حوار من نوع آخر مع الآخر

single

شاءت الظروف اللعينة ان أسافر في البوسطة إلى معتقل الجلمة سيئ الصيت لكي أتوجه في اليوم التالي باكرًا إلى محكمة الصلح في الخضيرة. فبعد ان استعددت باكرًا لطقوس السفر قام رجال وحدة "نحشون" بتقييدي باليدين والرجلين كإجراء امني، وما أكثر الإجراءات الأمنية في هذه الدولة المرعوبة، وخصوصًا عندما يتعلق الأمر بكونك عربيا حينها يتحول الأمن إلى هلوسة وفيروس ينخر في عقول ووجدان مسؤولي هذه الدولة وينعكس هذا على مجمل المواطنين.. هذه الدولة التي تُطعمنا صبحًا وظهرًا ومساءً وجبات دسمة من الأمن والرعب والقمع والاضطهاد والعنصرية، وفي أثناء وقوفي جانب البوسطة وأنا مقيد اليدين والرجلين وفي أثناء أي حركة مني تُحدث هذه السلاسل رنينًا مما ذكرني حينها بما قاله المرحوم محمود درويش: "السجن لي مرتبة والقيد لي خلخال".
وبينما فكري شارد ومحلق بمثل هذه الكلمات المشبّعة بالمعنويات وبالمعاني الجميلة، وإذ برجل وحدة "نحشون" (حارس البوسطة) يوقظني من شرودي هذا ومن تحليقي بمثل هذه الكلمات المشبعة بالحرية قائلا وسائلا لي: لماذا أنت وفي هذا الجيل المتأخر من العمر تعمل مشاكل؟!! حينها خطر ببالي كيفية وضع العربي في قفص الاتهام حتى من أي مواطن يهودي عادي نتيجة الترويج العنصري والأرعن من قبل الإعلام الصهيوني الأصفر ومن قبل كل المسؤولين في هذه الدولة.. فأجبته: لماذا لا تعتقد بان دولتك هي التي تقوم بالمشاكل ضد العرب وليس العكس؟! الم تسمع ما صرح به يوفال ديسكين ذات مرة "بأن أي عربي في هذه الدولة يشكل حتما خطرًا امنيا عليها؟!" فانا ضحية للإرهاب والقمع السياسي الذي تنتهجه أذرعكم الأمنية ضدنا. ان سؤالك لي فيه نوع من الاستعلائية ويتساوق مع المناخ المسموم الذي ينشر أخطاره علينا كعرب، فرد عليّ ان كل التهم الموجهة إليّ هي محض افتراء وكذب ويندرج هذا من خلال سياسة الملاحقة السياسية ولا اعتراف ولا توقيع لي على أية إفادة. فأجابني: وكيف تمت إدانتك؟ فأجبته: وهل من الصعب إدانتي أو إدانة أي إنسان ناشط سياسيًا من المجتمع العربي؟! إن قانون تمير  العنصري منح الشاباك مساحة كبيرة للتحرك من اجل المضايقة على أي ناشط سياسي يرغبون بزجه في السجن. حينها انقطع الحديث في أثناء إصدار زامور مزعج جدًا من البوسطة إيذانًا بالسفر إلى الخضيرة لحضور جلسات المحكمة المؤلمة.

