لوحدها وتضمن أن يستمر هذا النتاج وهاجاً وحيّاً، يعيش وينتقل من جيل إلى جيل، هذه الفرضية لوحدها لا تكفي، وتجارب التاريخ تدلِّل على ذلك.

في هذا السياق لا يجوز أن نغفل ما يعتري واقعنا الثقافي من تردِّ وانحطاط، وفي هذا السياق أيضاً، لا يجوز ولا يُعقل أن لا نتذكر يومياً أننا نعيش في دولة لا ترعى حركتنا الأدبية الفلسطينية بشكل عام، وتلك المتفاعلة على مستوى مجتمعنا العربي الفلسطيني محلياً، والأمر طبعاً يتعدى الإهمال والتهميش، فسياسات الدولة الرسمية اتسمت دائماً بالقمع ومحاربة ذلك الأدب والإبداع، وما تجربة درويش وتاريخهُ الشخصي وتاريخ إبداعه إلا أكبر برهان ودليل على هذه الحالة والواقع.

لهذا كان لا بد من إقامة مؤسسة تهدف إلى رعاية كل ما كتبه درويش، وكل ما كتب عنه وفيه، من أجل الحفاظ عليه وتأمين نشره بين أجيالنا الصاعدة واللاحقة. كذلك تهدف المؤسسة لأن تكون حاضنة لمبدعينا وإبداعاتهم في جميع ميادين الإبداع، لتكون عنواناً وملتقى لهؤلاء وصالوناً ثقافياً أدبياً يتفاعلون من خلاله. نهدف أن تتحول المؤسسة إلى عنوان تؤمه جموع الطلاب من مدارسنا وجامعاتنا للتعرف على درويش وأدبه وليتزودوا بما أعطانا من عذب الكلام وسحر الاستعارة وجليل القيم والمفاهيم الوطنية والإنسانية والحضارية. تهدف المؤسسة أيضا لترعى إصدارات لمبدعينا، محليين وعالميين، وكذلك إعادة نشر وطباعة ما طبع من أدب قيم، محلي وآخر، في الماضي.

صعوبات جمة تدارسها المبادرون لإقامة هذه المؤسسة، وأهمها الإصرار على تحييد هذه المؤسسة عن الصراعات الداخلية الموجودة في مجتمعنا، فلا يغفل أحد أن ما طغى على بعض مؤسساتنا المدنية من تحزيب انتقص من دور هذه المؤسسات وما تقدمه من خدمات ودراسات، ذلك على الرغم من أهمية ما تقوم به، إلا أن "دكننة" بعضها أضر، أول ما أضر، بمصداقيتها وثانياً بما كانت تستطيع تقديمه لمجتمعنا، كل مجتمعنا.

أكرر وأؤكد مرة أخرى ما قلته في ذلك الاحتفال: أننا نصر أن نُبقي هذه المؤسسة خارج تأثير أي حزب أو فصيل أو مجموعة ذات مآرب فئوية، ونصر كذلك ونتمنى على جميع من يؤمن بمكانة محمود درويش أن يكون سنداً وعضداً لهذه المؤسسة، فهي بهذا المعنى، للجميع وهي لهذا المعنى، ليست ولن تكون في جيب أحد. وعلى ما يبدو ستكون مهمتنا صعبة، فما زال كثيرون يحاولون، وبعضهم فعل ذلك من خلال إحجامه عن المشاركة في احتفال التأسيس، وبعضهم من خلال مشاركة سبقها اشتراط مرفوض فجاءت مشاركته غاضبة و"متمزعلة".

كان احتفال كفرياسيف مميزاً بمن حضر وشارك، فتلك المئات التي وفدت من كل حدب وصوب، عبرت عن وفائها واعتزازها بدرويش، لكنها عبرت أيضاً عن إيمانها برسالة المؤسسة وأهدافها المستقبلية. كان الحضور مهيباً يمثل شرائح عريضة من مجتمعنا ويمثل أيضاً عدداً من الهيئات الشعبية والمؤسسات المدنية وقطاعات مختلفة من أبناء شعبنا، عبرت عنها مشاركة السيد محمد زيدان رئيس اللجنة العليا للجماهير العربية والسيد رامز جرايسي رئيس لجنة الرؤساء وهما الإطاران الكبيران الموحدان لمجموع جماهيرنا العربية في البلاد. وحضرت كفرياسيف الرسمية من خلال كلمة رئيس مجلسها المحلي السيد عوني توما.

