عندما يقولون: فلانة "عملتها" يعنون بأنّها زَنَتْ أو هربت مع عشيقها وخدشت أو جرحت عرض العائلة وعندئذ تتواتر القصص والحكايا وتنمو النّميمة وتعمّ وتفيض على النّاس والمجتمع بلا رادع، وحينما يقولون فلان "عملها" يعنون بذلك أنّه خان ربعه أو قومه أو ارتكب خطيئة أو إثما وأخرج نفسه من الإجماع أو الاتفاق أو سقط أخلاقيّا، وأمّا إذا قال الأب أو قالت الأمّ بأنّ الطّفل "عملها" في سرواله أو ملابسه فالمعنى واضح لا يحتاج تفسيرا، ورائحته مكروهة ممقوتة.
ربط الفلسطينيّ، بتجربته الغنيّة وبذكائه الحادّ، العُمْلَةَ بِـ "العَمْلَة" منذ سنين طويلة بل منذ عقود وقرون طواها سفر الزّمن، فالعُمْلة هي النّقود المتداولة بين النّاس التي حملت أسماء مختلفة تناسبت مع زمانكيّة سكّها مثل الدّرهم والدّينار والرّيال والفلس والليرة والجنيه والدّولار واليورو واليِن والفرنك والرّوبل والشاقل وغير ذلك من عشرات الأسماء التي اختصرها بكلمة "المصريّة" أو "المصاري" مشتقّا ذلك من النّقود التي انتشرت في البلاد في زمن حملة إبراهيم باشا واحتلاله لبلادنا. ومن العُملة جاء القول فلان رديء العُملة ويعنون بذلك بأنّه لا يفي ما عليه من دين، وأمّا العَملة لغويّا، كما جاء في المنجد، فهي الخيانة أو السّرقة، وما أقرب العُملة من العَملة بل ما أسرع هذا الطّريق الذي يجري فيه الشّيطان بين الكلمتين الشّقيقتين، ولعلّ الشّيطان الذي وسوس لجدّتنا المصون حوّاء فراودت جدّنا السّاذج آدم الذي دفع الثّمن غاليا قد وجد، أعني الشّيطان، ملجأ عصريّا في ثنايا الشّاقل واليورو والدّولار والدّينار وغير ذلك من أبناء وبنات هذه العائلة فاستوطن فيه ضاربا عرض الحائط بالقيم الأخلاقيّة كلّها، فسقط رؤساء حكومات ووزراء ونوّاب وقضاة ومبدعون ومفكّرون وقادة وجنرالات ومناضلون وحماة قانون وسيّدات جميلات وسيّدات قبيحات وحماة قانون وأسود وثعالب وكلاب وقطط عمياء.
خلق الإنسانُ النّقودَ، معادن وأوراقا، لتخدمه وتقضي حاجته من طعام وشراب ولباس وسكن ولوازم حياتيّة ومعيشيّة شتّى وما خلقها أو صنعها ليعبدها ويقدّسها ويرهن روحه وعقله وحواسه ويومه وغده في سبيل السّحر الكامن في شرايينها غير المرئيّة.
اتّهمْنا كما اتّهم العالمُ اليهودَ منذ قرونٍ بأنّهم يحبّون المال ويعبدونه ويجرون وراءه ويجمعونه، ويبيعون أنفسهم للشّيطان في سبيله، وفيما نحن نكيل التّهم لغيرنا وقعنا في عشقه بل أسرنا حبُّه فصرنا "يهود" العصر نعشق المال ويذلّنا العشق بعد أن خلبنا هذا السّاحر الفاتن المراوغ وسمحنا لأنفسنا أن نركع أمامه، ونقبّل أنامله وأقدامه، ومن شدّة حبّنا له أطلقنا عليه "أسماء دلع" جديدة فأحيانا نسمّيه "وحدة تمويليّة" وقد نختصرها بكلمة "التّمويل" وأحيانا نطلق عليه "الدّعم الماليّ" أو المصروف اليوميّ أو الشّهريّ أو مصروف الجيب، وقد أسميته ذات مرّة "حبّة الملبّس" التي يسيل لها اللعاب وتغري الطّفل والرّجل والمرأة وقد تتحوّل هذه "الملبّسة"، كما قال لي صديق نبيه، إلى "تحميلة" إن لم يحسن الشّخص استعمالها.
