لم يكد الموحدون العرب الدروز يصبحون جماعة متميّزة في العقيدة عن غيرهم من الفرق الاسلامية، خلال القرن الخامس للهجرة "الحادي عشر للميلاد"حتى اخذ المشرق العربي الاسلامي يتعرض للحملات الصليبية، وكان العالم الاسلامي آنذاك يمر بمرحلة خطيرة من التفكك السياسي والضعف العسكري، فالخلافة العباسية كانت عديمة الشخصية مسلوبة الارادة رازحة تحت مشيئة السلاجقة الاتراك ولاهية عما يجري حولها من احداث جسام. كذلك الخلافة الفاطمية كان نجمها آخذا بالافول، وتنافست في الوقت ذاته مع السلاجقة للسيطرة على المدن الساحلية في بلاد الشام. اما دولة الاسلام في الاندلس فقد انقسمت الى دويلات متخذة موقع الدفاع عن نفسها ازاء الهجوم الاسباني المضاد.
وعلى الرغم من ذلك الوضع السيئ الذي كان يعيشه العالم الاسلامي آنذاك، فان الموحدين الدروز حافظوا على موقفهم التقليدي الراسخ الموالي للسلطة الاسلامية في بلاد الشام وعملوا ما بوسعهم للتصدي لاعداء العرب والاسلام التقليديين من بيزنطيين وفرنجة، محافظين بذلك على سلامة المناطق الاستراتيجية التي قطنوها منذ اجيال والممتدة آنذاك قريبا من الساحل السوري بدءا من انطاكية شمالا الى بيروت والكرمل جنوبا، وتحملوا في اثناء تصديهم للغزو الاوروبي الذي عرف زورا بالصليبي عبئا في القتال اكبر من طاقتهم العسكرية. وان تلكؤ الحكام الفاطميين بسبب ضعفهم حينذاك عن مقاومة الصليبيين، لم يدفع العرب الدروز لليأس والاستسلام، ولجأوا في العام 494 هـ /1100م عند نهر الكلب الى عرقلة مسيرة الصليبيين وتقدمهم. ووقفوا بقيادة الامير عضد الدولة التنوخي، بوجه زحف الصليبيين، لكن "بلدوين الفرنجي" تمكن من اختراق الحاجز واكمل طريقه الى مدينة القدس. وقبل ذلك كان العرب الدروز في انطاكية وحولها قد تصدوا – لبلدوين وجيشه واعاقوا زحفه نسبيا رغم انهم كانوا مثخنين بالجراح من اخوانهم وجيرانهم الذين كانوا يؤلفون غالبية السكان والذين اتهموهم بالكفر والالحاد ونكلوا بهم لانهم انضموا الى مذهب التوحيد الدرزي - ومع ذلك لم يفكر هؤلاء العرب الاقحاح الموحدون ولم يخطر ببالهم ان يتحالفوا مع الاجانب الصليبيين، كرد فعل على مضطهديهم باسم الدين. بل تساوقوا مع نهج الآباء والاجداد العروبيين الاقحاح، وتحركوا بدافع من اصالتهم القومية كعرب تنبض قلوبهم بالحميّة والشهامة والولاء العميق لامتهم العربية وقضاياها. وهاجموا الغزاة الصليبيين محاولين قدر استطاعتهم الذبّ عن العروبة والاسلام والدفاع عن حياض الوطن المهدد من الغزو الاجنبي.
هذا وعاود هؤلاء العرب الدروز التصدي ثانية للتقدم الصليبي في لبنان بالرغم من قلة عددهم مقارنة بالقوات الصليبية الزاحفة هذه المرة بقيادة (ريموند روتولوز) لكن صغر حجم القوات العربية الدرزية المقاتلة بقيادة اميرهم التنوخي لم يمكنها من تحقيق مبتغاها خصوصا بعد ما استنجد القائد الصليبي بزميله (بلدوين) الذي كان سبقه نحو القدس، فأجبر عضد الدولة التنوخي ومقاتليه الدروز على التراجع الى بيروت والتحصن فيها، غير ان شجاعة العرب الدروز نالت اعجاب حاكم دمشق السلجوقي، فكافأ الامير عضد الدولة التنوخي العربي الدرزي بان اضاف الى ولايته بيروت وصيدا وما حولهما، وطلب منه تحصين المدينتين تحسبا للمستقبل.
