مسطرة أبي

single

ابتاع لي أبي، وانا لا أزال في مقتبل العمر، مسطرة من سوق البضاعة المستعملة في حيفا، مصنوعة من خشب السنديان،وذلك بمناسبة دخولي إلى الصف الأول، وكانت تلك هديته الأولى وهي لا تزال بحوزتي، حتى اليوم، أحافظ عليها كمحافظتي على بؤبؤ العين. بهذه المسطرة سطرت دراستي، وبها سطرت برامجي ونهجي في الحياة وبها ومعها ترعرعت وكبرت، وهي لا تزال كما هي متجددة وحادة كحد السيف.
مسطرة أبي هذه، منحتني القدرة على اختيار أصدقائي ورفاقي ومعارفي، وقد وهبتني معلومة بأن للمجتمع والعالم هنالك محوران، محور الشر ومحور الخير .
المحور الأول:عدو الإنسانية ومصاص دمائها،هو أيضا المهيمن على خيرات الأرض ناهبها وسارقها أيضا. محور الدول والإمبراطوريات التي استعمرت وما زالت واستعبدت وما زالت العالم وشعوبه ، من بريطانيا التي لم تغب الشمس عنها حتى أمريكا وفرنسا وايطاليا وغيرهم .
يتمثل هذا المحور أيضا بزين العابدين ومبارك وبشار وعبدالله، والملوك والأمراء والقائمة كبيرة جدا، وأصحاب المصانع والرساميل ناهبي عرق العمال مصاصي دماء الشعوب .
إما المحور الثاني فهو الشعوب المستعمرة والمستعبدة والمضطهدة، والطبقة العاملة مهضومة الحقوق والحرية، والفلاحين ممن نهبت أراضيهم، والطبقة المتعلمة والمثقفة المكتومة أفواهها .
هكذا تعلمت الحياة، وهكذا ما زلت افهمها "أبيض وأسود"، فأنا لا أحب اللون الرمادي، فإما خير وأما شر، علماني أو أصولي، شعوب تكافح وتنتفض من أجل الحرية والعيش بكرامة وقوى تكبح وتضطهد وتسرق خيرات الشعوب .
هذه هي المسطرة، رفيقي العزيز وصديقي جواد، التي يجب أن تلازمنا ما دمنا أحياء وسنورثها لأبنائنا، فلا يمكن لثورة شعب أو انتفاضة أن تنجح إلا بالعزيمة والإصرار كما هو الحال مع الشعب المصري العظيم، الذي ما زال يتمسك بثوابت الثورة ويرفض أي تدخل أجنبي .
فقد رأينا ما حل بالشعب العراقي، الذي حكمه دكتاتور مستبد كصدام حسين، عندما تخلت الأحزاب اليسارية عن مسطرتها وصفقت للمحتل الأمريكي واستقبلته بالورود.
ونرى اليوم ما يحدث في ليبيا من سفك دماء وقتل للشعب الليبي، بكل أطيافه بمساندة ومؤازرة محور الشر الأنف الذكر،الشيء الذي لا ولن أتمناه للشعب السوري المطالب بحريته وحقوقه وكرامته .
هكذا أقيم الحياة وافهمها أبيض وأسود، وإلا كيف نفسر هذا الغزل بين الحركات الأصولية وقوى الشر المتمثلة بأمريكا،مع الإخوان المسلمين في سوريا ومصر وحتى طالبان بأفغانستان ؟ وكيف نفسر وقوف أمريكا بجانب بن لادن، عندما أرسلوه آنذاك يحارب " الكفار الروس" في أفغانستان ؟؟؟
ثم كيف نحلل تقلبات القوى القومية أو المدعية بالقومية كقناة الجزيرة ومفكريها من عبد الباري عطوان "والمفكر العربي" عزمي بشارة وحتى مصطفى بكري ؟؟
ولذلك لا الحاسوب ولا صفحات الفيسبوك التي استعملها يوميا ولا تكنولوجيا وتقنيات العالم أجمع يمكنها أن تحل مكان مسطرة أبي .

 

(البعنة)

قد يهمّكم أيضا..
featured

مقاومة شجاعة... وأسئلة مقلقة

featured

تعدّد الزوجات ومسؤولية المجتمع والدولة - نقاط لا بد من طرحها!

featured

كلمات في المودة...

featured

أزمات لا تنهيها الانتخابات ولكل انتخابات أزماتها

featured

على رِسلِكَ يا شيخ

featured

لروح المرحوم د. محمود عمري: وداعًا أيها الرفيق

featured

جدلية العلاقة بين النضال الطبقي والقومي