- *ستشهد المرحلة القادمة معارك متتالية للحفاظ علي القدر من الديمقراطية ومن مناخ الحرية الذي انتزعته الجماهير أثناء تحركاتها في المظاهرات والاعتصامات والإضرابات والمطالبة بحقوقها، والتمرد علي سلطة القهر، والتي تخلصت فيها من الخوف، من روح الاستسلام واليأس التي سيطرت عليها طوال السنين*
أسطر هذا المقال وأنا أتساءل ما الذي جعلني أتورط وأكتب عن مرور سنة علي يوم 25 سنة 2011؟ هل لدي ما أستطيع أن أقول فيه ما لم يكتب من قبل، وأن أُضيف إلي كل ما قيل، وسُجل وأُذيع طوال الاثني عشر شهراً التي مرت منذ ذاك اليوم؟ فبعد انطلاق حركة الشباب لم يتوقف فيضان الكلام، والتحليل، والتعليق عن الحركة التي أطلقت بركاناً هز أركان الوطن. أليس من الأجدر بي إن أصمت بعد أن كتبت في مرحلة مبكرة من الأحداث إن ما وقع في 25 يناير وبعده ليس ثورة، وإنما انتفاضة أو بداية حركة ثورية تقف دونها مصاعب وعقبات يمكن أن تنتهي بإخمادها وبعد ذلك سيكون عليها أن تستجمع قواها مرة أخري لتدك حصون الظلم. فرغم الانتصارات التي تحققت، ورغم إسقاط حكم مبارك وأسرته، ومعاونيه المقربين، ورغم الوعي الجديد الذي أشعلته، ورغم تضحيات جيل الشباب الذي أطلقها بجهوده مُقدماً نموذجاً عصرياً جديداً وملهماً لقوي الشعب، وأساليب مبتكرة في النضال، في الكر والفر، في المرونة والصمود، إلا أنني في ذلك الوقت قلت إن ميزان القوي المحلي، والعالمي ليس في صالح هذه الحركة، إنها لن تستطيع أن تتغلب علي هذه القوي، أن تسقط نظام الحكم وتتخلص من سيطرته علي الشعب، إن هناك قوي محافظة ورجعية تُخطط لامتطاط الموجة الثورة والحفاظ علي جوهر النظام، بل وتدعيم أركانه، قوي منظمة عسكرية ودينية ومدنية قائمة منذ زمن بعيد تستفيد من عملية تفكيك، وتبديد، وتقسيم الصفوف الديمقراطية، الذي تم في ظل النظم التي حكمت مصر عقوداً متتالية، إن هناك نفوذ فكريا ووجدانيا وثقافيا واقتصاديا لحركة الإسلام السياسي، نفوذ تمارسه علي المعذبين في الأرض الذي يرفعون أكفهم للسماء آملين أن يسقط عليهم المنَّ، ثم مقال لخصت فيه ما حدث في المنطقة العربية كان عنوانه "الربيع العربي لم يأت بعد".
نظام الحكم الآن بعد مرور اثني عشر شهراً علي يوم 25 يناير لم يتغير نظام الحكم. لكن تغيرت فقط القوي المُهيمنة عليه وهي قوي مبنية علي توافق أو تحالف قلق بين المجلس الأعلي للقوات المسلحة وتيارات الإسلام السياسي الممثلة في حزب "العدالة والحرية" والسلفيين. والآن صار من المهم القيام بمراجعة لتجارب السنة الماضية استعداداً للمرحلة القادمة، لمرحلة من النضال الديمقراطي ربما ستطول. صار من المُلح أن نتأمل دروس، وأخطاء المرحلة السابقة حتي يمكن مواجهة سياسات، وتصرفات ومناورات القوي المعادية للديمقراطية، تلك القوي التي شجعتها الانتصارات المتعلقة بالانتخابات علي السعي لتدعيم سيطرتها علي الحكم، علي أجهزة الدولة ومؤسساتها، علي الأحزاب والتيارات السياسية الآخري، علي تنظيمات ونقابات وجمعيات القطاع المدني. فرغم التصريحات المتتالية بضرورة تحقيق الوفاق الوطني، والابتعاد عن أسلوب احتقار السلطة السياسية والاجتماعية والثقافية، فالتصرفات العملية المتعلقة بالانتخابات، بتوزيع مناصب الشعب، وبغيرها من الأمور تُكذب هذه التصريحات. هذا في الوقت الذي تسعي فيه القوي الرأسمالية الغربية للحيلولة دون حدوث أي تطور ديمقراطي حقيقي في مصر حفاظاً علي مصالحها. لذلك تُبدي استعدادها للتعاون مع القوي المعادية لهذا التطور التي تربعت الآن علي الحكم بعد مرور السنة الماضية. لقد تمكنت هذه القوي من إجهاض الحركة