  • حوار رقم 2


كان هذا في تاريخ 14/5/2012 – نفس الظروف المؤلمة قادتني إلى المحكمة في الخضيرة هذه المرة جرى الحوار بيني وبين حراس وحدة "نحشون" في قاعة المحكمة قبل حضور القاضية.. لقد طلبت منهم ان يسمحوا لي ان أصافح أحبائي من أبناء أسرتي وأيضا رفاقا وأصدقاء من المتضامنين معنا في هذه القضية الإنسانية والتي تقشعر لها الأبدان.. إذ كيف يُفسر أي عقل بشري – بأن الأب والذي هو أيضًا جد لأحفاده بالمشاركة مع احد أبنائه يودون طرد من هم من لحمهم ودمهم من بيوتهم التي يسكنون فيها واعني بيتنا وبيت احد اخوتي من ضحايا هذه العقلية القبلية المتخلفة؟!
على كل كما ذكرت أعلاه.. لقد طلبت من رجال وحدة "نحشون" مصافحة الحاضرين ولكنهم رفضوا بشدة.. فقلت لهم لماذا ترفضون مثل هذا الموقف الإنساني؟!! لنفرض بأن أحدكم في مثل حالي.. فكيف سيكون حينها شعوركم وانتم تشاهدون أحباءكم من زوجة وأولاد؟!! فأجابوني "هذه أوامر من فوق"... فأجبتهم حالا بأنه يوجد بعض الأوامر المجحفة والظالمة.. ان كل شيء في هذه الدولة يثير التقزز، فمنذ ان ولدت قبل أكثر من واحد وستين عامًا وأنا اسمع – حكم عسكري – أوامر عسكرية – احتلالا.. عنصرية.. مصادرة.. حالة طوارئ.. اعتقالات.. سرقات.. اغتصاب.. رشى... قتل بشع.. الخ الخ. وأضفت قائلا لهم.. هل قرأتم عن الحرب العالمية الثانية عندما صدرت الأوامر للجنود الألمان بإبادة كل ما هو حي حتى الأحجار منها – فقتل الملايين من البشر من مواطنين أبرياء وجنود.. وفقط في الاتحاد السوفييتي وحده أبيد على أيدي أوامر من هذا النوع 25 مليون روسي هذا غير الملايين من باقي دول أوروبا وكان من بين هذه الضحايا الملايين من اليهود.. هل مثل هذه الأوامر منصفة؟!! ان متلقي الأوامر من المفروض ان لا يكونوا روبوتات وإنما عقولا بشرية  يحركها الوعي والمشاعر الإنسانية.. بعد هذا الحوار دخلت القاضية وتوقف الحوار بيننا.. ولكنني بدأت اشعر باحترامهم لي وتضامنهم معنا بالقضية التي حضرت بصددها إلى المحكمة.. وما ان انتهت الجلسة وإذ بهم يقودوني إلى مكتب مُكيّف في المحكمة ويحضرون لي كأسا من الماء قائلا لي احدهم: خلف.. انني انوي ان اعمل لك مفاجأة.. "هل التي شهدت آخر واحدة على منصة الشهود هي زوجتك؟! فأجبتهم نعم.. فسرعان ما خرج ونادى بأعلى صوته.. "سيدتي تعالي لزوجك انه يرغب ان يراك.. دخلت زوجتي والدهشة بادية على محياها غير مصدقة ما حدث وخصوصًا لأنه سبق عدة جلسات في أيام بعيدة حينها كان يتم الرفض بان المسها او ان المس أي واحد من الحضور.. لقد تعانقنا بحرارة بعد غياب هذا العناق سنين طويلة.. وسرعان ما ذرفنا الدموع دموع حرقة الشوق وحرارة اللقاء. إن هذا كان نصف الدّين والنصف الآخر هو احتضان بقية أحبائي من أولاد وأحفاد وأعزاء من رفاق وأصدقاء وأتمنى ان يكون ذلك في اقرب وقت.. ان هذه اللمسة الإنسانية ولو انها جزئية من قبل الحراس الا انني اعتبرها أول الغيث قطرة.. آملا ان يستمر هذا الغيث بالهطول حتى نتحرر من براثن القيد اللعين.
وأختتم هذا الحديث بقولي: "ليس عيبًا ولا عارًا ان يناضل الإنسان ضد الاضطهاد والاستغلال والظلم وإنما العيب والجريمة ان يقف الإنسان متفرجًا ولا مباليًا مما يحدث حوله ضد البشر".

 

 (سجن الجلبوع – قسم 2)

قد يهمّكم أيضا..
featured

وتبقى الكتابة لغتي

featured

ملبّسة أو تحميلة

featured

100 عام على الحركة الشيوعية في البلاد، و"المارّون بين الكلمات - والمغالطات – العابرة"

featured

حزبنا الشيوعي وآفاق اختراق الشارع الاسرائيلي، نحو السلام والمساواة والعدالة؟!

featured

ظلم ذوي القربى ...

featured

الشرف في كمال الأدب لا في رنين الذهب

featured

أقصى أحلامي: زوج يعيش معي أباً لأطفالنا