أحمد سعد يا "خيّا"

single

لن ترتبك الملائكة والشياطين إذا ما لاقته يدخل ديارها، لن يتعب الكيّال والمحاسب عندما يستعرض حياته، ليتعرف عليه، فأحمد سعد أصيل وشفّاف، ولم يكن في يوم من الأيام إلا أحمد سعد.
 رغم المعاناة وقوة  تأثيره ومركزه وارتقائه سلم التطور درجتين وسقوطه الصحي درجة، لينهض كالعنقاء متشبثا بالقلم، وقابضا على عنق حياة المقعدين، غارسا اكسير الحياة في رئتيه المتأكسدتين كربونا أولا.. وثانيا.. وثالثا!
أحمد سعد كان يطرب لسماع صوت صديق عبر الهاتف، ويرقص قلبه للقاء قبل موعده وحدوثه، كان مسكونا بالفرح القادم إلينا من شراء حذاء، أو كسوة لطفل حافٍ وعارٍ! نفرح معه للبراءة، للطفولة، للعفوية، وللسذاجة التي تبرّد قلوبنا وتهدّئ من طبعنا الحامي  وروعتنا، لم يتزعزع إيمانه بقوة النضال، بقوة العلم والمعرفة، بقوة الصداقة والتسامح والإخلاص والثقة بالغير وبالنفس، بقوة الحق، لم يكن إلا أحمد سعد!
لم ينعم أحمد سعد في حياته بحذاء وبكساء فاخريْن؛ في الصغر حرمه ذلك فقر التشريد، وفي الكبر تناوب الدورَ المرضُ، فكانت رجله الاصطناعية مجهزة بحذاء لا يفارقها، وجسمه مكسوّ بثوب العزّ والكرامة .
أعتزّ وأفتخر بصداقتي الصدوقة لأحمد سعد، إذ كان يسعدني عندما يناديني: "خيّا"، كنا نحصّن الروح الأخوية السائدة بيننا باطراد، ونذود عن علاقاتنا الاستثنائية المميزة بحزم مجبول بالرأفة والرقة، رغم كثرة نفخ نار الشامتين!
ما منا فيه سامحه الله به، وما منه فينا هو لنا وسيبقى معنا ما دمنا هنا والآن! لن نفرّط به تحت أي ظرف كان، فهو لنا زاد وخميرة لعجين طيّب لفكر ساطع بالديمقراطية والتقدمية والحرية والعدالة الإجتماعية، وهو سراج مشعّ على طريق العودة المظلل بالمخاطر، والمتعدّد التشعبات والتعرّجات والعقبات....
أبو محمد يا برواني، أو كما كان يحلو لك ، البرناوي، أو كما كنتُ أصفك "البرمائي" الذي يقطّعنا النهر، لندخل ساحات النضال والتضحيات السياسية والفكريّة والنقابية والحقوقية الرافدة للمساواة والحرية  والدولة المستقلة، و للناس الخاشعين أمام قبرك وللقدس عاصمة الدولة، وللكبار أمثال أحمد سعد.
نعم يا أم محمد ويا أبناء وعائلة أحمد سعد ورفاقه ، إنّني أنحني بخشوع وبإجلال وبتقدير وبألم وبحسرة أمام فقدان صديق عمر ورفيق درب وفكر...، أمام رجل التضحيات ونكران الذات، البرواني الذي لم يتوقف يوما عن الحداء للبروة والكويكات وعمقا وأخواتهن، هذا الصوت الذي استفزّ واستنفر الناس العاديين، ونقلهم ليهبّوا وليستعيدوا أمجاد المواطنة، ولينبذوا مذلّة اللجوء وقهر الظلم، وليصدّوا كيد المحتلين والمستوطنين الغاصبين.
سيبقى أحمد سعد إضافة فكرية وسياسية وظاهرة اجتماعية حريّة بالتقدير والدراسة والاعتبار، سيبقى نبراسا للأذهان والقلوب الحية والحاضرة لنضال شعبنا وقواه الديمقراطية والوطنية الشريفة، فروحه الطاهرة وفكره المتوهّج وأخلاقه الحميدة والرفيعة ستبقى مصدر إلهام لنا- لكلّ مكمّلي السير على الدرب. مهما طال الزمن، لن نسمح لليأس أن يدخل غرف نومنا ولا ساحات دارنا وملاعبنا.
فنم يا أحمد قرير العين هادئ البال، واسمح لنا أن نوقظك في يوم الشدّة يا خيّا!  

قد يهمّكم أيضا..
featured

"الليكود بيتينو" قبر للسلام ولأجمل القيم

featured

ما هو أبعد من حدود مجزرة شفاعمرو.. بين حشرجة الموت وطقوس الإشارات

featured

كلّ شيء يبدأ وينتهي في غزّة

featured

ملاحظات لا بد منها

featured

هل يتحرّك الاتحاد الاوروبي جديًّا!

featured

المطلوب الآن: تقديم الاعتذار، ثم الاعتراف، وتصحيح الخطأ التاريخي

featured

الثورة.. عين علي الحلم البعيد وقدم راسخة في الممكن القريب