من منا لم يسمع بقانون برافر، الذي مرّ في أروقة الكنيست بالقراءة الأولى دون أن تحرك غالبية المجتمع الإسرائيلي ومؤسساته ساكنًا لما سينم عن هذا القانون من نتائج وإسقاطات على الحيز العربي البدوي في النقب، خاصةً وعلى خارطة جنوب البلاد عمومًا، لست بصدد الكتابة عن تفاصيل القانون والمشروع ذاته وحيثياته وأرقامه التفصيلية وأبعاده المأساوية على اهلنا في النقب.
ما يهمني في هذه العجالة أن ارصد حجم تفاعل جماهيرنا العربية مع اعلان الإضراب الذي أطلقته لجنة المتابعة ولجنة رؤساء السلطات المحلية العربية من أجل اعلان الغضب والرفض لمشروع القانون ولأبعاده التخطيطية العنصرية، التي تسعى إلى انتزاع ملكية عرب النقب لأراضيهم وإفراغ جنوبي البلاد من سكانه الفلسطينيين الأصلانيين، هذا المشروع يعبر عن النزعة الأيديولوجية الصهيونية الراغبة في السيطرة على أكبر ما يمكن من حيز الأراضي ووضعه تحت اشراف وملكية دائرة أراضي اسرائيل والكيرن كييمت ومؤسسات صهيونية أخرى، تهدف إلى تعزيز الفوقية اليهودية وتكريس دونية الأقلية ومحو أي ارتباط بين الانسان العربي والأرض، وهذا ما عبر عنه بن غوريون في خطابه عام 1938 الذي أكد على أهمية السيطرة على الأرض والحيز الجغرافي وعدم وجود أي اعتبار غير اخلاقي وإنساني في ترحيل العرب ونهب اراضيهم.
بحسب متابعتي للحدث من خلال التغطية الإعلامية العربية والعبرية، إضافة إلى تزويدي بالمعلومات من المتظاهرين في شتى اصقاع البلاد، تجدر الإشارة إلى أن الاعلام الإسرائيلي استمر في سياسته العامة التي تتجاهل قضايا الجماهير العربية وتناصبها العداء، ولم تقم بدورها الاجتماعي والمناهض للسياسات العنصرية. اتسمت صورة لها وجهان يلخصان التفاعل الجماهيري مع الحدث، وبالتالي يعكسان درجة غليان الشارع العربي والديمقراطي اليهودي ازاء البرامج والخطط الحكومية وسيلان التشريع القانوني في الكنيست الإسرائيلي مما يأخذ بي إلى استنتاج واضح مفاده إن الائتلاف الحكومي يزحف على أربعته (هليكود بيتينو – يش عتيد – البيت اليهودي – وهتنوعاه) ويغذي النزعة السادية بين صفوف الأغلبية التي تحاول نزع الصفة الإنسانية والمدنية الكاملة عن الأقلية العربية الفلسطينية، فتمارس الغبن التاريخي والتمييز في أشكاله العديدة، تخصيص الموارد، منح ميزانيات وهبات التطوير، وضع المعيقات في الطريق إلى سوق العمل والتعليم العالي، مصادرة الأراضي ونهبها بدلًا من ارجاع الأراضي لأهلها التاريخيين وهذا غيضٌ من فيض والحبل عالجرار.
* عودٌ على بدء *
تفاعل الجماهير مع الإضراب كان هزيلًا ولا ينذر بما هو يسير، فمن خلال متابعتي لعدة قرى ومدن عربية في شمال البلاد والمثلث بشطريه الشمالي والجنوبي كان الكثير من المحلات التجارية والمصانع تزاول عملها بشكل اعتيادي والحركة التجارية تسير وفق نظامها وسيرها الاعتيادي، العمال توجهوا إلى أعمالهم داخل القرى والمدن وخارجها، الطلاب الجامعيون – الذين تفاعلوا أكثر من غيرهم – استمروا في تعليمهم في الفصل الصيفي كالمعتاد والكثير من القرى والمدن لم تشهد أي حراك ولو بأضعف الإيمان.
المظاهرات التي توزعت في طول البلاد وعرضها كانت هزيلة هي الأخرى والحضور أوضح لنا مدى تفاعل الجماهير مع الحدث ومدى استجابتهم لنداء الأحزاب السياسية، المؤسسات الوحدوية ومؤسسات المجتمع المدني، واذا قمنا بتعداد المشاركين في المظاهرات لتوازى عددها مع أية فعالية حزبية ضخمة وهذا بدوره يدق أمامنا ناقوس الخطر ويستدعينا لدقيقة حساب مع النفس.
