"أخذها الثّوار" فأرْغوا وأَزْبِدوا

single

في النّقاش المثمر والبنّاء الّذي دار في قاعة الكليّة الأرثودكسيّة العربيّة بعد المحاضرة الّتي قدَّمتُها بعنوان "فلسطين عشيّة النّكبة"، بدعوة من لجنة خرّيجي الكلّيّة، طرح أحد الحضور سؤالاً عن تصفية حسابات كانت خلال ثّورة 1936، وكانت إجابتي أنّ الثّورة الّتي بدأت بحركة عز الدّين القسّام وأنهكت الانتداب البريطاني في اضراب السّتة أشهر،  وجرت فيها أكثر من خمسة آلاف عمليّة عسكريّة صغيرة وكبيرة، والّتي حارب فيها الشّعب الفلسطيني ببسالة رغم الإمكانيّات المتواضعة الّتي كانت بحوزته، تعتبر من أعظم ثورات الشّعب الفلسطيني، ولا يمكن أن تُصبغ بهذه الصّبغة بسبب تجاوزات لا يمكن إنكارها حدثت، خاصّة في السّنة الأخيرة من الثّورة وطالت أحياناً شخصيّات وطنيّة كمحاولة اغتيال طيّب الذّكر ينّي ينّي.
بعد يومين من المحاضرة كنت في زيارة لمسقط رأسي، أبو سنان، وزرت خالي الشيوعي العريق جمال مطانس، أبو غازي، وفي سياق الحديث سألته عن ثورة 1936، فسرد لي واقعتين كمثالين لنضال وتضحيات وجَلَد أبناء شعبنا العربي الفلسطيني في مقارعة الاستعمار البريطاني في هذه الثّورة. أوَّلهما، وكان شاهد عيان عليها، ما حدث مع طيّب الذّكر حبيب شاهين، أبو نمر، الّذي دهمت بيته دوريّة إنجليزيّة لمصادرة بندقيّته، وكان ابنه، ذيب، قد أخذها، وسألوه عن البندقيّة فأجابهم :" أخذها الثّوّار"، فغضبوا وأرغَوْا وأزبدوا صائحين،  قُلْ "أخذها الزّعران"، ولمّا أصرّ على رفضه قول ما يهين شعبه وثورته المجيدة، ربطوا رجليه بحزام البندقيّة ورفعها جنديَّان، وبدأ ثالث بالضّرب بالخيزرانة في محاولات فاشلة لإذلاله وكسر شموخه وإبائه، وإرغامه على قول "أخذها الزّعران". رغم الألم والمعاناة بقي أبو نمر صامدًا شامخًا كسنديان الوطن، ولم يحِدْ أبناؤه واحفاده بعده عن طريق النّضال يومًا.
أمّا الثّانية، فأذكر أنّ والدي حدّثني عنها، وذكّرني بها خالي، وهي استشهاد طيب الذّكر سعدو موسى، الّذي ما أنْ سمع بأنباء معركة في الّليّات قرب مجد الكروم، حتى دبّ فيه الحماس فحمل بندقيّته وأسرع للمشاركة في المعركة وليس معه سوى رصاصات قليلة، ممنّيًا النّفس بقتل عدد من الجنود الانجليز، إلا أنّ طائرة بريطانيّة قامت بإطلاق نيران رشّاشاتها، فاستشهد عدد من الثّوار ومن بينهم سعدو موسى.
هذه هي ثورة الطّبقة الكادحة المسحوقة وما ذكرته في صباحيّتي ما هو الا مثال لآلاف المناضلين الفلسطينيّين من قرانا ومدننا الفلسطينيّة الّذين شاركوا فيها، فصباح الخير لذكراهم العطرة ولكل أبناء شعبنا، أبناء وأحفاد هؤلاء المناضلين، في الوطن وفي المهاجر الّتي لا بدّ أن يعودوا منها إلى أرض آبائهم وأجدادهم رغم أنف الغاصبين.
قد يهمّكم أيضا..
featured

مِن قاسيونَ اطِلُّ يا وطني

featured

الأردن لم يعد كما كان

featured

أزمة الحراك الشعبي والأسلمة السياسية

featured

ترامب العرب: المقايضة الكبرى أم الخيبات الكبرى؟

featured

افتتاح المدارس في ظل التمييز ضد التعليم العربي - إلى متى؟

featured

أوباما - تحدّيات مزدوجة: الإرهاب وإسرائيل

featured

ليلة مع الاسرى في زنازينهم

featured

أطفالنا لا يعرفون حليب الجدْي