قرار اللجنة الوزارية الاسرائيلية لشؤون التشريع، أمس، بالمصادقة على قانون ضم منطقة الأغوار الفلسطينية، أي تأبيد احتلالها واستيطانها، يؤكد مجددًا نوايا وغايات وحدود رؤى حكومة اليمين وتوابعها. وهذه تتلخص إجمالا في رفض عميق (ومُعلن!) لأية تسوية سياسية ذات مضمون مع الشعب الفلسطيني. فهذا القانون هو بمثابة ذروة في "الوقاحات الاستيطانية" التي تصدر عن هذه الحكومة بوتائر عالية جدًا، على الرغم من المفاوضات الجارية، بل بالتزامن معها بالذات.
لكن هذه الخطوة تختلف من جهة أخرى أيضًا عن سائر مشاريع السيطرة الاستيطانية "المحدودة"، والتي تلاقي عادة نقدًا أمريكيًا وأوروبيًا كلاميًا فقط، دون ممارسة ضغوط حقيقية لوقف هذا الصلف الاسرائيلي. مسؤول ملف المفاوضات الفلسطيني د. صائب عريقات رأى أمس في القرار الاسرائيلي "تدميرًا لجهود المفاوضات وجهود وزير الخارجية الامريكي جون كيري تحديدا". وبالطبع، فهذا القرار الاحتلالي هو تدمير للمفاوضات بالفعل، ولكنه لا "يدمّر جهود" كيري بقدر ما يتلاءم معها!
فالمصادقة على قانون تأبيد احتلال الأغوار جاء عمليًا بضوء أخضر أمريكي، يتمثل فيما يسمى "الخطة الأمنية" التي صاغها وزير الخارجية الأمريكي. وهي خطة رفضها الجانب الفلسطيني بشكل رسمي ومفصّل بواسطة رسالة الى الرئيس الأمريكي براك أوباما، لأنها خطة تشمل السيطرة الأمنية الكاملة لاسرائيل على الحدود مع الاردن وتحليق طائرات دون طيار في سماء الضفة الغربية. وقد اعترف جيش الاحتلال، بواسطة إذاعته، بأن خطة كيري الأمنية "استجابت لكافة الطلبات الأمنية الاسرائيلية المتعلقة بالحدود مع الاردن وغور الاردن".
يجب العودة الى التأكيد والتذكير بشكل مستمر ودؤوب بأن الأمريكي ليس "راعيًا نزيهًا" بل إنه منحاز مسبقًا الى جهة مصالح الاحتلال الاسرائيلي، وإنْ تم تسمية هذه المصالح بـ "الأمن" ومشتقاته التضليلية.. فلم تمض شهور قليلة على الجولة الراهنة من المفاوضات حتى كشفت واشنطن الرسمية عمق التنسيق والتوافق بينها وبين حكومة نتنياهو. وحتى لو خرجت انتقادات خجولة لهذا القرار الاسرائيلي العدواني، فلا ينظف هذا ساحة واشنطن التي تصوغ "خططًا أمنية" على مقاس الاحتلال الاسرائيلي بالذات، وليس على مقاسات العدالة أو التكافؤ أو السلام الحقيقي. لذلك، وكما أكدنا هنا أمس: يجب الاستعداد فلسطينيا للآتي من خلال "استراتيجية ما بعد هذه المفاوضات". وهي استراتيجية تقوم بالأساس على عناصر القوة الوطنية الثلاثة: المصالحة الوطنية، المقاومة الشعبية والمبادرة الدولية.