أهالي البلدين عرابة وبيت جن.. أولاد العم

single
غادر شابان من أبناء الطائفة المعروفية بلدهما بيت جن ليسوِّقا بعضًا من إنتاجهما الزراعي، في قرى الجليل المركزي، وقد يكون عنبًا أو بندورة أو غير ذلك.
في طريقهما إلى إحدى قرى البطوف، ربما كفرمندا أو البعينة، اعترضهما شاب ويبدو انه قاطع طريق. تلك الظاهرة انتشرت من جديد في منطقتنا بعد ظاهر العمر بسبب سوء الأوضاع المعيشية، في ظروف ضعفت فيها الحكومة المركزية بشكل واضح وانتشر خلالها الفقر والجوع في كل النواحي.
حاول الرجل السطو على بضاعتهما، بذل الشابان جهدًا في إقناعه كي يتركهما بعد ان عرضا عليه شيئًا من البضاعة، لكنه رفض الا كلها والدواب أيضًا.. بالتالي دار العراك بين الطرفين وكانت النتيجة ان تعرض المعتدي لضربة شديدة على رأسه فسقط أرضًا. تركاه بعد ان تأكدا ان لا حراك فيه، وعادا إلى عرابة، اقرب القرى لمكان الحادث.
في ديوان المختار الشيخ مصطفى الياسين، تحدث احدهما بما جرى لهما مع ذلك الرجل القوي البدين المعتز بقوته وجبروته، وان ضربة من احدهما أوقعته أرضا ولم يعرفا ما حل به.
عندها قال احد الشيوخ في ديوان المختار "كل معتدي ما بشوف خير" وقال آخر "المهاجم خسران دومًا"، بعد ان وزعت بضاعتهما على أهالي الحي ودفع ثمنها، ركب عدد من شيوخ عرابة مع المختار وذهبوا يستطلعون الأمر لدى العشائر البدوية التي كانت تضرب خيامها على أطراف البطوف.
وصلوا فوجدوا أقاربه قد نقلوه إلى بيت أهله، بعد ان فارق الحياة. دخلوا وقدموا العزاء لأهله ولوجهاء العشيرة. واسوهم في مصابهم وعرضوا أمامهم العديد من حوادث القتل التي وقعت عبر السنوات الماضية لدى عشائر معروفة وقوية.
عرض مشايخ عرابة عطوة مالية وإعلان هدنة لمدة ستة أشهر كما تقضي العادات والشرائع العربية. رفض أهل الفقيد ذلك لكن الجلسة طالت وامتدت حتى منتصف الليل وسط حوار هادئ ولطيف، إلى ان قال احد رجالهم، ويبدو انه شيخ العشيرة: "اسمعوا يا الربع، مشايخ عرابة وخاصة الشيخ مصطفى الياسين، أهل خير وإصلاح وأصحاب نخوة ومروءة ما هم وجه فشل، فاقبلوا جاه شيخهم وأكرموهم".
وافق الشيوخ وأهل الفقيد على العطوة تلبية لرغبة شيخهم، في اليوم التالي وبعد العصر عاد مشايخ عرابة ومعهم مبلغ العطوة.
مدها الشيخ مصطفى الياسين وهو يقول، هذه عطوة لافية مش هافية يا إخوان.
ليه ما تكون هافية؟ قال احد المضيفين:
"لان كل قتل دفاعًا عن المال أو الحلال.. دفاعًا عن الأرض والعرض، فهو بدون قصد دائمًا العطوة فيه لافية" وأضاف الشيخ مصطفى الياسين، "اما القتل عمدًا ومع سبق النية فالعطوة فيه هافية، فلا تحسب من مبلغ الدية. هذا نص الشرع العشائري الذي أوجده سكان البوادي وتعاملوا به منذ مئات السنين وانتم أحفادهم".
صدقت، قال شيخ العشيرة، ومن ثم دفعت العطوة بالعملة التركية وبعض الرواة قالوا انها دفعت بالعملة المصرية. بعدها اقر الطرفان هدنة لمدة ستة أشهر.
