كان ذلك قبل سنة .. فقد تعرفت عليه بين كانونين- الأول من سنة 2008 والثاني 2009. كان ذلك في قبرص ببيت صديقة مشتركة طالما تاقت إلى ذلك التعارف، ولم تسنح الظروف . حدث ذلك بين كانونين حين كانت حرب "الرصاص المسكوب" فوق غزة . وهو يكابر في الغربة وأنا أصابني الخرس لمدة ثلاثة أيام، ولم ينطلق لساني إلا بعد المشاركة في مظاهرة ضد هذه الحرب الإسرائيلية القذرة والمشاركة في تحميل صناديق الأدوية على "قارب الكرامة" المتوجه إلى غزة .
في فترة الخرس وعلى فنجان نيسكافيه، ترجم لي عن اليونانية قصيدة كتبها له صديقه الشاعر اندري خريستونيدو اندرونيادو . تقول القصيدة:
حدثني صديقي الفلسطيني عن وطنه المفقود.
قال متذكرا أمه يوم ولدته بتلك السنة الكبيسة
حين شطب اسم بلاده من على الخارطة:
يوم منحته أمه الحياة ولم يكن بعد واضح المعالم
أخذتها الذكرى إلى أريحا.. وفي حضنها رضيع
تحت الشمس لهيب يذيب الصخر
جبينها يتفصّد عرقا والهاجرة تمارس لعبتها المحمومة
فوق أرض المتوسط.. تقذف الحمم بدل الشعاع.
هكذا وصف لي صديقي ولادته في ذلك الصيف الأصفر.
ما زال ذلك الرضيع يرتحل في قماطه مثل يسوع منذ قرون ومثل المسيح يتجول على ذات الأرض.
ما أخشاه هو أن يكون هذا الترحال هروبا من موت غير عادل أو من خطر القتل لنفس بريئة.
صديقي هذا بلا تاريخ ميلاد، لكنه بهوية يعلنها منذ ضياع بلاده ..
فلسطين .. الشبح الذي يرهب المحتل.
مع هذا قال لي صديقي انه سيعيش في كل مكان يقبله! لكنني لم أصدق .. لم أقتنع. فالإنسان ينتمي للأرض التي ولدته وللوطن بين جوانحه.
لأن التاريخ دائري.. لا ينتهي حتى لو اكتملت الدائرة!
إلى هنا القصيدة . ولا من نقطة ولا من سطر جديد. أعطى الشاعر اسما لها: مواطن عالمي، لكنني أضفت علامة السؤال. من الممكن أن تكون مواطنا عالميا حين تريد.. طوعا لا قسرا ولا اغتصابا. كذب الشعراء ولو صدقوا.. كذب الأصدقاء ولو صدقوا.. الشاعر لم يصدّق صديقنا المكابر حين قال: أنا أعيش في أي مكان يقبلني. حين تطرد من وطنك تحمله معك بين جوانحك ، تكافح من أجل العودة، ولن تنساه أبدا.. فإن لم تعش فيه عاش فيك كشوكة في الخاصرة.
نقطة وسطر جديد!
