لتسقط سلطة عباس

single

"لتسقط سلطة عباس"، عنوان ليس لي فيه شيء، ولا أعرف كيف أبرره في هذه المرحلة بالذات، وكل ما أبتغيه منه هو مراضاة قادة وناطقي حركة حماس، لعلّ مزاجهم يهدأ قليلا، ويتوقفوا عن تعكير الأجواء السياسية والشعبية في الشارع الفلسطيني، في أوج تطورات سياسية ترفع المعنويات، وتعطي دفعة للنضال الشعبي الجماهيري لاقتلاع الاحتلال وبناء مستقبل الحرية والاستقلال.
صحونا في اليوم التالي لخطاب الرئيس الفلسطيني محمود عباس، من على منصة الجمعية العمومية للأمم المتحدة، و"اكتشفنا" أن ذلك الطفل اللاجئ ما زال يجلس عند عتبة بيته في مخيم عين الحلوة، وكل مخيمات اللجوء، وعدنا إلى الخطاب ذاته، وتبين حقا أنه لم يعدنا بأنه بعد النقطة الأخيرة في السطر الخاتم للخطاب، سيعود اللاجئون، وتتحرر فلسطين، كل فلسطين.
الرئيس عباس قال إننا لا نبني الأوهام، ومبادرتنا في الأمم المتحدة ليست نهاية مطاف، ولا هي الخطوة الأخيرة قبل قيام فلسطين، ودعا إلى عدم المبالغة في أهمية هذه الخطوة على مستوى إقامة الدولة، وعدم تقزيمها وتهميشها، ولم يدعُ أحد في القيادة الفلسطينية إلى طي رايات النضال، منتظرين الفرج ليأتي بالدولة من تلقاء ذاتها، بل كانت الدعوة من على المنبر الأممي، لمقاومة شعبية جماهيرية جارفة، تخافها إسرائيل، كما علمتنا التجربة.
لم ينتظر ناطقو حماس، حتى يتأملوا بفرحة الجماهير الواسعة في أنحاء الوطن وبأشطُرِه التي باتت متعددة، يبتره الاحتلال، ونبتره نحن أيضا "بسياساتنا"، وكيف أن فرحة الناس كانت تتزايد وهم يسمعون ذلك الخطاب التاريخي. فمن منا يذكر خطابا فلسطينيا قوطع بهذه الكثافة بالتصفيق؟. لقد كانت الأجواء مؤثرة، والمشاعر في أرقى درجات إنسانيتها، ونحن نسمع طلب ضم دولة فلسطين إلى عضوية الأمم المتحدة، لأول مرّة في تاريخ هذه المنظمة الدولية.
لم يجد أحد ناطقي حماس، سوى أن يقول إنه "خطاب فارغ المضمون"، وبماذا حضرة الناطق أثرى الخطاب الفلسطيني ليكون غنيا غزيرا يدفع بقضيتنا إلى الأمام. فهل كان حضرة الناطق، ومن دفعوه لهذا البيان البائس، يتوقعون من رئيس منظمة التحرير الفلسطينية أن يدعو العالم إلى الاعتراف بفلسطين "من الميّة للميّة، وإلا سنمطر إسرائيل بالصواريخ"، التي تعتبرها "حنجرة فلسطينية" واحدة، تارة "عبثية" نعتقل مطلقيها، وتارة "تحريرية" نبجل صانعيها.
ليست حركة "حماس" فصيلا صغيرا على الساحة الفلسطينية في الداخل والخارج، ولا أحد يستطيع إنكار حجمها، وبقدر هذه الجماهيرية تكون محاسبتها، محاسبة أشد. إن حركة حماس مطالبة بالتخلي عن عصبيتها الحزبية الضيقة المتزمتة، وأن تتمسك أكثر فأكثر بالمشروع الوطني الفلسطيني، وبالمزاج الشعبي الفلسطيني، وأن لا تتخوف من أن تكون معارضة بناءة، فهذا يضيف لها ولا يُضعفها.
لم أكن في أي يوم أسير دفاع، لا عن "سلطة عباس" ولا عن "سلطة عرفات"، ولا عن "سلطة حماس"، ولو كانت حركة حماس على قدر من المسؤولية، لقرأت بوضوح وبموضوعية تطورات الأشهر الأخيرة، ولرأت أنه أمام الضغوط الأميركية بالذات على قيادة منظمة التحرير الفلسطينية كي تتخلى عن مبادرتها، كان عليها أن تساند وتقف إلى جانب القيادة لا أن تقارعها من زوايا، هي فارغة المضمون، ولا تفيد، بل تدس أجواء الإحباط وتعكر الأجواء في الشارع الفلسطيني، ما ينعكس سلبا على مسيرة النضال.
أعترف بشكل صريح، أنني ذهلت من ثبات موقف القيادة الفلسطينية في وجه الضغوط الأميركية، وأعترف أيضا، أنه في مراحل معينة، بدأت أشكك في حقيقة ما يجري، لتتملكني للحظات نظرية المؤامرة، لأن ثبات الموقف في ظل موازين القوى القائمة عالميا يجعل الأمر معجزة.
وهنا يجب ان نسجل بعض الحقائق، فهذه ليست المرّة الأولى التي ترفض فيها قيادة م.ت.ف الضغوط الأميركية، بدءا من طلب تأجيل انتخابات 2006 لأن حماس ستفوز بها، وجرت الانتخابات وفازت حماس، ورفض الضغوط لمنع إقامة حكومة وحدة، والحكومة قامت وسقطت بانقلاب حماس، ورفض الضغوط للدخول في مفاوضات مع حكومة بنيامين نتنياهو في ظل هجمة استيطانية شرسة، ورفض الضغوط الضخمة لمنع طرح مشروع قرار على مجلس الأمن لاستنكار الاستيطان، وجوبه القرار بفيتو أميركي، وبين هذا وذاك سلسلة من المحطات.
إن المبادرة الفلسطينية لم تبن لنا الدولة، ولكنها أخرجت ملفات القضية من أقبية الدبلوماسية الدولية السُفلية، ورفعتها إلى رأس جدول الأعمال العالمي، وهذا ما جنّ جنون إسرائيل والحركة الصهيونية.
ورغم ذلك لنهتف: "فلتسقط سلطة عباس!!."

 

عن صحيفة "الغد" الأردنية

Barhoum.jaraisi@alghad.jo

قد يهمّكم أيضا..
featured

النضال ضد فكي كماشة يطبقان على البلاد: العنصرية وأباطرة المال

featured

الديمقراطية المغدورة!

featured

احداث (امبابة) والكارثة التي تهدد المجتمع المصري

featured

للمرأة في يومها العالمي تحية احترام وتقدير

featured

لا للعدوان على اليمن

featured

في يوم الأرض: نبني ونعمّر طيرتنا

featured

تعزيز يميني