من ممارسات "أخلاقيي" الاحتلال: جندي يلوث بيتا في غزة بتهديد "سنعود فورًا"
بذل قادة الحركة الصهيونية، حتى قبل قيام اسرائيل الكثير من الجهد لتوصيف مواقفهم بانها "الاكثر انسانية" و "الاكثر دمقراطية" في الشرق الاوسط.
ونذكر جميعا ان قادة اسرائيل وصفوا احتلالهم للاراضي العربية المحتلة في حزيران العام 1967 بانه "الاكثر انسانية" في التاريخ البشري. وكانت قمة الوقاحة لهذا الادعاء ما اعلنته غولدا مايرسون، أي غولدا مئير، بانها "تعتب على العرب لانهم يجبرون اولادنا نحن اليهود، على قتلهم وذلك من خلال ارسالهم اولادهم لقتالنا". وجاء ذلك القول للدفاع عن جرائم "الجيش الاكثر انسانية واخلاقية" في العالم.
ولكي لا نعود الى التاريخ يكفي ان نتركز فيما يدور في هذه الايام. اذ تنظر المحكمة العسكرية في المنطقة الجنوبية بدعوى ضد جنديين من "جفعاتي"، اجبرا طفلا فلسطينيا من قطاع غزة، وفي اثناء العدوان الاخير على غزة في العام 2008، على فتح حقيبتين لانهما شكا بانهما مفخّختان. وادعى مسؤول الادعاء العسكري العام بان "هذا العمل مخالف لتعليمات العسكرية المتبعة". وان "هذين الجنديين لم يحافظا على ما يسمى بطهارة السلاح".
الغريب العجيب انه لدى النظر في هذه القضية تم الكشف عن قضية اخرى وهي اصدار قادة كتيبة غزة امرا بنسف بيت كامل في غزة على سكانه دون ان يرعوي.
وذكرت اجهزة الاعلام العبرية ان هذه التصرفات متّبعة في نشاط جيش الاحتلال في الضفة الغربية وقطاع غزة المحتلين. وهي معروفة باسم "اسلوب الجار" الا ان البارز في هذه المرة ردود الفعل على مجرد تقديم لائحة اتهام. مع ان الجميع يعرف ان هؤلاء سيدخلون من الباب لكي يخرجوا من الشباك. وسيتم بعد فترة وجيزة منحهم الاوسمة. وهنا لا يدور الحديث عن رد فعل عائلات الجنود. اذ من الطبيعي ان تدافع كل عائلة عن ابنها. بل يدور عن رد فعل المؤسسة الدينية. اذ سارع احد حاخامات التوراة الى اصدار فتوى دينية تقول:"ان دم وحياة الجندي "المحتل" اثمن من حياة الطفل العربي". على كل جندي ان يدافع عن حياته مهما كانت الظروف.
كذلك ادعى بعض العلمانيين ان من شأن هذه الامور ان تؤثر سلبا على قدرات الجيش القتالية لدى ادائها لمهامها.
وسرعان ما تلقف اليمين مثل هذه التصريحات فكتبت المناشير المعادية للمدعي العسكري العام. وكذلك الشعارات المسيئة له على جدران بيوت الحي، الذي يقيم فيه في "بيتح تكفا" الا وهي ملبّس الفلسطينية.
السؤال هو: ماذا ارادت القيادة السياسية في اسرائيل من وراء دفع النيابة العسكرية لتقديم مثل لائحة الاتهام هذه الى جنديين نفذا الاوامر طالما ان كل انسان يعلم حقيقة "ان المجرم ليس من يطلق النار، بل العقل المدبر والدافع والآمر لاطلاق النار".
اولا – اثبات ان بمقدور قيادة المؤسسة العسكرية فحص وضبط تصرفاتها واتخاذ القرارات المناسبة، انطلاقا من "المبادئ الاخلاقية والانسانية، المؤمنة بها".
ثانيا – ان قيادة اسرائيل السياسية ليست بحاجة الى تقارير دولية على نمط تقرير غولدستون لفحص ما يرتكب من جرائم.
ثالثا – التصويب، في هذه المرحلة، على موقف تركيا من احداث اسطول الحرية وجريمة مقتل المتضامنين الاتراك في سفينة "مرمرة"، التي مرمرت العلاقات مع تركيا والرأي العام.
ومما لا شك فيه ان هذه القيادة لن تنجح في تحقيق هذه الاهداف، التي وضعتها امامها، وذلك للاسباب التالية: اولا – ان قوى اليمين الصهيوني المتصاعدة تباعا لن تتخلى عن "اسطورة القوة الضاربة في الشرق الاوسط". وان المقرر ما نفعله نحن لا ما يقوله "الاغيار".
ثانيا – ان القوة العسكرية هي الضامن لبقائنا ولوجودنا، وليس الامتزاج او التعايش مع المحيط الشرق اوسطي المتخلّف.
ثالثا – ان الحليف الامريكي والاوروبي الغربي ما زال، حتى الآن، يدافع عن مصالحنا ومواقفنا. اضافة الى ان ما كان يسمى بمنظومة الدول الاشتراكية تقيم معنا افضل العلاقات.
رابعا – ان النظام العربي الرسمي غير قادر على مجابهتنا
وقد اصبحت يدنا طليقة في اغلبية الدول العربية من مصر الى المغرب الى الاردن والعراق.
خامسا – ان العدو الرئيسي، الا وهو العدو الفلسطيني، منقسم على نفسه. وان قسما منه يرتبط، ارتباطا وثيقا وحياتيا بأمريكا وبالانظمة العربية المعتدلة.
سادسا – ان اغلبية الدول العربية من العراق الى المغرب ومن لبنان الى السعودية واليمن مكشوفة امنيا لنا. وكذلك السودان، الذي نحتفظ فيه باوراق لعب سواء في دارفور ام في الجنوب.
يقينًا ان هذا المنطق لا يأخذ بعين الاعتبار المتغيرات المحلية والاقليمية والدولية. ولهذا فان مصيره السقوط. لا بل السقوط المدوّي. والمعروف تاريخيا ان حسابات قادة اسرائيل اعتمدت طول الوقت على ما لديها من قوة عسكرية وسياسية مؤثرة في الغرب، الا انها لم تحسب حساب ارادة الشعوب يوما ما. ومن هنا سيزداد ويتعمق اصفرار الاسطورة الخريفية والخرافية.