الأحزاب السياسية هي الأخرى انزلقت إلى مهاوي الفئوية ونظمت تظاهرات خاصة بها – هذا أمر جيد في قضايا محلية - ولكنها أضرت بمفهوم العمل الوحدوي وتضافر الجهود من أجل الانتصار إلى القضية الملتهبة والتحدي الأساسي الراهن أمامنا، وكل هذه العوامل إضافة إلى عملية تنفيس الغضب من خلال الشبكات الاجتماعية وتشييد الواقع الزائف واقتصار التفاعل مع الحدث من خلال المشاركة الالكترونية وبعض الفذلكات في الشبكة العنكبوتية – لا أقلل من أهميتها ولكن احذر من الطابع الاستهلاكي وتشييد الواقع الاعتباطي للموضوع – اضعفت المشاركة الميدانية والنزول إلى الحقل، وأخيرًا غياب نموذج القائد الملهم الذي يشكل بوصلة للجماهير ودافعا لنشاطها.
هذه العوامل تفاعلت مع بعضها وأدت إلى تعزيز شعور اللامبالاة الميدانية، والشعور بعدم جدوى المشاركة وتبلور وتملك وعي الجماهير ونفسية المقهورين معادلة القدرة على التأثير تقارب الصفر ولا يوجد أمامنا أية فرصة لتغيير المسار القانوني وسيمر برافر رغمًا عن أنفنا ولذلك سنترفع عن المشاركة والخوض في معاركة معنونة ولها نتيجة مفهومة ضمنًا!.
* بحسب رأيي تعود هذه النتيجة لسبيين أساسيين:
1-غياب مشروع وطني جامع، ودفيئة لكافة أبناء شعبنا العربي الفلسطيني في إسرائيل وارتباط هذا المشروع بوعي الناس الباطني الذي يوحد اطياف مجتمعنا وقطاعاته وأحزابه كافة تحت قواسم مشتركة تؤدي به إلى توحيد همومه، ووضع قضية صراع الوجود مع المؤسسة في سلم الأولويات لتوحيد الجماهير على قاعدة الهم اليومي والمسار المحفوف بالمخاطر. اذا امعنا النظر في الممارسات الأخيرة للأحزاب السياسية قاطبةً رأينا تقاعسًا في محاولات تجنيد كوادرهم وتنظيم فعاليات داخلية لتعميم مضمون المشروع ومخاطره وكيفية ارتباطه بالهم الجمعي والتمييز الذي تلحقه هذه الأقلية الأصلية، علاوة على ذلك قامت الحركة الإسلامية بتعزيز الفوارق ودعوة كوادرها إلى مظاهرات غضب تضامنًا مع الرئيس المعزول محمد مرسي والدفاع عن شرعيته المبتورة من ثورة 30 يونيو ومن خلال الضرب عرض الحائط بإرادة الشعب المصري الذي وحد همه ومطالبه وجهوده في محاولة لإعادة ثورته المسلوبة إلى مسارها الصحيح، مما أبرز ضعف حضورهم وكوادرهم في مظاهرات الغضب المنددة بقانون برافر.
2- غياب مفهوم العمل الوحدوي – الجماعي المشتق من وجود مشروع وطني ومظلة قومية موحدة لتضافر الجهود وتوحيد وتراص الصفوف، فالعمل الجماعي بحسب الأدبيات النظرية يتسم بتوحيد ودمج الأنشطة والفعاليات، الموارد والطاقات الكامنة للأفراد داخل بوتقة واحدة جامعة، وإطار موحد، الذي يهدف إلى تحقيق الأهداف وبلوغ القواسم المشتركة للمجموعة والإطار والحاجة إلى القيام بفعاليات جماعية وحدوية ينبع بالأساس من وجود عوامل مشتركة (شعب واحد، حزب واحد، هوية واحدة، حيز جغرافي واحد، مواطنة مشتركة) ومن عدم قدرة الفرد على القيام بالعمل وبلوغ أهدافه وحده، ولذلك يرتكز على قوة المجموعة ودعمها والآلية التي تقوم بقياس نجاعة العمل الجماعي ونجاحه هو شرعية المجموعة من خلال أكبر عدد من المشاركين وتعدديتهم لتعزيز الشعور بالانتماء للإطار وللمشروع الوطني الجماعي، وهذا ما غاب بشكل واضح وجلي عن المظاهرات اذ اعتكفت غالبية الجماهير في بيوتها ورفضت الخروج للشارع.
