الصفحة الأولى من مقدمة الطبيب العربي مكتشف الدورة الدموية الصغرى أبو الحسن علاء الدين الدمشقي، صاحب لقب إبن النفيس، (607هـ/1213م- 687هـ/1288 م)
** العلاج، الوعي!
نحن نحبُّ الحياة لأننا نعيشها ونعرفها ونكره الموت لأننا نجهله، برغم أنَّه ظاهرة طبيعية.. نهاية طبيعية يُدركها الحصيف، والخوف منه راجع إلى الجهل، فلا هو شرٌ ولا هو خير، رُبما هو التحرر من كل آلامنا ونها يتها. حين يكون لحياتنا معنى ولموتنا معنى نكون سعداء، كما هي حالتي وتجربتي. الموت في الواقع هو تمام حد الحياة، ويساوي بين الناس. ومن لا يدرك معناه يخافه، إننا نخاف من المجهول، والعلاج هو الوعي والعلم بطبيعة الأشياء.
الأبهر هو الشريان الرئيسي الذي يخرج من القلب، والذي يضخّ القلب عبره الدم إلى سائر أنحاء الجسم، ويُسمّى باللغات الأجنبية الأورطي. وحين يتضخّم سي أبهر ويصبح ثلاثة أضعاف حجمه الطبيعي مثلًا، يرقّ جداره، ويزداد رِقَّةً حتى ينفلق ويكون عُرضة للإنفحار ويسبِّب الموت الفجائي، نتيجةً لدفق الدم العالي. ولتضخّم سي أبهر هذا لا توجد أيَّة أعراض، ولا ترافقه أيَّة أوجاع، كما حدث لي، وإن ثمانين في المئة من حالات اكتشافه تكون عن طريق الصُّدفة، وهو عادةً ما يكون وراثيًا. وقد أسميتُه سيّد أبهر لأنَّه أكبر الشرايين وأضخمها وسيّدها. وكانت الصُّدفة أنني حين ذهبتُ لفحص كِليتي تمَّ اكتشاف هذا التضخُّم في هذا السيِّد الأبهر المؤدّي إليهما، وكذلك في فروعه الموجودة في البطن عند السُّرة حتى منطقة ما بين الفخذين.
أدرك الأطباء في المشفى الإنجليزي حرج الموقف وجديَّته، فوضعوني تحت المراقبة. وعندما أدركوا لا مبالاتي، شرحوا لي خطورة الموقف، وحيث أنهم لم يقوموا في السابق بمثل هذه العمليات، خيَّروني في نقلي إلى أي من مستشفيات البلاد التي تُجرى فيها مثل تلك العمليات. وصارحوني أنَّ نسبة النجاح عشرون بالمئة. أصرّوا أن ينقلوني وأنا أصررت على البقاء عندهم وأن يجروا العملية عندهم، لأنه دائمًا هنالك أول مرّة. لقد كانوا مرتابين من خطورة الموضوع! سألوني لماذا أنا مصرٌ؟ قلتُ: لأنني أثق بكم. لأنني واثقٌ من أنّكم ستنجحون. كان لهذه الكلمات وقع السحر والدهشة والفجأة. عادةً يشجع الأطباء ُ المريضَ وهنا كان العكس، إمتلأوا بالطاقة الإيجابية، وحسِبوا أنَّها شجاعة منّي، بيد أنه في الواقع أنا حسبتها صح! وكيف كان ذلك؟ لم أكن كلاعب النرد، كنت مليئًا بالطاقة الإيجابية التي أشعّت إلى الخارج وانتقلت إليهم واحدًا واحدا! قلتُ في نفسي: لو لم تُكتب لي الحياة لما تمَّت صُدفة الاكتشاف ـ ثُمَّ إنَّه إذا قُدِّر لي الموت فسوف أموت أثناء عملية النقل إلى أيِّ مستشفى آخر! قالوا لي شاوِر أهلك! قلتُ: من؟ قالوا: زوجتك وأولادك. قلت: لن أشاور أحدًا، فأنا المالك الوحيد لجسدي. وأضفت أريد أن أتخلّص وأخلِّص غيري من عقدة الخواجا! وأضفتُ باسمًا ثُمَّ ضاحكًا جذلًا جادًا: إنّ لدينا أطباء كفء في المجتمع العربي، أُنظروا إلى كل مستشفيات البلاد، ألا ترون أنَّ معظم المبرِّزين فيها عرب؟ وكانت تلك الكلمات نابعة من طاقة ايجابية أخرى وقوّة لا أدري من أين جاءتني في تلك اللحظة، انتقلت إليهم كما عدوى الضحك والتفاؤل... واستعدّوا على أجوَد وأكمل ما يكون.
شرحوا لي ماذا سيفعلون وأنا أصغي بكل حواسّي. في ليلة ما قبل الموعد جاءني الجرّاح وخبير الأوعية الدموِيَّة فيكتور عسّاف الطبيب الإنسان، وكان يتوقَّع أن أتراجع في أيَّة لحظة (كما قال لي فيما بعد)، دردشنا بعدَّة مواضيع... وربَّما لكي يفحص مدى تماسُكي، قال لي في النهاية: سأذهب لأُصَلي من أجلك ومن أجلي لكي يساعدنا الله... امّا أنت فصلِّ على طريقتك الخاصة. وكنا قد تناقشنا قبل ذلك عن ماهية الله. قلت له: الله في داخلي.. هو الذي يوجِّهني، وعلاقتي معه جيِّدة جدًا، هو الذي يمنحني الطاقة، علاقتي به هي علاقة محبَّة لا علاقة العابد مع المعبود، مبنيَّة على المحبة لا على الخوف، وهو ليس بحاجة إلى صلاتي، الصلاة هي بؤس الإنسان، هي الحط من قيمة الله وكأنّه بحاجة دائمة إلى التفخيم والتعظيم والإطراء، الله يحبُّ عبادة الأحرار، الله في داخلي، ثُمَّ إنّه لم يتّفق المؤمنون على صورة وماهيَّة الله، كلُ منا يتصوَّره من منظوره الشخصي بحسب طبعه وثقافته وخيالاته! ثُمّ أنّك لن تجد اثنين متَّفقين على فكرة الله وعلى معناها...
