انطباعات من وحي الثورات العربية وحركات التضامن معها

single

نواصل، في هذا العدد، ملف "الثورات العربية"، وهذه المرة ننشر وجهة نظر، لكاتبها الزميل الياس نصرالله، ابن مدينة شفاعمرو، والكاتب الصحفي الذي يعيش في لندن ويكتب في صحفها، وهي وجهة نظر تستثير من حولها العديد من الأسئلة التي يحاول ان يجيب عليها الكاتب، تتعلق، تحديدًا، بالحالة السورية الراهنة. وبطبيعة الحال فان صفحات الملحق ترحب بأقلام اضافية تتناول، اذا رغبت، هذه الطروحات وتقوم بمناقشتها. وهذه دعوة مجددة لمواصلة الحوار المفتوح!

 

بالطبع لا يوجد إنسان عاقل يدافع عن ممارسات نظام حكم الرئيس بشار الأسد وحزب البعث، لكن على الذين يشعرون بالتضامن مع المحتجين السوريين أن يرفعوا صوتهم ضد إسرائيل أولاً وقبل كل شيء * إن مطلب إسقاط النظام يعني أنه لا مجال هنا للتفاهم، إما قاتل أو مقتول * من يرفع شعاراً سياسياً عليه أن يكون واثقاً من أنه قادر على تحقيقه، وإلا سينقلب الشعار عليه وعلى المحيطين به

// ويحق لنا أن نسأل جميع الذين يتضامنون مع المحتجين السوريين في بلادنا وغيرها عن موقفهم من الشعارات التي ينادي بها المحتجون السوريون الذين نشاهدهم على شاشات التلفزيون مثل "المسيحي عبيروت والعلوي عالتابوت". فهل هناك عاقل يرضى بالسير وراء مظاهرة ترفع مثل هذا الشعار؟ بل ما هو موقف المتضامنين مع المحتجين السوريين من مطالبة المحتجين للمسيحيين والدروز في سورية بالوقوف مع حركة الاحتجاج أو الرحيل عن سورية. فأي حركة احتجاج هذه؟ وكيف يمكن التضامن معها؟

// "المجتمع السوري يعيش أزمة متعددة الجوانب في الداخل، جوهرها هو التناقض بين الصيغة السياسية التي تدار البلاد بموجبها منذ عدة عقود، وبين متطلبات الديمقراطية والتنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي يحتاج إليها المجتمع السوري، مما أضحى ضرورياً اتخاذ جملة من التدابير الإصلاحية الجذرية، وفي مقدمتها فصل السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية بعضها عن بعض، وتطبيق مبدأ التعددية السياسية على نحو حقيقي ومقونن، وإطلاق الحريات الديمقراطية، وتحقيق سيادة القانون"

// لتفسر لنا حركة الاحتجاج السورية الاستقبال الحافل بالأرز والورود الذي قام به أنصارها في حماة للسفير الأميركي لدى سورية... إن غياب الحقائق عن الناس هو من أبرز الأمور التي يمكن لمسها بسهولة هذه الأيام، رغم كثرة مصادر الأخبار والقنوات التلفزيونية

