يلاحظ في الآونة الاخيرة، في السنة الاخيرة وفي الاشهر الاخيرة، ان حصار العزلة الامبريالي، الامريكي خاصة – الاسرائيلي ومن بعض انظمة "الاعتدال" العربي السعودية والمصرية الذي كان مفروضا على النظام السوري لرفضه الخضوع لاستراتيجية الهيمنة العدوانية الامريكية – الاسرائيلية في المنطقة ولدعمه قوى المقاومة الوطنية اللبنانية وغيرها وتوثيق علاقاته مع النظام الايراني، حصار العزلة هذا ليس فقط انه فشل فشلا ذريعا بل الاهم من ذلك اقرار مختلف القوى الامبريالية وغيرها ان سوريا لاعب مركزي، قوة مركزية على ساحة التطور والصراع في منطقة الشرق الاوسط لا يمكن تجاهل مكانتها ودورها المؤثرين. الاقرار بحقيقة ان الوزن النوعي السياسي لدور النظام السوري المؤثر على الاحداث في حلبة الصراع الاقليمي قد ازداد. ومن اهم المؤشرات التي تؤكد زيادة اهمية الدور السوري في المنطقة ان الادارة الامريكية الجديدة برئاسة باراك حسين اوباما التي تجاهلت سوريا اثناء الجولات السابقة للمبعوث الرئاسي الخاص لدفع عجلة التسوية السياسية للصراع الاسرائيلي – الفلسطيني – العربي جورج ميتشل، حيث كان يقتصر الزيارة والمحادثات مع المسؤولين في حكومة اسرائيل ومعالسلطة الوطنية الفلسطينية ورئيسها محمود عباس. كما ان الرئيس اوباما اجرى في الغرفة البيضاوية في "البيت الابيض" بواشنطن محادثاتمع المسؤولين من حكام اسرائيل ومصر والاردن والسعودية، والسلطة الفلسطينية ولكنه استثنى سوريا ولم يدع الرئيس بشار الاسد للمحادثات وقد اتضح لقوى التحالف الامبريالي ان موقع سوريا ودورها على حلبة الصراع اقوى من تجاهلهم، فسريعا حاولوا تقويم الموقف، وتحولت العاصمة السورية في الاشهر الاخيرة الى عنوان للكثيرين من المسؤولين واعضاء الكونغرس الامريكي، والمبعوث الخاص للرئيس الامريكي جورج ميتشل لم يتجاهل سوريا في جولته الاخيرة واجرى محادثات مع الرئيس السوري بشار الاسد. ونتائج الانتخابات اللبنانية والايرانية عكست حقيقة انه لا يمكن تجاهل سوريا. فرغم فوز قوى الموالاة من المعدودوين على الولاء للاستراتيجية الامبريالية باغلبية مقاعد البرلمان اللبناني الا ان هذه القوى تدرك جيدا انه لضمان الامن والاستقرار والسلم الاهلي في لبنان فلا مفر من توفير مناخ التفاهم والتعاون مع المعارضة التي في مركزها المقاومة اللبنانية وحزب الله. ولعل المصالحة التي تمت بعد عداوة وقطيعة لأكثر من ثلاث سنوات بين رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي واحد قادة مجموعة الرابع عشر من اذار البارزين وليد جنبلاط وبين الامين العام لحزب الله الشيخ حسن نصرالله، لهذه المصالحة اكثر من مدلول سياسي هام، فهذه المصالحة تخدم المصلحة الوطنية اللبنانية لتوفير الامن والاستقرار والتعاون بين مختلف القوى اللبنانية، كما ان تحسين العلاقة مع حزب الله يعتبر البوابة لتحسين علاقة تيار جنبلاط وغيره مع سوريا ومع ايران، خاصة وان وليد جنبلاط كان من اوائل من بادر بتهنئة الرئيس الايراني محمود احمدي نجاد لنجاحه الباهر في انتخابات الرئاسة الايرانية. كما انه لا يمكن تجاهل الجهود المبذولة على الساحة العربية لرأب صدع الخلافات القائمة بين بعض انظمة "الاعتدال" العربي وخاصة بين النظامين المصري والسعودي وبين سوريا واسقاطات ذلك على الوضع المأساوي الفلسطيني فلقاء الرئيسين الجزائري بورقيبة والليبي معمر القذافي في القاهرة مع الرئيس المصري حسني مبارك يهدف الى تحسين العلاقات المصرية – السورية كخطوة تساهم في بلورة مكبس ضغط عربي لتجاوز حالة الانقسام الفلسطينية الكارثية وانجاح حوار الوحدة الوطنية الفلسطينية لمواجهة تحديات الرفض الاسرائيلي لتسوية سياسية تجسد ثوابت الحقوق الوطنية الفلسطينية غير القابلة للتصرف، الحق في الحرية والدولة والقدس والعودة.