عند عودتهم إلى القرية كان الضيفان ما زالا في ديوان المختار، إذ لا يجوز لهما مغادرة القرية الا بموافقة أهلها، خاصة شيخها فهو المسؤول عن سلامتهما.
بعد إقامتهما مدة يومين طلبا العودة إلى أهلهما وبلدهما فوافقهما الشيخ وأرسل معهما ثلاثة من رجاله رافقوهما حتى وادي سلامة. عند رأس النبع جلس الرجال بعض الوقت ارتاحوا وشربوا من الماء البارد، ثم نهضوا لمواصلة المشوار.
أبدى الشابان رغبة في مواصلة الطريق وحدهما إلى بيت جن، وقالا "لهون بكفي.. ما بدنا نتعبكم أكثر.. كفيتوا ووفيتوا" ودعوا بعضهم بعد ان شكر الضيفان، رجال عرابة وأهلها، وبعثا بشكر خاص للشيخ مصطفى الياسين ومضيا في طريقهما.
ظل رفاقهم شباب عرابة يتبعونهما بنظرات المودة والوفاء حتى غابا عن الأنظار. وقبل انتهاء مدة الهدنة بيوم وصل مشايخ الطائفة المعروفية من قرى الجليل والكرمل إلى عرابة للوفاء بعهد شيوخها.
كان الاستقبال حارًّا وكلمات الترحيب مؤثرة، وواجبات الضيافة كثيرة ومتعددة وعكست في نفوس الضيوف والأهالي مشاعر الود والاحترام، خلال جلسة ضمت وجهاء القرية، قدم الضيوف شكرهم الجزيل للأهل، خاصة للشيخ مصطفى الياسين، بكلمات جميلة ورائعة، فأشادوا بالنخوة العرابية العربية، وابدوا استعدادهم للصلح مع أهل الشاب المرحوم بدفع الدية وتكاليف طبخة الصلح. اقترح مشايخ عرابة ان يتقاسموا الدية والتكاليف الأخرى مع الضيوف إكرامًا لهم.
ما قدمتم كاف.. وهو فضل وعرفان، لن ننساه ولن تنساه الأجيال القادمة في الطائفة المعروفية قال احد المشايخ الضيوف.
ما بصير "علينا النص وعليكم النص" قال الشيخ مصطفى الياسين مختار القرية وهذا ما تم بعد إصراره على موقفه.
في مضارب العشيرة، جرى الصلح وعقد الراية الشيخ مصطفى اما راية الأمان فعقدها شيخ العشيرة. وراية الوفاء عقدها شيخ بيت جن ومنذ ذلك التاريخ تربط أهالي البلدين بيت جن وعرابة. روابط صداقة صدوقة تحولت خلال فترة وجيزة إلى قربى.
أهالي القرى المجاورة، أشادوا بجهود الطرفين حتى ذهبوا إلى ابعد من ذلك، إلى القول المأثور والذي ما زال يتردد حتى اليوم.
"أهالي عرابة وبيت جن، أولاد عم، فيسأل سائل، لم يطلع على الأسباب فيأتيه الجواب: "أولاد عم.. لأنهم دفعوا معًا في الدم".
مثل هذه المواقف المطوية في صفحات الذاكرة ذاكرة قرانا العربية جديرة بالتسجيل ومن ثم الحفظ لتطلع عليها الأجيال فتتجدد وتتجذر أواصر الصداقة بين أهلنا وجماهيرنا.
كما ستكون البوصلة التي تحدد وتوجه مسار الأهل في الظروف الاستثنائية الصعبة التي نمر فيها جميعنا.
قد يهمّكم أيضا..
featured

لا "مِرسي" يا مُرسي!

featured

امريكا هي الجلاد وليس القاضي

featured

لا لضرب وتوريط اليرموك!

featured

المقياس الحقيقي لجدية الحرب على الإرهاب هو بتغيير الموقف من سوريا

featured

طمس الحضارة اليمنية.. من الجو

featured

زنوبيا تكسر أغلالها

featured

إلى متى الاستهتار بقيمة الإنسان؟

featured

نحو آلية نضالية جديّة