//

1
تشويش، في غياب حقيقة اساسية


ينشغل أبناء شعبنا مثل غيرهم من الشعوب العربية بأخبار الثورات العربية والتغيير الدائر من حولهم في العالم العربي إلى أبعد الحدود. وهذا دليل على أن أبناء شعبنا ليسوا غير مبالين وليسوا أنانيين، بل أنهم يهتمون بما يجري حولهم ويشعرون مع إخوانهم في البلدان العربية المجاورة أو حتى البعيدة عنهم جغرافياً. لكن من الملاحظ أن هذا الاهتمام مشوب بتشويش غير عادي، لم يسبق أن شهدناه من قبل، والسبب في ذلك هو الإعلام وذلك الكم الهائل من المواد الإعلامية التي يغرق المشاهدون فيها، والتي من المستحيل أن يقدر أي فرد على متابعتها كلها متابعة تامة، فتكون النتيجة في النهاية أن كل فرد يتلقى قدراً محدداً من المواد الإعلامية التي تكون عادة مدروسة وموجهة توجيهاً دقيقاً ضمن عملية مخططة لغسل الأدمغة، فتضيع المعلومات الصحيحة والضرورية بالنسبة للأفراد حتى يكوّنوا مواقفهم بناء عليها، فتكون النتيجة أن الأفكار التي يكوّنها أولئك الأفراد تصبح متأثرة بذلك التشويش، بل هي مشوشة وخاطئة.
ويمكن أن نلمس هذا التشويش بوضوح في غياب حقيقة أساسية جداً عن ذهن الكثيرين، وهي حقيقة أن إسرائيل تتحمل مسؤولية كبيرة عمّا حصل في مصر وسورية وفي تونس وغيرها. فمن المذهل أن الكثيرين لا يلتفتون إلى حقيقة أن إحتلال إسرائيل للمرتفعات السورية المستمر لأكثر من 44 عاماً وحالة الحرب المستمرة التي تجد سورية نفسها فيها نتيجة لهذا الاحتلال هي سبب مباشر في وصول الوضع الداخلي في سورية إلى ما هو عليه. فرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامن نتنياهو الذي يطل علينا بين الفينة والأخرى متفلسفاً بكل وقاحة عن أحقية الشعب السوري بالحصول على قيادة أفضل، يقول هذا الكلام وهو متربع فوق جزء مهم من الأراضي السورية وعزيز على قلب الشعب السوري وبعد أن ساهم هو وحكومات إسرائيل السابقة منذ عام 1948 في محاصرة سورية وشعبها وتشديد المقاطعة الدولية المفروضة عليها سياسياً واقتصادياً وعسكرياً وحتى أكاديمياً، بهدف دفع حكامها للاعتراف بإسرائيل والتنازل لها عن المرتفعات المحتلة. فمن المؤكد أنه لو تنازلت سورية له عنها لكان موقفه منها شبيهاً بموقفه من الرئيس المصري السابق حسني مبارك، موقفاً متعاطفاً معه ولاعناً للشعب السوري ولثورته وربما تمادى وصرح عندها أن الرئيس الأسد بحاجة إلى شعب أفضل.
من المحزن أن البعض تجاهل أن حكام إسرائيل يتحملون مسؤولية مباشرة عن تدهور الوضع الداخلي لسورية التي تنشغل بلا توقف بمساعي إسرائيل العسكرية والسياسية والاقتصادية لتطويعها مثلما جرى تطويع مصر والأردن.