وما ان اطل عام 504 هـ/1110م حتى رجع الصليبيون لاحتلال بيروت، فحاصروها برا وبحرا، وصمد اهلها بقيادة عضد الدولة التنوخي، وتعذر على الفرنجة اقتحامها خاصة بعدما وصل الاسطول الفاطمي لنجدتها. ولم يكن من السهل على القوات الصليبية الاستمرار في مواقعها المحاطة بالبلدات الدرزية آنذاك التي استمرت بشن هجماتها على القوات الغازية الاجنبية واجبرتها على فك حصارها والانسحاب بعيدا عن بيروت.
وفي سنة 549 هـ/1151م جرت بين العرب الدروز والصليبيين موقعة "عين التينة" الشهيرة عند نهر الغدير جنوب بيروت ، انتصروا فيها على الصليبيين الاوروبيين الغزاة.
وعندما اتحدت بلاد الشام بقيادة الملك نور الدين زنكي واستأنف جهاده ضد الفرنجة الغزاة انضم اليه العرب الدروز بقيادة اميرهم آنذاك"زهر الدولة كرامة بن بحر التنوخي" وبعد ظهور القائد التاريخي الخالد صلاح الدين الايوبي على مسرح الاحداث انتقل العرب الدروز معه الى موقع الهجوم، واتخذ صلاح الدين من دمشق عاصمة لدولته وقاعدة للانطلاق في النضال ضد الصليبيين الغزاة. واستطاع العرب بقيادته ان يوقعوا بهم هزيمة كبرى في "حطين" سنة 583 هـ/1187م. ادت الى انهيار مملكة الصليبيين واسترجع العرب سائر المعاقل الصليبية. وقد كان للمقاتلين العرب الدروز وجود ملموس في معركة حطين. فأراد صلاح الدين ان يكافئهم على ذلك مكافأة رمزية على الاقل، وبعد الحاحه عليهم بالافصاح عما يرغبون به، اختاروا ان يوكلهم على خدمة وادارة شؤون مقام "النبي شعيب" المجاور لسهل حطين الذي جرت عليه تلك المعركة الخالدة. هذا ولم تقتصر مشاركة العرب الدروز في معركة حطين فقط بل شاركوا في العديد من المواجهات الرئيسية والثانوية ضد الصليبيين. وعندما تقدم صلاح الدين لتحرير المدن التي يحتلها الصليبيون على الساحل السوري الممتد آنذاك من الاسكندرونة وانطاكية شمالا الى ساحل غزة جنوبا، انضم اليه المقاتلون العرب الدروز بقيادة اميرهم آنذاك جمال الدين التنوخي، وبعدما اتم الجيش العربي مهمته على خير وجه كرّم صلاح الدين عددا من قادة جيشه وفي مقدمتهم الامير جمال الدين التنوخي العربي الدرزي وذلك بموجب مرسوم رسمي حيث عينه حاكما على مدينة بيروت وجبل لبنان.
