*علينا مناقشة جميع الابعاد السياسية، المبدئية والاستراتيجية التي ترافق عملية بناء اليسار الجديد، وفي هذا السياق ايضاً وُجهة شراكتنا العربية اليهودية، التي لن نتنازل عنها، ولكن لا ضير بل من الطبيعي والصحي ان نقيّمها ونطورها*
ساحاول في هذه المقالة ان اساهم في النقاش الدائر بين الرفاق وعلى صفحات الاتحاد حول مسألة بناء اليسار الجديد، حيث تأتي هذه المقالة كرد غير مباشر، وإن كان متأخراً بعض الشيء، على مقالة للرفيق امجد شبيطة (ملحق الاتحاد، 19.6.2009) والذي بدوره ناقش مقالة الرفيق هشام نفاع (الاتحاد، 8.6.2009).
لن اخوض في تفاصيل مقالة امجد ولكني ساتطرق الى بعض النقاط الاساسية التي يجب برأيي وضعها على الطاولة واستنفاد النقاش حولها. ولكن قبل اي شيء، يجب التنويه الى اني لا اعمّم ولا اتهم. هنالك نقاش في الجبهة حول الموضوع بين معارض ومؤيد، وهو نقاش صحي وشرعي، وانصح كل من يزاود على الجبهة بسبب هذا النقاش ان يحيك بمسّلة اخرى!
اولاً هنالك نوع من الشعور العام لدى البعض او اكثر قليلاً، في الجبهة وخاصة في تل ابيب بان تجربة "المدينة لنا جميعاً" البلدية المحليّة، وسّعت صفوفنا. ويحاول البعض ان يستغلها لتبرير نجاعة التحالفات والائتلافات "حتى مع صهاينة" على انها الطريق لتوسيع صفوفنا وإحداث تغيير كبير في الشارع اليهودي.
واذا اردنا ان نناقش تجربة "المدينة لنا جميعاً" كما يجب، فعلينا ان نطرح بعض الاسئلة، هل كان هنالك طرح سياسي واضح وجريء خلال الحملة الانتخابية؟ هل يمكننا ان نختزل النقاش السياسي خلال المعركة الانتخابية بتهجمات شيلي يحيموفتش على الرفيق دوف حنين؟ دعونا نقولها بصراحة، شباب تل ابيب صوتوا للبيئة اكثر مما صوتوا لمرشح شيوعي! شباب تل ابيب لم يصوتوا لدوف لانه جبهوي وشيوعي، ينتمي الى حزب يحمل فكر سياسي يساري راديكالي. وعليه لا يمكن ان نحمّل تجربة المدينة لنا جميعاً اكثر مما تستوعب، فهي بقدر ما كانت تجربة ناجحة ورائدة وقوية، بقدر ما تؤكد بان التغيير السياسي لا يقاس بالكم دائماً.
على الرغم من هذا، فانا اعي بان هذه التجربة استطاعت ان تجذب الى الجبهة عشرات الشباب والشابات الذين انخرطوا في النضال ضد الاحتلال، مناهضة العنصرية والتمييز ومن اجل العدالة الاجتماعية وهم يمُرّون في عملية تغيير سياسي جوهري. الا ان هذا لا يكفي لكي نجاهر بهذه التجربة كثورة في الشارع اليهودي. وقد راينا بان عشرات الآلاف من شباب تل ابيب الذين صوتوا للمرشح الجبهوي في مدينة تل ابيب في الانتخابات البلدية، حيث القضايا التي تطرح هي محلية، اجتماعية، اقتصادية، بيئية وما شئتم، لم يصوتوا للجبهة في الانتخابات للكنيست، حين يصبح النقاش سياسيا مبدئيا وجوهريا اكثر. وهذا بحد ذاته يفند المعادلة التي يحاول البعض ترويجها بان جذب عدد اكبر من اليهود للجبهة هو الدلالة على التغيير في الشارع اليهودي!
// مع اليسار الراديكالي
ثانياً، هناك محاولة البعض المقارنة ومن ثم الاختيار بين مشاركة حقيقية مبدأية مع اليسار الراديكالي - وبهذا اقصد غير الصهيوني او من هو ضد الصهيونية، وبين التقرب والتودد لليسار الصهيوني. واعتقد انه من غير الممكن ان نتجاهل التناقض الصارخ بين الصهيونية واليسارية، حيث لا يمكن حقاً اعتبار اليسار الصهيوني يسارا ومرشحا لان نبني معه اليسار كشريك!