هذا من جهة، أما من الجهة الأخرى، من المدهش حقاً أن بعض الجماعات والأفراد من الفلسطينيين في إسرائيل يبدو أنهم نسوا الموقع الذي يتحدثون منه. فهم يطالبون بسقوط بشار الأسد كما لو أنهم مواطنون سوريون. ويزيد من الدهشة أنه بين الشعارات التي رفعها بعض المتظاهرين العرب في الناصرة مثلاً تضامناً مع المحتجين السوريين، لا يوجد حتى ولو شعار واحد موجه إلى الحكومة الإسرائيلية، على نحو يوحي بأن من رفعوا تلك الشعارات لا يعرفون أين هم واقفون ومن أي موقع هم يتحدثون.
ومن المفيد هنا إجراء مقارنة بسيطة بين المتضامنين الفلسطينيين داخل إسرائيل مع المحتجين السوريين وبين المتضامنين البريطانيين مع الشعوب العربية التي ثارت على حكامها في تونس ومصر واليمن وليبيا. وللعلم فقط فإن كاتب هذا المقال شارك في العديد من المظاهرات التي جرت خلال الأشهر الأخيرة في لندن تضامناً مع ثورات تونس ومصر واليمن وليبيا. وللعلم فقط لم تجر في لندن حتى الآن ولو مظاهرة تضامن واحدة مع المحتجين السوريين. فالتضامن مع المحتجين السوريين مقتصر على الحكومة البريطانية ووزرائها اليمينيون فقط. ولا يوجد له أثر شعبي على الإطلاق. أما تلك المظاهرات في لندن فجرت أمام مباني سفارات البلدان العربية المذكورة وفي شكل خاص أمام مقر رئاسة الوزراء البريطانية في داوننغ ستريت. ورفع المتظاهرون شعارات تدين الحكومة البريطانية بسبب علاقاتها مع حكام تلك البلدان مثل التونسي زين العابدين بن علي والمصري حسني مبارك واليمني علي عبدالله صالح والليبي معمر القذافي.
لكن من الملاحظ أن المظاهرات التي جرت في إسرائيل تضامنا مع المحتجين السوريين اقتصرت على الشارع العربي. ولا بأس في ذلك، لكن كان من المفروض، بل من الطبيعي أن تكون هذه المظاهرات أمام مكتب رئيس الوزراء والمكاتب الحكومية احتجاجاً على الدور الذي تمارسه إسرائيل باحتلالها للمرتفعات السورية ودفعها المنطقة نحو العسكرة، مع كل ما يترتب على ذلك من نتائج، أهمها دفع اقتصاد بلدان المنطقة، وبالأساس سورية، نحو زيادة الإنفاق العسكري على حساب الخدمات العامة للناس وفرص العمل وإفقارهم. فالاحتجاجات التي شاهدناها ونشاهدها في سورية أساسها اقتصادي وسياسة إسرائيل واحتلالها للأراضي السورية سبباً مباشراً في هذا الوضع. فإسرائيل مسؤولة بشكل مباشر عمّا يجري في سورية وعلى الذين يشعرون بالتضامن مع المحتجين السوريين أن يرفعوا صوتهم ضد إسرائيل أولاً وقبل كل شيء.