الثورية التي أطلقها الشباب في ذلك اليوم. لذلك ستشهد المرحلة القادمة معارك متتالية للحفاظ علي القدر من الديمقراطية ومن مناخ الحرية الذي انتزعته الجماهير أثناء تحركاتها في المظاهرات والاعتصامات والإضرابات والمطالبة بحقوقها، والتمرد علي سلطة القهر، والتي تخلصت فيها من الخوف، من روح الاستسلام واليأس التي سيطرت عليها طوال السنين. المهمة الأساسية للشباب ولكل القوي الديمقراطية هي الآن النضال مع جماهير الشعب لخلق التنظيمات والمؤسسات السياسية القادرة علي إحداث تحول ديمقراطي، علي تحقيق التغيير الجذري الذي كانت تسعي إليه، علي بناء لبناته خطوة بعد خطوة في رحم المجتمع بحيث تصنع نظاماً آخر، وأن تخوض معارك ديمقراطية متتالية وصبورة تنصهر أثناءها مع جماهير الشعب. وتيرة المعارك وأسلوبها هذه المرحلة الديمقراطية ستستغرق فترات ممتدة من الزمن وربما تخللتها هبات، وانتفاضات أخري، وزحف إلي الأمام وتراجع إلي الوراء وذلك بسبب تمرس النظام المستند إلي قوي دولية ومحلية، سياسية واقتصادية وعسكرية. هذا النظام هو جزء من النظام العالمي الذي لا يسهل التفكك منه، تسنده في مصر الآن نفوذ الحركات الدينية المتعصبة المتغلغلة في حياة، وأنشطة، وخدمات، وقناعات، وعادات، وسلوك قطاعات مهمة من الشعب. فهذه الحركات رغم خلافاتها الفكرية والثقافية مع الغرب الرأسمالي تظل وثيقة العلاقة والتشابك الاقتصادي والمصلحي مع هذا النظام، مع الرأسمالية العُليا واحتكاراتها وحكوماتها.
- *اصرار الشباب*
في هذه العملية لابد أن تكون هناك مراعاة لوتيرة المعارك، أن تكون مختلفة عما شاهدناه طوال السنة الماضية، فلا الناس، ولا الاقتصاد، ولا العمل اليومي الذي تقتاط منه قطاعات كادحة ومهنية من الشعب تستطيع أن تتحمل ماتحملته طوال الشهور الماضية. التغاضي عن هذه الحقيقة سيؤدي كما أدي بالفعل إلي عزل الشباب والنشطين عن الشعب مما يسهل عمليات القهر والقمع الموجهة إليهم. إن إصرار الشباب بأن ما نعيش فيه حتي يومنا هذا هو ثورة تلك الكلمة التي يرددها الجميع سواء أكانوا أنصاراً للثورة أو أعداء لها، هذا الإصرار لا يتفق مع طبيعة القوي المسيطرة علي الحكم، مع بقاء جوهر النظام القديم، مع واقع الحركة الشعبية وتنظيماتها، ومع المناخ العام المسيطر علي جماهير الشعب بصرف النظر عن التحركات المطلبية التي تتكرر كل يوم، أو بقايا التأثير الذي تُمارسه الحركة التي قام بها الشباب في 25 يناير. هذا رغم شجاعتهم، وشهدائهم، وروحهم المقدامة، ونُبل أهدافهم، واستعداد الكثيرين منهم للتضحية من جديد. هذا الإصرار هو نوع من الجمود يحول دون التعامل مع الواقع المسيطر الآن. إنه يقود إلى الاعتقاد بأن التحركات الثورية والشعارات الثورية والتحول الثوري مازال ممكناً، وألاَّ داعي لأي نوع من التراجع أو التغيير في أسلوب النضال. النضال الديمقراطي الممتد أمامنا يستدعي إقامة الائتلافات والتحالفات والأشكال التنسيقية المختلفة بين تنظيمات وفئات الشعب، إلي بناء النقابات وتطهيرها، إلي تشكيل أحزاب ديمقراطية جديدة، وتدعيم تلك القائمة، إلي الاهتمام بالجمعيات وبتنظيمات القطاع المدني المختلفة. يتطلب جذب جماهير العمال، والفلاحين والموظفين والمهنيين والتجار وأصحاب الورش إلي النضال من أجل الديمقراطية والحريات، وهذا لن يتأتي إلا بمشاركة الشباب والنشطين في المعارك الخاصة بمطالبهم واحتياجاتهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
