باكستان والحرب على الإرهاب: قفز في المجهول

single

عندما وقع اعتداء مومباي الإرهابي، لم يجد رئيس الشرطة الهندي في تلك المدينة حرجا من أن يقول، ومن دون تأن، إن "هذا الاعتداء دبر في باكستان"، وكذلك عندما وقع اعتداء لاهور الإرهابي على فريق سريلانكا، لم يتردد مسؤولون باكستانيون في القول وبسرعة، ان الهند تقف وراء هذا الاعتداء. الاتهام في المناسبتين كان جاهزا، ومعدا سلفا، مما يوضح بشكل لا لبس فيه حقيقة العداء المستحكم بين البلدين، وكذلك يوضح خطورة هذا العداء ومدى سهولة استخدامه لإشعال حرب ضروس بين جارين نوويين. والناظر لما جرى في البلدين، بإمكانه أن يرى مدى خطورة الوضع وكيف يستطيع الإرهاب الاستفادة من نقاط الضعف لإرباك العالم، ولنقل المعركة من طور بسيط النزاع الى طور معقد ومركب، قلما شهده الناس في العصر الحديث. هذا بالفعل ما يخشاه صناع القرار في اميركا والغرب، وكذلك في اماكن اخرى من العالم.

يبدو ان ادارة الرئيس الجديد باراك اوباما، مع ادراكها لحساسية الوضع الباكستاني وهشاشته، لا تزال تصر على متابعة حرب بوش في افغانستان، والضغط على باكستان من اجل الاستمرار في التحالف الذي جر هذا البلد الى مواجهات داخلية، ولا يزال يجره الى مواجهات اعظم، قد تجعل باكستان دولة فاشلة بحق. لقد شدد اوباما، في نقده لسياسة سلفه، على انه ركز على العراق وتجاهل افغانستان التي وفد منها الخطر على اميركا، وأنه لا بد بالتالي من تصحيح المسار، بنقل المعركة الى افغانستان وملاحقة حركة «طالبان» في الاراضي الباكستانية. ويرى اوباما أن القيادة الباكستانية جاهزة لتأييده وحشد قواها العسكرية والمخابراتية لإنجاح خططه. وبما ان المخططين والخبراء والعسكريين يرون انه لا يمكن تحقيق نصر على «طالبان» في افغانستان من غير ضمان وقوف باكستان الى جانب الولايات المتحدة، فقد اصبح لازما على اية خطة للرئيس الاميركي ان تدرج باكستان فيها، من دون أي اعتبار وتقدير لما يواجهه قياديو ذلك البلد من مصاعب. ولسوء حظ باكستان، فالقيادة الجديدة، التي خلفت القيادة العسكرية، تتميز بالضعف، وغياب القرار، والصراع المحموم على السلطة، ولا تملك الرؤية الكافية لمواجهة المطالب الاميركية، ولا الارادة السياسية لخوض المعركة حتى نهايتها. فالرئيس الباكستاني آصف زرادي منهمك اكثر في المشاكل الداخلية وصراعه مع نواز شريف، وامكانية فتح التحقيق من جديد في ملفات فساد سبق ان اغلقتها تسويات سياسية عقدتها زوجتة الراحلة بناظير بوتو مع الرئيس مشرف، ولا يود زرادي فتحها لأنها قد تعني نهايته السياسية.
هكذا تجد القيادة الباكستانية نفسها بين المطرقة الاميركية وسندان تعقيدات الواقع الباكستاني المحلي؛ فلا هي قادرة على رفض مطالب واشنطن، ولا هي قادرة على حسم الصراع الداخلي، وفرض الامن وهيبة السلطة. فإسلام آباد بدأت تدرك ان للقوة حدودا، وان معارك الجيش في المنطقة القبلية المعروفة باسم "سوات" اظهرت قدرة المسلحين والمتمردين على صد الجيش، واستعادة مناطق من يده، والتمدد باتجاه المدن الرئيسية. لقد فتحت معركة الارهاب صراعا داخليا بين الدولة ومكونات الشعب، ولم تعد القيادة العسكرية تملك الحل العسكري، ولا القيادة المدنية الحل السياسي المشرف. لقد نكأت الحرب على الارهاب جرحا قديما، ولم يعد بالامكان معالجة الجرح بالتمني والمراوغة، لأن الاستمرار في السياسة القديمة معناه السير بالبلاد نحو الهاوية، ونهاية بلد تأسس في الاصل من اجل خدمة المسلمين.