 

2
موقف اسرائيل من سوريا


من أكثر الأمور الملفتة للنظر في التطورات الأخيرة الحاصلة في الشرق الأوسط هو الموقف الإسرائيلي الرسمي والموقف العام في وسائل الإعلام الإسرائيلية عموماً من الثورات العربية، فكما رأينا في ثورتي تونس ومصر كان المسؤولون الإسرائيليون جزعين من التغيير الذي فرضته جماهير الشعبين التونسي والمصري ومن إسقاط حكم رئيسين من أبرز الرؤساء العرب المتعاونين مع إسرائيل، فكان الخوف من سقوطهما مفهوماً وطبيعياً، وتزايد عدد الندابين الإسرائيليين الذين أقلقهم سقوط بن علي ومبارك. لكن عندما بدأت المظاهرات في سورية تحمس الإسرائيليون، بمن فيهم رئيس الوزراء الذي صرح لا فض فوه أن الشعب السوري بحاجة لزعامة أفضل من الأسد. فنتنياهو المتمسك باحتلال المرتفعات السورية يقرر ما هو أفضل للشعب السوري، ويتضامن مع المحتجين السوريين. فهنيئاً للمحتجين وللمتضامنين معهم على حدٍ سواء.
إن غياب الحقائق عن الناس هو من أبرز الأمور التي يمكن لمسها بسهولة هذه الأيام، رغم كثرة مصادر الأخبار والقنوات التلفزيونية ووسائل الإعلام المختلفة. فقناة "الجزيرة" الفضائية القطرية أصبحت مصدر المعلومات الرئيس لدى أهلنا في فلسطين والبلدان العربية الأخرى، خاصة فيما يتعلق بالأحداث الدائرة في سورية حالياً. لكن من الواضح أن هذه القناة تعمل وفقاً لجدول أعمال محدد لا علاقة له بمصالح الشعب السوري، رغم تأييدها الظاهر للمحتجين السوريين. وعبّر صاحب هذه الفضائية أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، يوم الأثنين الماضي، عن جدول الأعمال هذا بقوله في تصريح نقلته وكالة الأنباء الفرنسية أن "الشعب السوري لن يتراجع"، والمقصود هو عدم التراجع عن شعار إسقاط النظام الذي يرفعه المحتجون السوريون، فقرار تراجع المحتجين عن هذا الشعار أو عدمه لم يبق في أيديهم وأصبح يُملى عليهم من الخارج.
إن اعتماد الناس على "الجزيرة" كمصدر أساسي للمعلومات أدى إلى غياب العديد من الحقائق المهمة عن الوضع الداخلي في سورية. فـ "الجزيرة" مثلاً لم تبلغ مشاهديها أن المتظاهرين المسلمين السنة في درعا خيّروا المسيحيين في المدينة بالخروج معهم في المظاهرات ضد النظام أو الخروج من المدينة، كما أخفت عن مشاهديها مقاطع معينة من المظاهرات التي كانت تخرج في المدن السورية والتي كان المحتجون يهتفون فيها هتافات ذات طابع طائفي. فمثل هذه الأمور قرأنا عنها فقط في وسائل الإعلام الغربية التي ما زال فيها قدر، ولو ضيق جداً، من الموضوعية تفتقر له "الجزيرة" وغيرها من القنوات العربية المرتبطة بهذا النظام العربي أو ذاك.
هذه القنوات أغرقت مشاهديها في الأشهر الأخيرة بأخبار عن أن نظام الأسد يستخدم محققين إيرانيين وقناصة من حزب الله ضد المحتجين، وكأن نظام الحكم السوري أصبح عاجزاً عن تجنيد المحققين أو القناصة. فمن حسن الحظ أن الصحافي البريطاني روبرت فيسك المقيم في بيروت والمعروف بعدائه للأسد ولإيران كتب مفنداً بعض هذه الادعاءات في صحيفة "الإندبندنت"، حين كشف أن مصدر الإشاعة عن المحققين الإيرانيين هو أن المحتجين الذين تم اعتقالهم في سورية خضعوا للتحقيق أمام محققين سوريين من أبناء الجالية الكردية في سورية ولم يكونوا إيرانيين. فهل اهتم المتضامنون مع المحتجين السوريين بهذه المعلومة؟ وظلت هذه الحقائق وغيرها غائبة عن أهلنا الذين يتعرضون يومياً وفي كل ساعة إلى عملية غسل دماغ مخيفة.