وحكومة نتنياهو اليمينية تدرك جيدا مكانة ودور سوريا الهامين ان كان في الموقف من ايران او من القضية الفلسطينية، وفي الظرف الراهن حيث ان حكومة اعتى اعداء السلام من قوى ارض اسرائيل الكبرى لا تخفي موقفها المعارض لحل دائم مبني على الاقرار والالتزام الاسرائيلي بتنفيذ استحقاقات التسوية العادلة، الاعتراف بالحق الوطني الفلسطيني المشروع بالحرية والدولة والقدس والعودة في هذا الظرف الذي يستفز فيه المحتل الاسرائيلي الرأي العام العالمي بمواصلة الاستيطان والعقوبات الجماعية ضد الشعب الفلسطيني في المناطق المحتلة، في هذا الظرف ولصرف انظار العالم عن مسؤوليتها في عدم زحزحة عجلات التسوية مع الشعب الفلسطيني تلجأ الى المناورة بالايحاء عن استعدادها لاستئناف التفاوض مع النظام السوري.
وحقيقة هي ان النظام السوري قد اعلن مرارا وعلى لسان رئيسه بشار الاسد ان سوريا على استعداد لاستئناف المفاوضات غير المباشرة مع حكومة اسرائيل عبر الوسيط التركي، وان تبدأ المفاوضات من النقطة التي وصل اليها الطرفان في عهد اولمرت. فقبل نصف سنة اجريت في اسطنبول التركية اربع جولات من المفاوضات غير المباشرة، وتوقفت بعد ان تحدد موعد تقريب الانتخابات البرلمانية للكنيست في اسرائيل.
ان حكومة الكوارث اليمينية تخطط عمليا لدفن احتمال استئناف التفاوض غير المباشر مع سوريا قبل بدئه وذلك من خلال الشروط الاملائية التي تطرحها على الطرف السوري. فحسب ما ذكرت صحيفة "يديعوت احرونوت" يوم الجمعة 19/6/09 ان رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو ابدى رغبته في استئناف المفاوضات مع سوريا عبر الوساطة التركية ولكن مع التأكيد ان حكومة برئاسته لن تنسحب من الجولان"، أي تسوية ليس على اساس مبدأ الارض مقابل السلام الذي ايدته اسرائيل في "مؤتمر مدريد للسلام" في العام 1991، والاستعاضة عن هذا المبدأ الذي يلزم المحتل بالانسحاب من هضبة الجولان السورية المحتلة الى حدود الرابع من حزيران السبعة والستين من القرن الماضي، الاستعاضة عنه بالبديل الاستعماري "السلام مقابل السلام"، والذي يردده كذلك المأفون الفاشي العنصري افيغدور ليبرمان وزير الخارجية في حكومة نتنياهو، فمن حيث المدلول السياسي فان "السلام مقابل السلام" يعني ان تتنازل سوريا عن السيادة السياسية الاقليمية للهضبة السورية للمحتل المستعمر الكولونيالي الاسرائيلي ومقابل ذلك توفر الامبراطورية الاسرائيلية لسوريا الامن والسلام واغداقها بمنجزاتها الاسرائيلية الصناعية التكنولوجية والعلمية والزراعية!!
ومن الشروط الاملائية التي تطرحها حكومة نتنياهو اليمينية لاستئناف التفاوض عدم البدء من النقطة التي وصلت اليها المفاوضات غير المباشرة ايام حكومة ايهود اولمرت. فالرسالة التي وصلت عبر الوسيط التركي من حكومة نتنياهو الى النظام السوري تؤكد ان حكومة اسرائيل "لن تجيب بالموافقة على الطلب السوري ببدء المحادثات من النقطة التي توقفت عندها ايام حكومة اولمرت"!