انا ممن يعتقدون بان تعزيز علاقتنا مع شركائنا الحقيقيين اي اليسار الحقيقي غير الصهيوني هي مسالة هامة، ويجب ان نبذل جهوداً من اجل تعزيز وتقوية الحركة المناهضة للاحتلال في البلاد وان نقودها نحن في الجبهة. وليس ان نتودد لقطاعات نعرف مسبقاً باننا "عند الجد" لن نجد معها الكثير من المشترك سوى ربما بعض الشعارات، وعندما نصل للمضمون سنجد ان هذه القطاعات بعيدة عنا كل البعد.
يعتقد البعض باننا بحاجة الى ميرتس لكي نصل الى المجتمع الاسرائيلي.. ميرتس "المقبولة" على الشارع الاسرائيلي، ستساعدنا نحن "غير المقبولين" بان نوسع الصفوف. اي اننا نكون قد تنازلنا اصلاً عن رغبتنا في اختراق الشارع الاسرائيلي. واصبحنا نعتمد على ميرتس، او اليسار الصهيوني الذي فشل بجدارة في اختراق الشارع اليهودي ووصل الى الحضيض في الانتخابات الاخيرة.
ان هذا المسار يتوازى مع مسار التحييد والابتعاد عن اليسار الراديكالي المناهض للصهيونية. وهذا هو المقلق، فالبعض لدينا يحاول ان يتقرّب الى ميرتس على حساب الابتعاد عن اليسار الراديكالي. هذا اليسار المُهَمّش من قبل الشارع اليهودي لمواقفه الثابتة والمتينة ضد الحروب والاحتلال وبطشه، هذا اليسار"الصغير" الذي يرفع "ساعة الجدّ" صوته ولا يتراجع عن موقفه.
في الوقت ذاته ولكي لا يساء فهمي، لست ضد ان يشاركنا من يختلف معنا سياسياً، في نضالات عينية ومحددة، ولكن بين هذا وبين شراكة في بناء يسار جديد يجب ان تكون له هُوية واجندة، المسافة بعيدة جدًا وتحتم دراسة وتفكير جدّيين.
//مفهوم الجبهة العربية- اليهودية
ثالثاً: فلنعترف ان هنالك توجهين يحيطان هذا النقاش، احدهم يعتمد على رؤية تفضي بان الجبهة العربية-اليهودية يجب ان تكون عربية-يهودية من حيث موازين القوى، وفي هذه الفرضية امر مغلوط حيث تتم موازنة اليهودي، (شاء ام ابى، يساري ام يميني) المتمتع بكافة الامتيازات التي تمنحه اياه دولته (اليهودية) والتي اقيمت على انقاض الشعب الفلسطيني، والذي هو الطرف الاخر في المعادلة، الفلسطيني الذي يعاني من تمييز قومي وعنصرية مؤسساتية وشعبية. الموازاة بين اليهودي والعربي في هذه البلاد هي خطأ سياسي جوهري، ومثلما لا يمكن الموازاة بين الاسرائيلي والفلسطيني القابع تحت احتلال 67، فلا يمكن الموازاة بين القامع والمقموع، الجلاد والضحية.
ان الرأي الذي يفضي الى أن عددا أكبر من اليهود في الجبهة معناه "سياسة متوازنة اكثر بين اليهود والعرب" هو خطير كاقل تعبير، وكأن المشكلة في الجبهة هي سيطرة العرب وسياستهم! والسؤال، الى اي توازن نحن بحاجة؟ هل يرون في برنامج الجبهة "منحازاً" للفلسطينيين ويجب ان نضمن توازنه؟ كيف يمكننا ان نفسر هذه الرؤية اذا لم تكن سعيا من اجل تعديل برنامج الجبهة بحيث يوازن بين الطرفين. ربما ليس الآن، وربما ليس عينياً، ولكنها حتماً سيرورة ستقودنا الى هناك.