في الصباح جاءتني إحدى الطبيبات المتدرِّبات وكانت قد أنِست بي من قبل واعتادت على الدردشة معي في شتى المواضيع. ورافقتني مع الأهل إلى باب غرفة العمليات، قالت: كيف وافقت أن تكون فدائيًا؟ قلت: لو كنتِ مكاني ألا توافقين؟ قالت: لا! قلت لها: لن تصبحي طبيبة ناجحة، وبدأت أغني لها وللسامعين أغنية جوليا بطرس نرفض نحنا نموت، قولولُن رح نبقى.. بأرضك والجنوب... لستُ أدري من أين جاءت هذه الأغنية على بالي؟ ربما من إرادة الحياة أو من تلك الطاقة الإيجابية التي امتلأت بها غرفة العمليات، ربما! وفاضت.. كأنها الفيض النوراني لدى الصوفيين، فاضت على الأطباء أبو الفول وعساف والعمري والياس وعادل. هذا غير الذين كانوا بغرفة المراقبة من مدير المشفى حتى مصوّر الأشعة. لقد استغرقت العملية ست ساعات... وكان الصديق العمري يخرج بين الفينة والأخرى ليطمئن الأهل.
لماذا أكتب هذه الكلمات بعد خمسة أشهر؟ لماذا شعرت بالضيق حين لم أستطع الكتابة قبل ذلك؟ لماذا ارتحت حين شاركتكم بتجربتي تلك؟ وما هي الفائدة من كل ذلك؟ لا بُدَّ من فائدة على الرغم من أنَّ كل كتابة هي كتابة شخصِيَّة... فيها أخرج من ذاتي، أنظر إليها من خارجها. أثناء العملية كنتُ في حالة موت مؤقّت، أرقد بسلام، لا أحسُّ بشيء! فهل هذا الموت المؤقت والغياب عن الوعي شبيهٌ بالموت العادي؟ هل هو تجربة أوَّلية له معي؟ قطعًا لا. يقال إنَّ النوم هو موت صغير، هل التخدير الكلّي هو مرحلة متوسِّطة ما بين الموت الصغير والموت الكبير؟ في هذه المرّة لم أعد إلى الوعي وأنا أضحك كما حدث لي بعد عمليّة القلب المفتوح قبل ثلاثة وعشرين عاما، وقد صحوتُ على حلم رائع، أنّني حيوان منوي يسبح في فضاء الرحم، يتنفّس في الوسط المائي، كسمكة صغيرة جدًا لا تُرى بالعين المجرّدة، شعورٌ رائع، ويصادف بُويضة في مثل حجمه فينقر جدارها فأكون أنا! شعورٌ أروع، ولولا المصادفة ما كنتُ لأكون!
أفقتُ وأنا أضحك بصوت مسموع، فأنا وليد صُدفة اللقاء بين منيِ والدي وبويضة أمي في ليلة حمراء وأجواء ساخنة، فوالدايَّ لم يفكرا بي أصلًا، لم يفكّرا سوى باللذة والاستمتاع! وهي الأصل في عمليَّة حفظ النوع. والصدفة لا تتكرر، فأنا هو أنا ولا يمكن أن أتكرر، كما كل واحد أو واحدة منّا. فكما الحياة ظاهرة طبيعية كذلك الموت. نحن نحبُّ الحياة لأننا نعيشها ونعرفها ونكره الموت لأننا نجهله، برغم أنَّه ظاهرة طبيعية.. نهاية طبيعية يُدركها الحصيف، والخوف منه راجع إلى الجهل، فلا هو شرٌ ولا هو خير، رُبما هو التحرر من كل آلامنا ونها يتها. حين يكون لحياتنا معنى ولموتنا معنى نكون سعداء، كما هي حالتي وتجربتي. الموت في الواقع هو تمام حد الحياة، ويساوي بين الناس. ومن لا يدرك معناه يخافه، إننا نخاف من المجهول، والعلاج هو الوعي والعلم بطبيعة الأشياء. يوزّعِ الجهلاء كُتيِّبات من نسج الخيال عن عذاب القبر، وقد بلغ هذا الجهل مداه في هذا العصر حين بالغ هؤلاء الجهلاء وابتكروا أفلام فيديو عنه! هذا هو الاستعمال الخاطئ والسيِّئ للتكنولوجيا، إنَّه صناعة للرعب والخوف والأوهام الساديَّة. العلم يحرر الإنسان من كل هذا الهذيان وهذا اللّاهوت الشيطاني وتخويف العوام وإلجامهم بالعنف اللّاهوتي المرعب والقاسي.
لقد كانت هذه قصّتي مع السيّد أبهر.. من الواقع، لا من نسج الخيال، من التجربة الخاصّة التي فيها فتحتُ الباب على مصراعيه لإجراء عمليات مماثله في المشفى الإنجليزي بالناصرة، لأنَّه دائمًا هنالك أوّل مرّة. قد يقول البعض أنني مجنون، أو أنني مغامر.. لكنني على الأقل تخلّصت من عقدة الخواجا وأوليتُ ثقتي لأطباء أكفاء من بني قومي. راهنتُ عليهم فكسبتُ الرهان.
