لقاؤنا الأخير كان في صيف 1990 عند حضوري للبلاد لزفاف الأخت ناديا. كان يراوغ إرهاق المرض ويبدو مرحاَ رافضاَ قبول مخصصات الدائرة الإجتماعية كعاطل. رغبت ان ابقى جانبه ومساعدته والإستقرار في الوطن. يوماَ ما فاتحني:"اخبروني مؤثرون في الدولة إستحسانهم بقائك في البلاد والإنخراط للعمل في كوبات حوليم (صندوق المرضى)!". اجبت فوراَ" أخبروني انا أيضاَ بهذا لكن فٍش إشي ببلاش!". برقت عيناه. ضمني بحرارة , قهقه:" إذا هيك, هات بوسه (قبله). الحساد كثيرون هنا وخانقون . إذا كانت روحك مفرفحة في الغربة واالناس تثق بعلاجك فإهتم بمساعدتهم . الله يرضى عليك" . لم يرد إثقال كاهلي بمعاناته. " سافر!" كنا ندرك ان تلك هي النظرة الأخيرة . تابع خطواتي هاتفيا حتى بدأت التطبيب . " هل يتطبب الطليان عندك مدركين أنك عربي مسلم ؟ هل اطمئن عليك ؟ " سأل فطمأنته ورحل في 13 ديسمبر 1991.
كان يدور بين القرى على دراجته غي الخمسينيات ليوزع المناشير الموقعه بإسمه " الشيوعي الحر"محرضاَ السكان على الصمود والنضال من اجل الكرامة والحرية . يعكف على الكتابة , قراءة أدبيات الحزب واداء واجباته الدينية ويفرح كالعيد عند نشر قصيدة لي او لأحد الأخوة على صفحات الإتحاد . هنا في الغربة ,في وطن الإنسان , في مدينة باسانو الإيطالية , برعاية البلدية, تحيي جمعية الزيتونة أمسية شعرية بعنوان " شظايا اشعار تتخطى الزمان, جان دارك بين ابو القاسم الشابي وماريا لويزا سباتسياني" اقدمها في ذكرى رحيل والد ثقبت نظراته مسخ المكان وتقوقع الزمان .