أحد العوامل التي تضعف العمل الجماعي، هو تغليب المصلحة الشخصية على الجماعية، وتغذية النزعة الفردانية التي ترتكز بالأساس على المصالح الشخصية والنفعية القصوى، حيث يضع بعض الأفراد الأرباح التي سيجنيها من جراء مشاركته والثمن الذي سيدفعه، والفردانية بحسب اعتقادي برزت على المستوى الشخصي للأفراد وعلى مستوى الأحزاب والحركات السياسية والاجتماعية التي آثرت ان تقف مكتوفة الأيدي والمشاهدة من بعيد وعدم المشاركة لحدوث مواجهة فيها سيتم دفع ثمن معين.
هنالك تحليل آخر لعدم تفاعل الجماهير مع نداء لجنة المتابعة ولجنة الرؤساء، وضربهم عرض الحائط بقرار الإضراب الذي تعود أسبابه إلى ابتعاد جغرافي وإدراكي حول ماهية قضية النقب، أهميتها وارتباطها بالقضية الوطنية، فهنالك مجموعات ترى النقب كمكان بمعزل عن خارطة الوعي الوطني لديه، وبسبب التشكلات الاجتماعية القبلية التقليدية للنقب يرى الكثير من ابناء شعبنا تنافرًا مع أهلنا في النقب واغترابا عن جغرافيتهم، على الرغم من أن حيز أراضي النقب يشكل 56 % من فلسطين التاريخية والقادة الإسرائيليين أكدوا على أهمية موقع النقب الاستراتيجي، اضافة إلى عدم الثقة بين الفئات المختلفة والأحزاب المختلفة وعدم الثقة بين القيادة والجماهير والعلاقة المتباينة بين مؤسسات المجتمع المدني والأحزاب أخذت بنا إلى خصام نحن في غنى عنه وصراع الأحزاب أدى إلى تعزيز وتفاقم أزمة الثقة التي تؤدي إلى ابتعاد الجماهير عن معترك العمل الجماعي والوطني.
برأيي، اليأس والإحباط تغلغلا إلى نفسية الأحزاب السياسية وإلى وعي الجماهير وتملكا مشاعرهم وأفقداهم بصيص الأمل الذي يقودهم إلى التفاعل مع مجمل القضايا المحيطة بهم التي تهدد كيانهم ووجودهم، أدى بهم إلى فقدان الأمل على تغيير الوضع القائم والتأثير على السياسات العامة بنفس القدر الذي تبتعد قياداتنا عن موقع اتخاذ القرار والتأثير على الأجندة الجماهيرية العامة في إسرائيل.
مجتمعنا يعيش مرحلة مخاض عسير ويؤسس لمرحلة خصام في عدة مستويات:
1- بين الجماهير والأحزاب السياسية.
2- بين الأحزاب السياسية والمؤسسات الوحدوية ومؤسسات المجتمع المدني التي تأخذ طابعًا حزبيًا.
3- داخل الأحزاب والقيادات السياسية.
4- بين الأحزاب وبلورة المشروع الوطني الجماعي.
5- بين الذات والفرد وبين المجموعة.
في ظل هذه الصراعات المتشعبة والساحات الخلفية التي تلقي الأحزاب ظلالها عليها نعيش حالة من التيه وفقدان البوصلة، هذا الوضع لا يتطلب منّا أن نبقى في حالة ردة الفعل وإطفاء الحرائق، يجب علينا اجراء نظام محاسبة مع الذات وتقييم للوضع الراهن وطرح بدائل عن طريق حوار المختصين داخل المؤسسات الحزبية والوحدوية قبل فوات الاوان.
//هوامش:
*طالب لقب ثان في موضوع السياسات الجماهيرية – جامعة حيفا – مجد الكروم.
** للتوسع في موضوع العمل الجماعي، يُنظَر:
حاج رفيق ( 2013). الاستجابة لدفع الضريبة البلدية في صفوف المجتمع العربي الفلسطيني. مركز دراسات – المركز العربي للحقوق والسياسات: الناصرة.
*** "ديرو بالكو ع بعض – توفيق زياد "
