كثيرًا ما كان يردد في خطاباته أمام الشعب المصري طيب الذكر البطل الخالد جمال عبد الناصر، ان حرية الكلمة هي المقدمة الاولى للديمقراطية، وهذه المقولة او هذا الشعار الذي طرحه هذا القائد آن ذاك كان يعني انه ما زال في بداية الطريق لتطبيق كامل الحرية والديمقراطية للشعب المصري، بعد ان عانى هذا الشعب طويلا من حكم الاستعمار البريطاني والملكية فيما بعد. وكان لهذا الرجل شعبية واسعة ما بين اوساط الشعب المصري كافة ويتمتع بشخصية فذة وعالية المقام وخارقة الذكاء والمعرفة. فعندما كان يتحدث كان يعني ما يقول وبصدقٍ وامانةٍ دون تأويل ولا تهويل ولا مراوغة لاهداف وصولية. لهذا احبه الشعب المصري واحبته كل الشعوب العربية دون استثناء وخاصة الشعب الفلسطيني. كنت مثل ملايين الناس التي كانت تترقب خطاباته واقواله في ساحة ميدان التحرير والساحات الاخرى بمصر واستمع باصغاء وتروٍّ لما تضمنه هذه الخطابات من معانِ ودلائل سياسية وغيرها مما تخص الشعب المصري والشعوب العربية ككل، وكان لهذه الخطابات رنينها القومي الوطني الشيق وعمقها السياسي والمعنوي والصدى الواسع الايجابي الذي كان يقع على مسامع ووجدان الشعب المصري وعلى اختلاف مكوناته وشرائحه الواسعة وخاصة عندما كان يتوقف الرئيس خلال الخطاب كنت ترى الجماهير تقف لتحيته هائجة مائجة باصواتها وهتافاتها للرئيس وبمختلف شعارات التأييد المدوية للنهج القومي والسياسي والوطني المعادي للقوى الاستعمارية المهيمنة التي كانت في تلك الحقبة الزمنية، وهي ما زالت للأسف حتى يومنا هذا وبنفس النهج بالاضافة لملحقاتهم من الرجعية العربية المهترئة المرتمية في احضان الاستعمار حتى يومنا هذا.
وهي ابدا لم ولن تتعلم من اخطائها في الماضي وفي الحاضر ايضا. فقد كان جمال عبد الناصر رحمه الله هو من حمل شعلة وراية القومية العربية وهو في عز شبابه وعنفوان نشاطه السياسي الوطني والقومي، من اجل توحيد الامة العربية تحت راية الشعار الذي كانت ترفعه مصر وبدون انقطاع وبدعم من الرئيس والنظام والشعب المصري وهذا الشعار هو: امة عربية واحدة ذات رسالة خالدة. فأين مصر اليوم من هذا الشعار؟ واين موقع مصر السياسي في هذه الايام من كل القضايا العربية؟!
اذًا جمال عبد الناصر هو هذا الزعيم النوعي الاصيل الامين الذي يستحق منا كل الاستحقاق بالتذكر وعدم نسيانه ولا تاريخه وهذا الرجل دخل كل البيوت من ابوابها الواسعة على صعيد الامة العربية وكل العقول والبيوت الشريفة في الوطن العربي وخارج الوطن العربي، أضف الى ذلك ان من كانوا له اعداء قد شهدوا له ومنهم من تأسف على رحيل هذه الشخصية وهذا القائد الفذ الشجاع الذي كان يحسب له الف حساب ليس فقط على مستوى المنطقة العربية فحسب بل على مستوى قادة دول العالم باسره. لقد بكاه وحزن عليه معظم رؤساء دول العالم وخاصة قادة حركات التحرر الوطني التي كانت ترنو الى التخلص والتحرر من نير وقبضة الدول الاستعمارية التي كانت باسطة نفوذها واستعبادها واستعمارها على معظم الدول الافريقية فبفضل دعم وتأييد جمال عبد الناصر لهذه الثورات التحررية استطاعت معظم هذه الثورات التخلص من عبودية ونير الاستعمار الظالم، وان الثورة اليمنية بسنوات الستينيات بقيادة عبدالله السلال آن ذاك لم تكن لتنتصر لولا دعم جمال عبد الناصر بإرساله لآلاف الجنود المصريين لدعم الثورة اليمنية آن ذاك وكذلك الثورة الجزائرية التي قادها المناضل الكبير الشجاع بن بلا رحمه الله الذي وقف على رأس جبهة التحرير الجزائرية لهو اكبر شاهد ودليل على ما قدمه جمال عبد الناصر من دعم سياسي ومعنوي وعسكري لنجاح هذه الثورات. اذا هذا هو الزعيم الذي يستحق ان يلقب وبجدارة واستحقاق بقائد الثورات في العالم العربي والافريقي ايضا . وليس بالحال الذي كان به السادات ومن تبعه مبارك ومن خلفه فيما بعد مرسي الاخواني.
لقد رحلت ابا خالد الرحلة المفاجئة والتي لا عودة منها الى عالم الابدية وتركت حملا ثقيلا خلفك لا يحتمل تركت الامة العربية والاسلامية خاصة تتماشى ما بين مسارب الاحراج كالقطيع لا احد يعرف عن مسرب اخيه حتى ولو اضاعته السبل ودون راعٍ يحرسها من الويلات والمآسي المنتظرة واصبحت هذه الامة في هذه الاوقات العصيبة التي تمر فيها فريسة سانحة ضائعة للذئاب المفترسة والوحوش الكاسرة تتناهشها الانياب المفترسة من كل حدب وصوب، فهل من منقذ او من معين يا ترى؟! ليت ان تصنع عجيبة اخرى تضاف الى العجائب السبعة القائمة اليوم وتصبح ثماني عجائب وهي ان يترجل جمال عبد الناصر من مكانه المحدد (لحده) وان يأتي الى قصر القبة في القاهرة ويرى بأم عينه من هم هؤلاء الاوغاد الجالسون اليوم على ناصية القرار هناك وبالجامعة الامريكية (العربية)، واعتقد ان بهذا المشهد يشد الهمم ويقود ثورة ضباط احرار جديدة تخلص مصر مما هي به اليوم. فهل تتحقق هذه الاحلام والاضغاث، لا اعتقد ولكنها مجرد فشة خلق وعزاء للنفس.
فالصلاة والسلام على روحك الطاهرة ابا خالد يا انبل الناس واعظمها.
(دير حنا)