 

3
هل المحتجون السوريون مقدسون؟

من الجهة الأخرى تبرز مسألة التعامل مع حركة الاحتجاج السورية ومع المعارضة السورية في شكل عام وضرورة التعرف على هويتها وتوجهاتها السياسية. فمن الملاحظ أن هناك تقديس للمحتجين وللمعارضة السورية المطالبة بإسقاط النظام. وكأن هؤلاء المحتجين وهذه المعارضة أصبحوا فوق النقد.
أولاً وقبل كل شيء ينبغي توضيح أن الثورات في تونس ومصر واليمن وليبيا تختلف كلياً عن حركة الاحتجاج السورية. فالثورات في البلدان الأربع الأولى كانت عارمة وشملت جميع فئات الشعب وأحزابه السياسية، بل كانت قيادات هذه الثورات في داخل تلك البلدان وقادت الجماهير في الشارع ولم تكن في باريس ولندن وواشنطن واستنبول. فيما أن حركة الاحتجاج السورية ظلت مقتصرة على نفر محدود من المواطنين السوريين في مدن وبلدات موزعة على مناطق بعينها دون غيرها في سورية. فدمشق العاصمة وحلب اللتان تحتويان على أكبر تجمع سكاني في سورية لم تشاركا في الحركة الاحتجاجية، رغماً عن مواصلة "الجزيرة" الحديث عن المظاهرات في ريف دمشق. وبإمكان القارئ أن يتصور ما كان سيؤول إليه الوضع في مصر لو أن الاحتجاجات التي خرجت ضد نظام مبارك اقتصرت على مدن جانبية مثل السويس والاسماعيلية أو حتى الاسكندرية أو على الريف دون أن تشارك فيها جماهير القاهرة وتخرج إلى ميدان التحرير. فالجميع يدركون اليوم أنه من دون القاهرة وميدان التحرير لما كانت الثورة المصرية ستنجح. وهذا ينطبق أيضاً على سورية، فعدم خروج دمشق وحلب هو عامل أساسي في فشل حركة الاحتجاج ضد نظام حكم الأسد. ناهيك عن أن حركة الاحتجاج السورية ظهرت بأنها عفوية ولم تفلح في خلق قيادة محلية لتقودها، مما تركها أسيرة في يد قيادات منفية في الخارج غير متجانسة أصلاً ولدى بعضها ارتباطات مشينة واضحة مع أنظمة الحكم العربية الرجعية ومع الدوائر السياسية الغربية المعادية لمصالح الشعب السوري والمؤيدة لاحتلال إسرائيل لأراضيه، خاصة الدوائر السياسية في الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا. فمن حقنا أن نتساءل كيف يمكن لحكومات تدعم إسرائيل، التي تحتل المرتفعات السورية، بالمال والسلاح إلى أبعد الحدود أن تدافع عن مصالح الشعب السوري؟
ما حصل أنه تدريجياً بدأت حركة الاحتجاج السورية تأخذ شكلاً طائفياً مقتصراً على فئة معينة من الطائفة السنية، وبمساعدة من وسائل الإعلام الغربية والعربية الموجهة أضفِيَ على هذه الحركة طابعاً طائفياً مقيتاً ودفع أبناء الطوائف الأخرى إلى النأي بأنفسهم عنها وعن مطالبها. ويحق لنا أن نسأل جميع الذين يتضامنون مع المحتجين السوريين في بلادنا وغيرها عن موقفهم من الشعارات التي ينادي بها المحتجون السوريون الذين نشاهدهم على شاشات التلفزيون مثل "المسيحي عبيروت والعلوي عالتابوت". فهل هناك عاقل يرضى بالسير وراء مظاهرة ترفع مثل هذا الشعار. بل ما هو موقف المتضامنين مع المحتجين السوريين من مطالبة المحتجين للمسيحيين والدروز في سورية بالوقوف مع حركة الاحتجاج أو الرحيل عن سورية. فأي حركة احتجاج هذه؟ وكيف يمكن التضامن معها؟