ولما تيقنت للعسكر صعوبة الحسم، وتبين للقيادة المدنية ان الخيار ليس سهلا، كان الحل الاسلم عقد تسوية مع القبائل والسماح لها بتطبيق الشريعة الاسلامية والانسحاب العسكري من تلك المناطق. هذا الحل فرضته الظروف، اكثر مما فرضته الرؤية السياسية او القدرة العسكرية. لكنه، مع ذلك، يتعارض تماما مع السياسة الاميركية، مما يعني ان ثمة تصادماً آتياً لا بد منه بين الرؤية الباكستانية والرؤية الاميركية. ومما يزيد الوضع صعوبة، ان الجيش الباكستاني، الذي هو اساس في الخطة الاميركية، منقسم على نفسه ازاء الحرب الدائرة على الارهاب. ويرى ضباط كبار ومن مراتب وسطى ان الرئيس برويز مشرف قد ارتكب خطأ استراتيجيا بزج الجيش في حرب لا علاقة له بها، وانه بذلك غيَّر من دون تشاور او ترو عقيدة الجيش الباكستاني، من اعتبار الهند العدو الى اعتبار الارهاب هو العدو الجديد. كذلك يرى العسكر ايضا ان الحرب على الارهاب ادخلت باكستان في دوامة العنف، مع أنه لم تكن لأي باكستاني يد في اعتداء 11 سبتمبر. يضاف الى ذلك ان الحرب على الارهاب استدعت من مشرف ان يقلص صلاحيات وقوة المخابرات الباكستانية القوية وذلك تخوفا منها واستجابة لاحتجاجات واشنطن التي كانت تصر على ان بعض عناصرها متعاطف مع المتشددين. وقد عمد مشرف الى تخفيف موازنة المخابرات ونقل ضباطاً مؤثرين الى قطاعات عسكرية وسرّح بعضهم، مما ساهم في اضعاف الجهاز واعاقة تطوره وقدرته على تتبع الخطر النازل بالبلاد.
ثمة خطر حقيقي على باكستان لأنها دولة تعاني من متناقضات داخلية وضغوط خارجية لا تنسجم مع الاوضاع الداخلية، ناهيك عن وضعها الاقتصادي الصعب. وليس من باب المبالغة القول ان باكستان من دون مساعدة صندوق النقد الدولي وبعض الدول الصديقة لما تمكنت من دفع رواتب موظفيها او على الاكثر الوفاء بوظائف الدولة كاملة. وقد يرتكب الاميركيون خطأ استراتيجيا إذا استمروا في الضغط على الجرح الباكستاني، وتابعوا سياسة استغلال الوضع الاقتصادي من اجل لي ذراع باكستان وحملها على خوض حرب النصر فيها لا يقل خطورة عن الهزيمة.
قد يبدو صعبا تصديق ما تبذله الادارة الاميركية الجديدة من جهود من اجل تغيير الوضع على الارض في افغانستان، لأن الماضي لا يمكن عزله عن المستقبل، ومن لا يتعظ بماضيه لا يعرف مستقبله. وقد اكدت دراسة اعدتها مؤسسة «راند» الاميركية انه "كلما زاد عدد الجنود في افغانستان كلما كانت النتائج اسوأ". وقد تبين للاتحاد السوفياتي من تجربته على ارض افغانستان، رغم قمعه وقتله ما يزيد على المليون والنصف مليون افغاني، انه من المستحيل الانتصار في تلك الارض. وقد سبقه لذلك الاسكندر المقدوني وبعده الامبراطورية البريطانية.
ومهما يكن من امر زيادة الجنود الاميركيين التي وعد بها اوباما فإن الوضع لا يمكن ان يتحسن باستراتيجية عسكرية، وقد اكد ذلك احد قادة الجيش السوفياتي، بوديس غورمون، بقوله "علمتنا التجربة في افغانستان درسا قيما انه لا يمكن ابدا حل مشكلة سياسية بالقوة العسكرية". وهذه الحكمة وعتها دول كثيرة، ومنها المملكة العربية السعودية، التي تعاملت مع الارهاب كظاهرة لا يمكن مكافحتها بالقوة، بل بوسائل متنوعة من اقناع واغراء وعطف، لكي تحقق المرجو. لكن الادارة الاميركية السابقة، والجديدة على ما يبدو، مصرة على تجريب وصفات قديمة ثبت فشلها، وعازمة على خوض الحرب الى نهايتها، والزج بباكستان في حرب، لن يخرج منها احد بفوز مبين. ثمة خطر على باكستان، والاصرار على زجها بالقوة معناه دفع هذا البلد للقفز قسرا في المجهول.

* كاتب لبناني

قد يهمّكم أيضا..
featured

خطّة إسرائيل هي دولة لقوات الأمن، فما هي خطّتكم؟

featured

ليصدر تعليماته لنفسه وزمرته!

featured

التضامن الفعلي مع غزة

featured

أميركا تحوّل رومانيا إلى كبش فداء

featured

"الضمّ" بضوء أخضر أمريكي!

featured

لإسقاط التحريض المذهبي الاسرائيلي

featured

رسالة الى فتاة عربية مجنّدة: لنبعث البِشر في نفوس الناس