*هناك ما هو أبعد من ذلك استراتيجيا: تدمير كل مؤشر لعودة القضية الفلسطينية الى رأس الأجندة الاقليمية والعالمية، وبضمن ذلك الحراك في الأمم المتحدة*
من المنطقي ربط العدوان الاسرائيلي الارهابي على قطاع غزة، بالانتخابات البرلمانية الإسرائيلية، ولكن لا يمكن اقتصار الدوافع الإسرائيلية لهذا العدوان بالانتخابات فقط، لأن المؤسسة العسكرية الأمنية العليا، ما كانت ستقبل بأن يكون هذا دافعا أساسيا ووحيدا، بل هناك ما هو أبعد من ذلك استراتيجيا: تدمير كل مؤشر لعودة القضية الفلسطينية الى رأس الأجندة الاقليمية والعالمية، وبضمن ذلك الحراك في الأمم المتحدة.
ومن يربطون الحرب الجارية بالانتخابات الإسرائيلية يستندون إلى قاعدة مثبتة من الحالات التي شهدناها في العقود الثلاثة الأخيرة، بدءا من قصف مفاعل العراق النووي في العام 1981 الى حرب "عناقيد الغضب" على لبنان في العام 1996، والحرب على غزة في نهاية العام 2008، ويستذكر المحللون أنه باستثناء العام 1981، فإن الأحزاب الحاكمة في الحروب التي سبقت الانتخابات، لم تبق في الحكم، مثل حزب "العمل" في العام 1996 و"كديما" في العام 2009.
في خطابه الأخير أمام الكنيست، في منتصف الشهر الماضي، قال بنيامين نتنياهو إن حكومته هي الأولى منذ سنوات طويلة، التي لم تكن في ولايتها أي حرب أو عمليات عسكرية واسعة، وكما يبدو، فإنه تراجع عما اعتبره انجازا، وأراد المشهد العسكري الحالي ليضمه الى "ألبوم صوره" في حملته الانتخابية الحالية.
ولكن إذا جمعنا سلسلة من المعطيات والمؤشرات التي ظهرت على السطح في الأيام الأخيرة، سنرى أن العدوان الجاري على غزة يجري التخطيط له منذ زمن، فبعد الساعات الأولى من اغتيال الشهيد أحمد الجعبري، تحدثت وسائل الإعلام الاسرائيلية نقلا عن مصادرها العسكرية، عن أن القرار باغتيال الجعبري صدر نهائيا قبل شهرين، وأعطيت الأوامر لبدء التحضيرات للاغتيال، كذلك سمعنا أنه في الأيام الأخيرة اتبعت الحكومة الاسرائيلية وعسكرها، أسلوبا اعلاميا تضليليا، في صلبه التقليل من احتمالات التصعيد.
ونضيف الى هذا، ما سمعناه من ناشط اسرائيلي كان وسيطا في صفقة تبادل الأسرى بين اسرائيل وحماس، التي تم تنفيذها قبل نحو 13 شهرا، إذ قال، إن الجعبري كان قبل على وشك التوقيع على اتفاق لوقف اطلاق النار لفترة طويلة، ما يمكن تفسيره، بأن اسرائيل أعطت للجعبري أجواء الاطمئنان، كي تنفذ جريمة الاغتيال.
وكي نقترب أكثر الى الدوافع الاسرائيلية لهذا العدوان، علينا الالتفات الى رد الفعل الاسرائيلي في الأسابيع الأخيرة، على الحراك الفلسطيني الدبلوماسي في الأمم المتحدة، بهدف الحصول على اعتراف بفلسطين، دولة وعضو مراقب في الأمم المتحدة، واسرائيل على يقين أن اقتراحا كهذا، إذا ما طرح على الجمعية العمومية للأمم المتحدة، فإنه سيحظى بتأييد ما لا يقل عن 77% من الدول الأعضاء، وهذا سيكون أمرا مربكا بالنسبة لإسرائيل، التي ترفض من حيث الجوهر أن يكون الشعب الفلسطيني مستقلا وله دولة.
وقرأنا في الأيام الأخيرة سلسلة من التهديدات الاسرائيلية ضد القيادة الفلسطينية، من بينها ما كشفت عنه صحيفة "يديعوت أحرنوت" الاسرائيلية في موقعها على الانترنت، بأن وزارة الخارجية الاسرائيلية بزعامة أفيغدور ليبرمان عرضت على حكومتها مخططا "لإسقاط سلطة عباس"، واقتبس التقرير الصحفي جوانب من المخطط، ومنها اختلاق قلاقل في داخل الساحة الفلسطينية ضد قيادة السلطة ومنظمة التحرير، مثل، أن تكلفة راتب الرئيس الفلسطيني ومكتبه مليون دولار شهريا، وأن مكتبه صرف في السنوات الثماني الأخيرة مليار دولار، نصف هذا المبلغ فقط تم توثيق شكل صرفه، بينما الباقي لا يوجد توثيق له، وهذا يذكّرنا تماما بما كان يُنسب للرئيس الراحل ياسر عرفات، وحكاية ثروته المزعومة بسبع مليارات دولار.
وهذا يعني ان اسرائيل قررت عمليا التحرك على الساحة الفلسطينية المنقسمة، من ناحية تفجير الأوضاع مع قطاع غزة وعلى مستوى خطير جدا، ومن ناحية أخرى، التحريض على الرئيس عباس داخليا، وأيضا على مستوى الساحة الدولية، حتى حينما يطلق أبو مازن تصريحات لا تتناغم تماما مع المشروع الوطني الفلسطيني، في ما يخص حق العودة.
إن قرار الحرب الاساسي يبقى بيد المؤسسة العسكرية الأمنية التي تحرص على تأمين المصالح الاستراتيجية العليا لإسرائيل والحركة الصهيونية، ولهذا فإن القرار أساسا صدر من هناك، وبدعم مباشر من رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، الذي يرى بهذا، وفي هذا التوقيت بالذات، استثمارا حزبيا انتخابيا.
"الغد" الاردنية