 

4
لا ندافع عن النظام، ولكن..


بالطبع لا يوجد إنسان عاقل يدافع عن ممارسات نظام حكم الرئيس بشار الأسد وحزب البعث، وهناك داخل سورية أحزاب وحركات سياسية متعددة وطنية تعارض النظام، من ضمنها الحزب الشيوعي السوري (الموحد) بزعامة حنين نمر الأمين العام للحزب، الذي يعتبر أنه متحالف مع حزب البعث من دون أن تكون له مشاركة فعلية في الحكم، على اعتبار أن سورية تمر في مرحلة الدفاع عن أرضها واستقلالها وهي مرحلة شبيهة بمراحل التحرر الوطني، وينبغي تجميع كل الطاقات والقوى السياسية في سورية في جبهة واحدة للتصدي للهجمة الإسرائيلية والإمبريالية على وطنهم. مع ذلك فإن هذا التحالف لم يمنع الحزب الشيوعي من توجيه أقسى النقد للأسد وللبعث. ففي بيان اللجنة المركزية للحزب الصادر عقب الاجتماع الموسع للجنته المركزية في 11 حزيران 2011 ورد ما يلي: "أن المجتمع السوري يعيش أزمة متعددة الجوانب في الداخل، جوهرها هو التناقض بين الصيغة السياسية التي تدار البلاد بموجبها منذ عدة عقود، وبين متطلبات الديمقراطية والتنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي يحتاج إليها المجتمع السوري. مما أضحى ضرورياً اتخاذ جملة من التدابير الإصلاحية الجذرية، وفي مقدمتها فصل السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية بعضها عن بعض، وتطبيق مبدأ التعددية السياسية على نحو حقيقي ومقونن، وإطلاق الحريات الديمقراطية، وتحقيق سيادة القانون". في هذا البيان تشخيص دقيق للوضع داخل سورية والمأزق الذي يعيشه الحكم والشعب على حدٍ سواء وإشارة واضحة لطريقة الخروج من هذا المأزق.
أما المحتجون السوريون فقد رأوا أن الخروج من المأزق لن يتم إلا عن طريق إسقاط الأسد، ورفعوا شعار إسقاط النظام. فشتان ما بين هذا المطلب وبين مطلب القوى الوطنية داخل سورية وليس فقط الحزب الشيوعي، بل هناك أحزاب وحركات أخرى عديدة تنادي بما ينادي فيه الحزب الشيوعي أيضاً. فموقف القوى الوطنية السورية نابع عن مسؤولية ونضج سياسي ومعرفة جيدة للشارع.
إن مطلب إسقاط النظام يعني أنه لا مجال هنا للتفاهم، إما قاتل أو مقتول. فلو أن الحركة الاحتجاجية كانت قادرة على تجنيد الشارع وراءها، مثلما جرى في مصر وتونس واليمن مثلاَ، لكان الوضع مختلفاً، ولأصبح مطلب إسقاط النظام مسألة فيها نظر. لكن أثبتت حركة الاحتجاج السورية أنها عاجزة عن تحقيق هذا الشعار بقواها الخاصة، فلم يبق أمامها سوى الاستعانة بقوى خارجية. وهذا ما قادها إلى أحضان القوى الإمبريالية والرجعية في العواصم الغربية والعربية.
من حقنا أن نطالب حركة الاحتجاج السورية بإعطائنا تفسير للاستقبال الحافل بالأرز والورود الذي قام به أنصارها في حماة للسفير الأميركي لدى سورية. بل من حقنا أن نطالب المتضامنين مع حركة الاحتجاج السورية أن يفسروا لنا هذا الموقف وأبعاده. إن ارتماء حركة الاحتجاج السورية وأطراف المعارضة المنفية في الخارج في أحضان الغرب واستعداء هذا الغرب على الوطن وصمة عار في جبين هؤلاء المحتجين والمعارضين معاً. فعلى المحتجين والمعارضين أن يُثبتوا لشعبهم أولاً وقبل شيء ثم لنا ثانياً أنهم وطنيون وليسوا مستعدين لأن يكونوا أداة في أيدي القوى الخارجية المعادية لبلدهم.
فالمحتجون السوريون ورموز المعارضة في المنفى أصبحوا يلعبون دوراً شبيها بالدور الذي لعبته الأحزاب الدينية والكردية العراقية في استعدائها للغرب على الرئيس العراقي السابق صدام حسين ونظام حكم البعث في العراق، قبل احتلال العراق عام 2003 وإبانه. فيما وقف الوطنيون العراقيون الشرفاء وعلى رأسهم الحزب الشيوعي العراقي ضد هذا النهج وعارضوا الحرب الأميركية البريطانية لإسقاط صدام وقالوا أن هذه المهمة ينبغي أن تترك للشعب العراقي. فأين هم الوطنيون الشرفاء في سورية؟ إنهم بالتأكيد ليسوا في باريس ولندن واستنبول، بل في دمشق عاصمة الأمويين ومعقل حركات التحرر الوطني العربية قديماً وحديثاً. فهؤلاء الوطنيون الشرفاء ومن ضمنهم الحزب الشيوعي السوري هم الذين ينبغي أن يستنير المتضامنين مع المحتجين السوريين بمواقفهم، ونبذ المعارضة المشبوهة ورموزها أمثال المعارض السوري فريد الغادري الذي ما زال أهلنا يذكرونه جيداً منذ زار إسرائيل عام 2007 وحل ضيفاً على الكنيست وتجوّل في عدة مدن من بينها حيفا. يا حيا الله بهيك معارضة!
إن الإصلاح السياسي في سورية مطلب وطني لذلك كان من المستحيل أن توافق القوى الغربية عليه. فهي حتماً لا تريد الإصلاح السياسي، بل تريد تطويع سورية للمصالح الإمبرالية وخدمة لمصالح إسرائيل. فمن يرفع شعاراً سياسياً عليه أن يكون واثقاً من أنه قادر على تحقيقه، وإلا سينقلب الشعار عليه وعلى المحيطين به، وهم في هذا الخصوص الشعب السوري برمته.

 

(لندن)

قد يهمّكم أيضا..
featured

التصعيد العسكري الاسرائيلي ضد قطاع غزة - اهدافه وابعاده

featured

المقاربة الروسية الاستباقية: تبشير بنهاية الأحادية القطبية

featured

على درب الكفاح

featured

هل سيعود البطل الى المنارة ليجدها تعمّرت..

featured

توفيق زيّاد في الثمانين!!

featured

لن ينفع سوى الضغط!

featured

التغيير المقترح لقانون التنظيم والبناء