امريكا هي الجلاد وليس القاضي

single

"السلام الأمريكي" كما صوّره رسام الكاريكاتير كارلوس لطّوف



الانحياز الامريكي المتعدد الادوار والوجوه لاسرائيل وسياستها العدوانية، هو في حقيقة الأمر انحياز قديم مع صك التجدد والتجديد بنسخ مطورة بالتعهد والتأكيد من الرؤساء والادارات الامريكية بالولاء لاسرائيل في كافة المجالات، وجعلها متفوقة على جيرانها العرب مجتمعين. وهذه استراتيجية القوة التي تعتمدها ادارات البيت الاسود الامريكي في تغليب مصالحها ومصالح اسرائيل العدوانية وتفضيلها في العلاقات الخارجية والدعم المباشر والمستمر الذي لا ينقطع طيلة السبعين عاما من عمر دولة الاحتلال. اما ان يفاجأ مسؤولون فلسطينيون من "العيار الثقيل" في السلطة الفلسطينية الوظيفية فهذه قمة الجهالة السياسية او الضحالة الدبلوماسية او الاختباء وراء الاتهام لتبرير القبول بالمشروع والوسيط الامريكي غير العادل والنزيه والمنحاز على طول الخط الى جانب ما تقوله وتفعله اسرائيل وتطلبه على ارض الواقع، اما مطالب الشعب الفلسطيني في الحرية والأمن والاستقلال، فهي مرهونة لمزاج الوسيط الامريكي، وإذا رفضها المفاوض الاسرائيلي وهي كذلك دائما تعود الى نقطة الصفر مع بداية سطر جديد وتنازل وهبوط حاد في قيمة ومستويات العملية التفاوضية التي وصلت الى باب موصود، لأن الوسيط الامريكي يصبح جزءا من المشكلة وليس جزءا من الحل.
من المؤسف حقا يكتشف البعض الانحياز الامريكي لاسرائيل اليوم فقط، ولا يكتشفوا الدعم المتعدد الجوانب والوجوه والذي لولاه ما تجرأت حكومات اسرائيل المتعاقبة على ممارسة سياسة الحرب والعدوان والاحتلال والاستيطان طيلة اكثر من نصف قرن الماضي. "الرموز" الذين هم اوصياء على قراءة الخارطة السياسية ورسم الاستراتيجية التحررية والدبلوماسية للشعب الفلسطيني، الا يدركون حقيقة العلاقات والتعاون الاستراتيجي العميق جدا بين مصالح كل من حكام اسرائيل والولايات المتحدة، ودور اسرائيل ومكانتها في السياسة الاستراتيجية الكونية للامبريالية العدوانية للولايات المتحدة اولا، ومن ثم خدمة معسكر الحرب والمال الامريكي والاوروبي الغربي. كم مرة قلنا ان اسرائيل في سياساتها العدوانية ونمط تفكير قادتها وهكذا نشأت قبل (70) عاما، ان بقاءها على قيد الحياة وتنفسها ليس من رئتيها، وانما تستمد الاستمرارية والحياة من الرئة الامريكية التي تمدها بجميع مقومات الحياة الحديثة والمتطورة، مما جعلها القوة الاولى المسيطرة في المنطقة العربية والشرق الاوسط وتتحكم بآفات الحل والربط والحرب والسلام في منطقة احوج ما تكون للراحة والأمن والهدوء والاستقرار والذي يحتاجه فعلا الشعب الفلسطيني وبقية الشعوب الأخرى.
ان عدم الرؤية او السكوت على طبيعة العلاقات المتبادلة بين تل ابيب وواشنطن يُصنف الواقع ان قيام السلطة الفلسطينية ما هو الا مشروع امريكي – اسرائيلي – اوروبي بمشاركة عربية، وليس للضغط عليهم والقبول بالمشروع التحرري للشعب الفلسطيني.
قيام السلطة الفلسطينية لم يلبّ الحد الأدنى من طموحات الشعب الفلسطيني في الحرية والاستقلال، وقد جاءت على اقل من انصاف الحلول الامريكية الاسرائيلية بهدف تبديد وتغييب وتهميش الحل الطبيعي العادل للقضية التي اوجدها المستعمرون والانجليز وتبناها الامريكيون على مدار اكثر من 50 عاما ولغاية الآن. فالسادات برر زيارته لاسرائيل وتوقيعه على اتفاق كامب ديفيد، بان امريكا تملك 99% من اوراق الحل، بينما امريكا هي لاعب اساسي وخصم عدواني يقف امام طموحات الشعوب وهو لا يملك الحلول، لأنه طرف في معادلة الشرق الاوسط، انما يملك خطر التجارة بمصائر الآخرين من اجل مصالح رأس المال الامريكي وتجار مصانع اسلحة الموت والدمار وتدفق الأموال الى الخزينة الامريكية.