هذه المشاركة هي التي يمكن أن تقودهم بالتدريج إلي خوض معارك منظمة في الصراع الديمقراطي وفي الدفاع عن الحريات السياسية وتدعيمها. وهذا يعني ضرورة الاتفاق والتوافق والتنازل أحياناً عن بعض الشعارات بحثاً عن الأرضية المشتركة مع الآخرين، تلك الأرضية التي يمكن أن تقود إلي رفع وتيرة المعارك وجذرية المطالب بالتدريج. قوي شعبية بديلة سيبقي النظام الحالي قائماً طالما عجزت القوي الديمقراطية عن إقامة قوي شعبية بديلة تستطيع أن تحل محله في جهاز الدولة، أن تُدير شئونه ومؤسساته، وأن تقود القطاعات المدنية التي يتحرك في إطارها الشعب، أن تفرض رقابتها علي أجهزة الحكم وتُغير فيها بالتدريج. إن الاعتصامات والإضرابات والمظاهرات لها دورها لكن النضال الديمقراطي الذي يغير المجتمع ويقيم أجهزة حكم جديدة لا يتأتي إلا بتوحيد وتنظيم الجماهير الواسعة. الطبقة الوسطي وحدها لا تستطيع أن تُحقق تغييراً جوهرياً في نظام الحكم. لابد لها من حلفاء، حلفاء منظمين، وليس جماهير تتحرك فقط من أجل مطالب جزئية. لابد من بذل الجهد اللازم لتنظيم العمال والفلاحين، وسائر قطاعات الشعب حتي تُشارك بالتدريج علي نحو منظم في عملية التحول الديمقراطي والاجتماعي الذي سينشأ علي أساسه نظاماً جديداً في مصر.
- *دور مهم للطبقة الوسطى*
الطبقة الوسطي دورها مهم، وملهم، ومحرك للتغيير. إنها منبع للفكر، لثقافة جديدة مختلفة للشعب والتي بدونها لا تتحرك الجماهير علي نحو إيجابي وفعال. فالفكر الواعي مسألة جوهرية في أي تغيير سياسي واجتماعي يحقق تطلعات الشعب إلي العدالة والتقدم والحرية، وطمأنينة وكرامة العيش. النجاح في عملية التحول الديمقراطي يتطلب أيضاً بلورة برنامج سياسي، اقتصادي اجتماعي، ثقافي يحظي بتأييد واسع النطاق. هذا البرنامج هو بمثابة مشروع قومي ينهض بالهمم، يوقظ روح الحماس، والتطلع والخيال والأمل في الغد ويسمح بإقامة التحالفات والائتلافات وأشكال التنسيق التي لابد منها. برنامج مثل هذا لايتبلور ولا يتجسد، ولا يتحدد إلا من خلال المعارك المشتركة المنظمة. في السنة الماضية كانت هناك مطالب، لكنها كانت جزئية لم تُخاطب قطاعات مهمة من الشعب. كانت تتعلق أساساً بالمعارك المتتالية التي خاضتها حركة الشباب، وخاضها مَن تعاون معها. كانت مطالب تتعلق بالدستور، والإنتخابات، وقانون الأحزاب، والمحاكمات العسكرية، وعمليات القهر والقتل والعنف، والسحل التي تعرض لها الشباب والشابات أثناء تحركاتهم. كانت ولاشك قضايا مهمة تتعلق بالحريات والديمقراطية وشكلت تجربة سياسية مؤلمة عنيفة ومفيدة في الوقت نفسه، تجربة ستساهم بشكل أو آخر في البرنامج التي سيتم صياغته فيما بعد، في مجهود أشمل وأعمق لتحديد أهداف الحركة الديمقراطية المتنامية وبرامجها. قد يبدو للبعض أن في هذه الأفكار تقليل من شأن الحركة التي قام بها الشباب بالتعاون مع آخرين، لكن علينا أن نواجه الواقع دون أن يفت هذا في حماسنا، أو تطلعنا إلي خوض معارك قادمة ربما ستكون أصعب مما سبقها. الرومانسية، والتلقائية والخيال صفات جميلة لولاها ما تغير العالم. إنها وقود التطور، قوة الثورة والإبداع الإنساني ولابد أن يتحلي بها أولئك الذي يهدفون إلي تغيير المجتمع والحياة. لكن في الثورات، في الجهود التي تُبذل لتغيير المجتمع ونظام الحكم، بل في مختلف مناحي النشاط الإنساني يجب أن تقترن هذه الصفات بالتخطيط والتنظيم، بجهد صبور ويومي منظم يستهدف هدم القديم وبناء الجديد. هذه حقيقة ربما أدركها الكثيرون ممن ساهموا في التحركات الثورية الملهمة التي شهدتها بلادنا منذ أن فجَّر الشباب حركة 25 يناير سنة 2011، والتي قادت إلي مرحلة جد خطيرة، ومهمة في نضال الشعب المصري سنشهد آثارها الإيجابية في السنين القادمة لا شك.
