بعدما قرّرت الخروج للتقاعد، بعد عشرات السنين من عملي في سلك التعليم، اتخذت قرارًا آخر يتلخّص في أن أخصّص جلّ وقتي وطاقتي لخدمة الناس الذين عملت بينهم وكنت واحدًا منهم، أعرف همومهم واحتياجاتهم وقضاياهم وحقوقهم، وأن أعطي كلّ ما أستطيع كي أرفع صوتهم وأساهم في تحسين ظروف عملهم خلال كلّ المراحل.
أدرك تمامًا حجم المسؤولية وكمّ العطاء الذي عليّ أن أوفّره لأقوم بدوري، وأنا جاهزٌ لذلك، ليس فقط لأنني معتادٌ على التطوع والعطاء، بل لأني أومن بعدالة ومصيرية حقوق المعلمين وكرامتهم، هذا ما يشغلني وهذا ما سأشتغل به.
أومن بأنّه لا يضيع حق وراءه مطالب، وبأنّ الحقوق ليست منّة من أحد، وبأنّ تغيير نمط التفكير والتعامل مع الأمور والجمهور سيغيّر الواقع، كل ما نحتاجه هو تغيير التوجه القائم للمعلمين والمعلمات ووضع قضاياهم وإنسانيتهم ودورهم في المركز.
أرفض أن ينتظر المتقدمون للعمل في سلك التعليم ساعات طويلة تحت حرّ الشمس في "خيمة الانتظار"، وأرفض أن تتحول مسألة خروج المعلّم للتقاعد مسألة مذلة تحتاج إلى تدخلات عليا، وأن تبقى فعاليات الترفيه والاستجمام حكرًا على مجموعات معينة قريبة من الكعكة.
لا نهضة لأي مجتمع دون نهضة جهاز التعليم فيه، وهذا الجهاز مرتكز على المعلمين كقوة بشرية وعلمية وتربوية وثقافية، وعطاؤهم مرهونٌ بتوفر مقاييس عادلة ومهنية في اختيارهم، وفي تحسين أجرهم، وتوفير الميزانيات المتساوية للتعليم العربي، وتوفير الاحتياجات والوظائف وساعات العمل المعقولة، وضمان كرامتهم وأمنهم، والتعاطي الصحيح مع المعلمات الأمهات.
أنا أعي جيدًا قضايا المعلمين لأنني منهم وفيهم، قاسيت من المشاكل واستفدت من الخدمة الإيجابية، أعرف جيدًا الضغوط التي يعيشها هذا القطاع المركزي في مجتمعنا والتدهور الحاصل في مكانة المعلم، واعتقد أنّ الوضع لن يتحسّن إلا إذا قام المعلم لنفسه وأوفاه التبجيل وعرف أنه إذا كاد أن يكون رسولا فهذا لأنه يحمل رسالة، رسالة لن يوصلها إلى عنوانها الصحيح إلا إذا كانت طريق عمله معبدة بالحقوق والكرامة والمساواة.
وأقول بصراحة، أنا لا أخوض الانتخابات ضد أحد، بل مع الجميع، نحن بحاجة لعمل جماعي ونقابي لمصلحة المعلمين، وآخر ما نحتاجه هو مزيد من الحساسيات والتفرقة، سأتعاون مع كلّ الأطراف من أجل المعلم، لأننا جميعًا زملاء، ومن يؤمن بالديمقراطية وخيارات الجمهور عليه أن يطبقها حتى النهاية لمصلحة هذا الجمهور.
للمعلمين صوت وحقوق، سنرفع معًا هذا الصوت لنحصّل هذه الحقوق!
* كاتب المقال المرشح الأول في قائمة الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة لنقابة المعلمين في فرع الناصرة.