ان هذا المفهوم، اي التوازن، هو نفسه الذي يقف وراء بعض الشعارات، مثل شعار "ننهي الاحتلال، نبدأ العيش"، الذي اتفق عليه اليسار الجديد التل ابيبي كشعار لمظاهرة الرابع من حزيران هذا العام. والسؤال هو من سيبدأ العيش بالضبط؟ كيف يمكن ان نوازي بين اليهودي والفلسطيني؟ هل الاثنان فاقدان للحياة الكريمة والحقوق بنفس القدر، وبحاجة لان يبدءا بالعيش؟
واذا كان الجواب بان هذا مجرد شعار وهذا لا يعني اننا تنازلنا عن مواقفنا التاريخية حول الصراع. دعوني اتساءل: اين دورنا في تثقيف الشارع الاسرائيلي الذي من المفروض اننا سنعيش معه في حال قيام الدولة المستقلة. هل نريد لهذا الشعب ان يتثقف على ان انهاء الاحتلال هو من اجل مصلحته هو بدون ان يفهم القضية المبدئية في انهاء غبن وقمع الاحتلال؟ الا يكفي ما نراه من تشويه للواقع وتعزيز شعور الضحية والأنا في المجتمع الاسرئيلي وكأن حياة اليهودي فوق كل شيء؟ واين النقاش المبدأي حول الاحتلال؟ وهل مشكلة المشاكل لدى الاسرائيلي انه لا يعيش..؟
هل هكذا ننجح في اختراق التيار المركزي؟ وماذا يعني من ناحيتنا الاختراق، هل هو ان ينضم الينا مئات من المتظاهرين من ميرتس، ان يصوت لـ "لمدينة لنا جميعاً" عشرات الآلاف من الشباب؟ ام ان الاختراق هو التصدعات التي نستطيع ان نسببها في هذا الاجماع ووضع تحديات امامه ومحاولة تغيير خطابه ومفاهيمه؟
هل نجحنا مثلاً بتجنيد اهالي سديروت ، وعموم الاسرائيليين، الى جانبنا عندما هتفنا في المظاهرات ضد العدوان على غزة "ان الطفلات في غزة وسديروت يردن الحياة"؟ ام اننا عززنا المفهوم لدى الاجماع بان هنالك توازنا بين الطرفين؟ صحيح انه شعار انساني اممي لاننا بالطبع نريد لجميع الاطفال في جميع انحاء العالم الحياة، ولكن لا يمكن عزل اي شعار عن سياقه السياسي، والسياق ان اطفال سديروت لم يعانو ولا يعانون عُشر ما يعانيه اطفال غزة، وانه، سياسياً، لا يمكن المقارنة بين صواريخ مقاومة (حتى لو كنا نختلف معها في كثير من الامور) وبين دبابات وصواريخ الاحتلال.
وماذا مع شعار "إنهاء الاحتلال وانقاذ الديمقراطية." الذي يرفعه هذا اليسار؟ هل هذه هي الضريبة التي ندفعها من اجل ان نبني هذا اليسار؟ ان نعترف لاسرائيل بديمقراطيتها؟ وتصبح مهمتنا انقاذ هذه الديمقراطية؟ هل هكذا نخترق الشارع الاسرائيلي؟ ونؤثر على مفاهيمه ووعيه، ونغيرهما؟
واخيراً، لم يستنفد النقاش حول تجربة المدينة لنا جميعاً في هيئات الجبهة، لكي يتم استخلاص الدروس من هذه التجربة القيمة والهامة، والانكى من ذلك، ان بناء اليسار الجديد لم يناقش في هيئات الجبهة. وهكذا يجري زج الجبهة القطرية في عملية بناء اليسار الجديد من دون ان تكون قد ناقشت الموضوع، بحثت في جوانبه المتعددة ووضعت استراتيجية واضحة للتعامل معه. وهذا امر غير صحي اطلاقاً. ثم انه من الواضح حتى الآن ان هذا اليسار هو يسار تل ابيبي يهودي صافٍ مئة بالمئة، (وان كانت هنالك بعض المحاولات لضخ التجربة الى القدس وحيفا). ولكن كيف يمكن بناء يسار بدون العرب؟ ولا اقصد العرب كحضور ومشاركين في نشاطات هذا اليسار وانما كشركاء حقيقيين في وضع وبلورة اجندة واستراتيجيات هذا اليسار.
النقاش هذه القضايا سيستمر، وهذا هام وحيوي، فقد تعودنا في الجبهة والحزب، على وضع كل الملفات على الملأ وعدم تكنيسها تحت السجادة كغيرنا.
في هذه المرحلة الحساسة، يتحتم علينا مناقشة جميع الابعاد السياسية، المبدئية والاستراتيجية التي ترافق عملية بناء اليسار الجديد، وفي هذا السياق ايضاً وُجهة شراكتنا العربية اليهودية، التي لن نتنازل عنها، ولكن لا ضير بل من الطبيعي والصحي ان نقيّمها ونطورها.