اضافة الى ذلك، وكما جاء في صحيفة "يديعوت احرونوت" (التاريخ ذاته) "انه في الاوساط المحيطة بنتنياهو يجري فحص ايجاد بديل لتركيا كوسيط، ان تدعى فرنسا مثلا للقيام بهذه المهمة. ويكمن السبب لذلك في حقيقة ان البرودة قد اصابت العلاقات بين تركيا واسرائيل في السنة الاخيرة، بينما ارتفعت حرارة العلاقة المتينة بين سوريا وتركيا، ونحن نقول في الجهاز السياسي اننا معنيون بطاولة نظيفة مع السوريين". فتركيا النظام والجماهير رانت بشدة حرب الابادة الاسرائيلية وما ارتكبه المعتدي الاسرائيلي من مجازر همجية وجرائم حرب ضد البشر والحجر والشجر في قطاع غزة، وتضامنت مع الشعب العربي الفلسطيني ضحية هذا العدوان.
ان نتنياهو يستهدف ان تكون المفاوضات مع سوريا شبيهة بالمفاوضات التي كانت جارية مع الفلسطينيين، مفاوضات "طحن ماء"، دون التوصل الى أي تقدم في القضايا الجوهرية للصراع، ونتنياهو وحكومته يريدون التفاوض مع سوريا على عدد من القضايا مثل بعض اشكال تطبيع العلاقات التجارية الاقتصادية، قضية المياه والمحاصصة في التوزيع بين سوريا واسرائيل والاردن ولبنان وغيرها ولكن دون البدء بالتفاوض حول الانسحاب من الجولان.
وعمليا لا يوجد انسجام في الموقف بين نتنياهو وحكومته من جهة وبين وجهة نظر رؤساء الجهاز الامني الاسرائيلي. فحسب رأي المسؤولين في الجهاز الامني انه على اسرائيل العمل للوصول الى اتفاق مع سوريا ودفع كل الثمن المطلوب بالانسحاب من هضبة الجولان السورية مقابل ان تقطع سوريا علاقتها الاستراتيجية بايران وبقوى المقاومة اللبنانية والفلسطينية وان تتوقف سوريا عن تهديد اسرائيل بصواريخ ارض جو!! وبالطبع فان نتنياهو وحكومته يتمسكان بموقف عدم الانسحاب من الجولان.
وما نود تأكيده في نهاية المطاف ان سوريا تدخل في اطار استراتيجية السلام الاقليمي الامريكي المبني على اساس اطار تحالفي تطبيعي للعلاقات الاسرائيلية – الفلسطينية العربية المعتدلة تقوده الامبريالية الامريكية. وان المحك لنجاح اقامة هذا المشروع الامبريالي مرهون بطابع حل القضية الفلسطينية ومدى تدجين النظام السوري في تحالف هدفه مواجهة القوى المناهضة والمقاومة للهيمنة الامبريالية – الاسرائيلية للمنطقة، مواجهة النفوذ الايراني والقوى العربية الممانعة لاستراتيجية السيطرة الامبريالية – الاسرائيلية. فهل سيخضع النظام السوري للاملاءات الاشتراطية بفك عرى العلاقة الاستراتيجية مع ايران وطرد قادة بعض فصائل المقاومة الفلسطينية من دمشق وعدم دعم المقاومة اللبنانية وحق الشعب الفلسطيني بالتحرر والسيادة الوطنية!! نأمل ان تبقى سوريا متمسكة بالهوية الوطنية التقدمية وبتعزيز العلاقة الاخوية والتنسيقية التضامنية مع الشعب الفلسطيني وممثله الشرعي والوحيد م.ت.ف
ما نود تأكيده ان موقف حكومة قوى اليمين المتطرف والفاشية والترانسفيرية العنصرية الاسرائيلية برئاسة نتنياهو – ليبرمان – براك من قضية التسوية السياسية مع سوريا هو موقف عدواني مغامر معاد للسلام العادل ومدلوله السياسي مواصلة التوتر والصراع الذي قد يقود الى انفجارات كارثية مخضبة بالدماء النازفة من شرايين الصراع، موقف يجب مواجهته ودفنه.