وكان مميزاً من خلال من كتب وحيا المشاركين، وتميزت بهذا تحية الفنان الكبير مارسيل خليفة وكذلك الروائي الكبير إلياس خوري. جاءت تحيتاهما مليئتين بالتعبير الصادق والحس المرهف والتقدير الذي لا يعرف حدوداً لمحمود درويش ولمكانته في العالم أجمع، وكانتا بمثابة دعم وإسناد للمؤسسة وللقيمين عليها، هكذا كانت أيضاً تحية الجولان السوري المحتل الذي أحبه درويش وبادله هو الحب ذاته. أما تحية الكاتب الإسرائيلي الكبير عاموس عوز فكانت مميزة أضفت بعداً آخر على الاحتفال لما احتوته من مضامين ومواقف. لهذه نضيف أيضاً تحية الوزير السابق يوسي سريد وما عبر عنه من رأيٍ مثَّل موقفه إزاء درويش وأدبه.

كان الاحتفال مميزاً لأنه الأول الذي يشارك فيه رئيس وزراء فلسطيني، مشاركة جاءت لتجسد هذا التواصل العضوي بين جماهيرنا العربية الفلسطينية المحلية وانتمائها إلى شعبها، لاسيما في أهم ما تعرف به الهوية القومية من عوامل وهو الهوية الثقافية.

قيل أن فلسطين "اتكأت"، من بين ما اتكأت عليه، على محمود درويش وأشعاره، ولذا كرمته فلسطين الرسمية والشعبية وما زالت، ولذلك لم يتردد د. سلام فياض حينما وجهت إليه الدعوة لرعاية احتفال الإعلان عن تأسيس المؤسسة. حينها قال أنه يتشرف بأن يكون مشاركاً وأن يكون خطيباً وراعيًا لمثل هذا الحدث، لم نفاجأ من موقف رئيس الوزراء الذي عبر من خلال كلمته الشاملة الهامة عن مواقفه في المسألة الثقافية العامة وتقديره لدرويش وإرثه مؤكدًا على ثوابت فلسطين الوطنية في إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة في حدود 1967 وعاصمتها القدس العربية وقلع الاستيطان ورفع الحصار ووحدة الوطن وعودة اللاجئين. ولنا أن نفخر ونعتز أن درويش منا وأن البدايات كانت في نفس الموقع والمكان الذي كان فيه الاحتفال.

فياض جاءنا، مشكوراً، كرئيس وزراء فلسطين وجاءنا، مشكوراً، من فلسطين وتواصل معنا، مشكوراً، نحن الفلسطينيين، في احتفال مؤسسة نفخر ونعتز ونتشرف بحملها لاسم محمود درويش، حمل سننوء به، دون دعم من حضر وشارك، ودون مؤازرة الجميع لما نعدّه من أحلام وأمانٍ وبرامج لهذه المؤسسة.

احتفال كفرياسيف كان يوم فرح وسعادة بوليدة نريد لها أن تنمو وتكبر لتغدو صرحاً ثقافياً يليق بنا كأقلية قومية فخورة، بمن أنجبت وبما أنتجت، وصرحاً عمرانياً كذلك، فنحن نأمل ونخطط لبناء صرح يكون مقرا لهذه المؤسسة.

إنني أرى في يوم الإعلان عن تأسيس مؤسسة محمود درويش للإبداع بداية لوضع أركان هذا الصرح، فمن يستطيع ويريد ليدفع بيده أو كتفه لتكونا سنداً وعوناً في عملية البناء هذه، ومن لا يستطيع أو لا يريد، نأمل ونرجو أن لا يدفع بيده أو بكتفه هذا المدماك، فتُسعد تلك الغربان التي لا تحلق إلا حيثما تحل الفرقة ويحل الفراق.

قد يهمّكم أيضا..
featured

الأمريكان في كل مكان!

featured

عرب البلاد وحقهم في المسكن

featured

ما لم أرَه في وطني!

featured

الكاتب والمناضل الدكتور محمد أيوب: وداعًا يا ابن المخيم

featured

قمّـة الكويـت: إمـا المصالحـة او أنهـا آخـر القمـم

featured

الحلّ فكرنا وبرنامجنا ونهجنا

featured

بيبي يريد أن نستجيب أكثر لِمُثيراته

featured

"برافر" بين الفرد والمجموعة