هذا ولم يقف العرب الدروز على الحياد ازاء الخطر المغولي – التتري على بلاد الشام بعد اجتياحهم للعراق وتوجههم غربا الى سوريا وبعدها الى مصر اذا استطاعوا ذلك. فان الحس الوطني والقومي للدروز واصالتهم العربية، دفعا بهم للنهوض ايضا بواجبهم ضد ذلك العدو الخارجي الخطير. فساهموا في معالجة التصدع الذي كانت الجبهة الاسلامية مصابة به آنذاك بين الايوبيين والمماليك الشراكسة. وسار الامير زين الدين التنوخي على رأس المحاربين العرب الدروز وانضموا الى الجيش العربي المقاوم للغزاة الجدد التتار الذين انطلقوا من بلادهم منغوليا في شمال شرق الصين وحققوا العديد من الانتصارات التي مكنتهم من الوصول الى بلادنا. وفي معركة "عين جالوت" قرب بيسان التي جرت بين العرب المدافعين عن وطنهم وبين التتار الغزاة. انتهت المعركة بانتصار ساحق على التتار، ونال اداء المقاتلين العرب الدروز في تلك المعركة التاريخية الهامة الاعجاب الكبير من قائد الجيش العربي الاسلامي السلطان المملوكي "قطز" والثناء على ادائهم وشجاعتهم الفائقة واخلاصهم لمصلحة بلادهم.
كما ان للعرب الدروز دورًا ملموسًا في النضال للتخلص من الحكم العثماني لبلادنا، فقد شاركوا في الهبات المقاومة التي حصلت للتحرر من حكمهم وبناء دولة عربية حديثة مستقلة وترتكز على وحدة وطنية سليمة. وهذا كلفهم ثمنا باهظا على يد الدولة العثمانية التي كانت احدى القوى الكبرى في العالم. وعندما جاء نابليون على رأس جيشه من مصر لاحتلال بلاد الشام وحاصر مدينة عكا استدعى وجوه الدروز من القرى الفلسطينية المجاورة وخاطبهم قائلا: انتم شعب شجاع لكنكم قليلو العدد، وبامكاني ان ادعمكم واجعل لكم دولة درزية تحكمون من خلالها انفسكم والطوائف الاخرى اذا نلت مساعدة الدروز، اذهبوا وتشاوروا مع الزعماء الدروز في لبنان ولي معكم لقاء آخر. فكان جواب الدروز " نحن الدروز عرب اصيلون ولا طموح لنا في يوم من الايام باقامة دولة درزية ولا نريد منك شيئا".
وعندما احتلت فرنسا سوريا ولبنان في اوائل العقد الثاني من القرن الماضي، اندلعت عدة ثورات ضدها في عدة مناطق في سوريا ولبنان. منها في المنطقة الساحلية السورية بقيادة الشيخ صالح العلي، وفي محافظة حلب الواقعة شمال سوريا بقيادة ابراهيم هنانو. وفي جبل العرب بقيادة سلطان باشا الاطرش بدأت في العام 1925 واستمرت سنتين وامتدت الى غوطة دمشق والى شمال الجولان ومناطق لبنانية منها منطقتا راشيا الوادي وحاصبيا وجديدة مرجعيون. وجاء في كتاب عن تلك الثورات الوطنية من تأليف المجاهد الدمشقي "نزيه مؤيد العظم" وهو من الثوار الذين شاركوا في الثورة الوطنية الكبرى في سوريا ولبنان. فقد ذكر في كتابه هذا "ان عدد الشهداء في تلك الثورة، اربعة عشر الف شهيد، اكثريتهم الساحقة من ابناء الطائفة العربية الدرزية في سوريا ولبنان".
في الختام يهمني ان يعرف القارئ بان الدوافع التي جعلتني راغبا بالكتابة عن الماضي الوطني المتميز والعريق للعرب الدروز واشتراكهم الدائم في التصدي للغزاة الاجانب الطامعين ببلادنا، لا يمت بأية صلة للعواطف الطائفية التقليدية العمياء عن رؤية الاخطاء، بل اردت فقط التوضيح والتصحيح وتعميق مجرى التواصل والشعور الاخوي الايجابي بين ابناء شعبنا العربي المتعدد الطوائف وفي حاجة دائمة للوفاق والاتحاد، وكلنا في العروبة إخوان، والدين لله والوطن للجميع.
(مجدل شمس – الجولان العربي السوري المحتل)