كيف يمكن للأمريكيين ان يلعبوا دور الوسيط "النزيه"، وهم اساس المشكلة في تعقيداتها، لذلك لا يمكن ان يكونوا جزءا من الحل، هم جزء فعال ونشيط وداعم لأحد اطراف الصراع، أي هم الداعمون بدون حدود للطرف المعتدي ضد الطرف المعتدى عليه الا وهو الشعب الفلسطيني، الامريكيون وغيرهم بعد ان اوجدوا المشكلة واختاروا ما يناسبهم، طوروها بعد ان ربطوها بعجلة مصالحهم المشتركة مع حكام اسرائيل والقيادة الصهيونية، واضعين اسس بقاء المنطقة على فوهة البركان والانفجار على شكل حروب لا تنتهي ابدا واستنزاف الحكام العرب والفلسطينيين الى ما لا نهاية، ومحاولة تنصيب حكام اسرائيل اوصياء على شعوب المنطقة وثرواتها. وهذا الأمر لا يمكن ان يتم في معزل عن الشعب الفلسطيني وحقوقه المشروعة.
الامريكيون كما اسلافهم من المستعمرين، اختاروا الانحياز والدفاع المستميت عن حكام اسرائيل، بعد ان اوجدوا المشكلة وعقدوا الحل، بأن ربطوها بعجلة مصالحهم المشتركة مع دولة الاحتلال والصهيونية، في محاولة لابقاء المنطقة في حالة توتر وصراعات وحروب وصب الزيت على النار كي تبقى مشتعلة على الدوام تحرق الأخضر واليابس.
هناك طريقان، اما مع وحدة الشعب الفلسطيني والتخلي عن طريق المنزلقات والمساومات والتنازلات ووضع حد للرهان على الموقف الامريكي الداعم لاسرائيل، او والاعتراف بالفشل السياسي والتمثيل الوطني وعدم الارتهان للمساعدات الامريكية والغربية التي اصبحت تكلف ثمنا غاليا، وهو تقويض الكفاح الفلسطيني بالتخلي عن الكفاح الشعبي والمسلح، وتثبيت اقدام اوسلو والقبول بالفتات التي تقدمها الدول المانحة والحيلولة دون تحقيق الوحدة الفلسطينية، فيما وتيرة الاستيطان تتزايد بنسب اضعاف ما قبل حكومة نتنياهو الحالية. برأيي أنه على القيادة الفلسطينية في اعترافاتها بخيبة الامل من الجانب الامريكي، ان تستوعب الدرس السياسي وان تباشر من تلقاء نفسها بالذهاب الى الشعب، وان الشعب هو من يقرر بشأن المسيرة التحررية في رسم خطوط مستقبله وكيفية التعامل على ضوء المرحلة الجديدة في معمعة الموقف بل المواقف الامريكية وحتى الاسرائيلية من مطلب الدولة الفلسطينية وباقي المستحقات للحل الدائم.
علينا ان نشير الى حقيقة الموقف الامريكي، لنؤكد كم مرة وقفت وناصرت الادارات الامريكية وكل رؤسائها سواء كانوا من الدمقراطيين او الجمهوريين، قضايا العرب والاخص الفلسطينيين، عبر كل مراحل الصراع، منذ ان اخذ الامريكيون مكان اسلافهم البريطانيين في التناوب على ادارة ملف الصراع بين شعوب المنطقة وتحررها واستقلالها، بل بين الاستعمار والامبريالية والصهيونية. وهو صفر كامل! أليس الصراع وجبهة النضال ضد المستعمر ما زالت مفتوحة بعد ان تمادى المستعمر الامريكي والمحتل الاسرائيلي والاطماع الاقليمية لبعض القوى بالتعاون مع الرجعية لتخريب وتدمير الوطن العربي والحاقه بركب التبعية وخدمة للسيد الامريكي الغربي. اننا مقتنعون وشعبنا كذلك انه لا يمكن ان يأتي من نظام امريكا سوى الخراب والدمار والسلب والنهب وتقسيم الشعوب والدول والاقتتال واراقة المزيد من دماء العرب والفلسطينيين.



(كويكات – ابو سنان)

قد يهمّكم أيضا..
featured

في المسأَلة العلمانية، كمَنْزِلَةٍ بين مَنْزِلَتَيْن..

featured

بضائع الاستيطان غير الشرعية

featured

صراع بين عملاء أمريكا

featured

في الطريق إلى الاقتراع

featured

حفيد التنمية الصهيونية

featured

المجلس القطري للجبهة: مهمات اساسية لبلورة انطلاقة النصر في الانتخابات البرلمانية

featured

ألواجب الوطني والطبقي يحتّم علينا البدء بالتحضير للمعارك السياسية الطبقية الاجتماعية - والقومية القادمة لا محالة