إعلان الرئيس الفلسطيني محمود عباس عن موقفه بعدم ترشيح نفسه للرئاسة، في الانتخابات التي ستجري في شهر كانون الثاني من مطلع سنة الفين وعشرة، ينطوي على مدلول سياسي خطير جدا على مسيرة الصراع الاسرائيلي – الفلسطيني – العربي.
فهذا التصريح بمدلوله يعتبر بمثابة اطلاق "رصاصة الرحمة" وتجنيز ودفن احتمالات استئناف المفاوضات الاسرائيلية – الفلسطينية. لقد بلغ "السيل الزبى" لدى الرئيس الفلسطيني ابو مازن ووصل الى قناعة تامة انه لا يمكن قطف الدبس من قفا النمس، وان التحالف الاسرائيلي – الامريكي غير معني ابدا بالتسوية العادلة ويمارس على الارض الفلسطينية المحتلة سياسة الامر الواقع من استيطان وجرائم بشكل يجعل أي تفاوض في مثل هذه الظروف فارغ المضمون ولا يستهدف سوى شرعنة برنامج الاحتلال بمنع قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة والتطور.
فحكومة الاحتلال والجرائم الاسرائيلية تستفز الرأي العام العالمي وتستهتر بالموقف الفلسطيني وتتجاهل اتفاقية خارطة الطريق وتسابق الزمن في تصعيد وتكثيف وتوسيع الاستيطان الكولونيالي، وبتهويد القدس الشرقية جغرافيا وديموغرافيا وتمارس التطهير العرقي ضد اهل القدس الفلسطينيين وتواصل البناء في الكتل الاستيطانية. وحكومة الاحتلال والجرائم تلجأ الى التضليل باعلان استعدادها لبدء مفاوضات الحل الدائم مع الطرف الفلسطيني وحالا ولكن دون شروط مسبقة، ولكنها تضع الشروط المسبقة وتمارسها من خلال النشاط الاستيطاني ورفض بدء التفاوض من النقطة التي وصلت اليها المفاوضات ايام حكومة اولمرت – براك – ليفني السابقة، كما تشترط على الفلسطينيين الاعتراف بيهودية الدولة بمعنى التنازل عن حق العودة وحق الشعب الفلسطيني في وطنه الفلسطيني. حكومة اليمين والاستيطان تهدف دخول المفاوضات النهائية للحل الدائم في وضع يتنازل فيه ممثلو الشعب العربي الفلسطيني كليا ونهائيا عن حق السيادة السياسية الفلسطينية على القدس الشرقية التي تضم الى اسرائيل وعلى كتل الاستيطان وعلى التنازل عن حق العودة للاجئين الفلسطينيين، أي لا يبقى لدى الفلسطينيين ما يتفاوضون عليه سوى الرضوخ لقيام محمية كنتونات هشة ممزقة الاوصال فيما بينها تحت رحمة نظام امبراطورية الابرتهايد الاسرائيلية. وقد اتضح للرئيس محمود عباس ان ادارة اوباما الامريكية لم تختلف عن الادارات الامريكية السابقة في دعمها الاستراتيجي متعدد الجوانب لعدوانية حليفها الاستراتيجي الاسرائيلي المنحازة الى جانبه بشكل صارخ. وان ادارة اوباما لا تضغط على اسرائيل لتنفيذ استحقاقات العملية السياسية بل تضغط على السلطة الفلسطينية للتنازل والتفريط ببعض حقوقها الوطنية الجوهرية غير القابلة للتصرف. ففي مثل هذه الظروف فالمفاوضات مضيعة للوقت وعبثية لا طائل تحتها ولا مفر من دفنها والتفتيش عن بديل كفاحي آخر لانجاز الحق بالحرية والاستقلال الوطني، لا مفر من العودة الى الشعب الفلسطيني وقواه الوطنية لرص الوحدة الكفاحية على مختلف المستويات لمواجهة التحديات. ولا طريق سوى وحدة الصف الكفاحية.
