بينما كان الشعب الإسرائيلي يهلّل ويكبّر لحرب الأيام الستة 1967، منشدين وراقصين على أسوار القدس، كان البروفيسور "يشعياهو ليفوفيتش" يندب مصير دولة إسرائيل بعد اتساع رقعتها، وتقوية نفوذ إمبراطوريتها، عن طريق السيطرة على شعب آخر، وتجريده من الحرية والعيش بكرامة في ظل احتلال غاشم، لا يتعامل إلا بالقوة، والعنف والعزل والتجريد من ابسط الحقوق، وفي المقابل في النصف الثاني من القرن العشرين وبداية الألفية الثالثة سقطت عروش، وانهارت ممالك وإمبراطوريات والشعب الإسرائيلي كأهل الكهف مُغيّب عمّا يحدث في العالم. فأمريكا انسحبت من فيتنام بعد حرب ضروس دامت عشرين عامًا تجرجر أذيال الخيبة مع نصف مليون معوّق، إلى كوريا الشمالية والجنوبية واليابان وكمبوديا، وقد نهضت هذه الشعوب لتضاهي الدول الأعظم في صناعاتها التي تتصدر الأسواق.
إن الحرب الباردة انتهت، وسباق التسلح أصبح في خبر كان، وباتت الأسلحة القديمة مصدر قلق وإزعاج لكونها معادن تبعث السموم والغازات، وتلوث البيئة التي أصبحت في مركز الاهتمام، وباتت أسرار هذه الصناعات معولمة، ولم تعد حكرًا على أي قطب. حتى سفينة الفضاء الأمريكية "كولومبيا" معطلة، بعدما عادت إلى قاعدتها ولم تطلق ثانية، أما رجال الفضاء الذين عملوا عليها فهم اليوم عاطلون يبحثون عن تأهيل مهني .
إننا اليوم نشهد تحالفات دولية، من اجل دعم الاقتصاد والتبادل التجاري كما هو الحال في الاتحاد الأوروبي لتعزيز حياة الإنسان، وضمان العمل ولقمة العيش. وما ترتب من هدم الجدران في ألمانيا وفتح الحدود مع الدول المجاورة.
أما في هذه الدولة، إسرائيل، فالامر على النقيض مما يجري في العالم، فبناء الجدران على قدم وساق، مع الحدود المصرية بطول 150 كم، إضافة إلى الجدار العنصري في الضفة الغربية، دليل تقوقع الحكومات الإسرائيلية، والليكود منها.
إن حرب الـ 67 كانت مفصلا هامًا في الحياة الاقتصادية والاجتماعية، فبعد أن كانت إسرائيل دولة رفاه اجتماعي،أخذت تتراجع نتيجة سياسة الاحتلال، فقد حوّلت الحكومات المتعاقبة الميزانيات الكبيرة للاستيطان، وتوحيد القدس، ومد الجسور والشوارع الالتفافية، وبناء المجمّعات السكنية الكبيرة كمدن كحال أي احتلال ولضمان حياة هؤلاء المستوطنين.
تتكلف الحكومة من خزينة الدولة ومن الضرائب التي يدفعها المواطن الإسرائيلي إقامة الحواجز لحفظ الأمن والاستقرار.
هذه الروح التوسعية، على حساب الشعب الفلسطيني تمارسها الحكومات وكأنها في سباق مع الزمن.
إن محاولة شرعنة الاحتلال على مدى خمسة عقود عن طريق الاستيطان المكثّف، وبناء الحواجز والجدران والقوى العاملة في الأمن من أبناء الشعب الإسرائيلي لم يعد مطمح أي شعب من شعوب الأرض، وصرف الميزانيات الطائلة على حفنة من عنصريين، سائبين كالقطعان، خارجين عن طائلة القانون، يعيثون الفساد والدمار كسدوم وعمورة ويحميهم جهاز الأمن الإسرائيلي. والجهاز الصحّي يترهل وأصبحت صحّة المواطن على كفّ عفريت، فان دلّ ذلك على شيء فإنما يدل على ان سياسة إسرائيل تُمجّد العنف وقوة الذراع، وان المباهاة بحقوق الإنسان، ما هي إلا حبر على ورق، فقد بات المواطن الإسرائيلي عبدًا لدفع المستحقات، وهذه الشريحة – التي تدفع – لا تزيد عن 15-20% إذا انطلقنا من نقطة، ان المتدينين لا يخدمون بالجيش وان 20% هم في سن الشيخوخة و20% أطفال.
إن سياسة التقليصات لصالح الاحتلال والاستيطان قضت على جهاز التعليم الرسمي وبالتالي زعزعت مكانة المعلم المربّي، ونتيجة لهذا الوضع، فقد ظهرت المدارس الخاصة، التي أقساطها تفوق الأقساط الجامعية. واليوم الضحية الثانية الأطباء- الملائكة البيض – الذين يشكلون العصب الرئيسي لحياة الإنسان، ناهيك عن محاولة خصخصة المستشفيات، ذلك الاقتراح اللعين الذي تقدم به اولمرت رئيس الحكومة السابق عندما أضرب الأطباء قبل تسع سنوات.
إن استقالة الأطباء والمتخصصين منهم بهذا الكم الهائل، ما هو إلا ردّ فعل للامتهان العظيم لهذه المهنة الإنسانية، التي تتعالى عن الصراع، وعن العرق واللون والجنس. إن مهنة الطب لا تعرف إلا العطاء الإنساني اللا محدود، والتضحية بكل ثمن من اجل الحياة، حياة البشر النوعية، فلا يمكن للسلطات تحميل الأطباء ضمير الدولة وضمير المواطنين، لان السلطة عاجزة، تتعامى عن المطالب الإنسانية، بسبب رهنها لشعبها لصالح حفنة من الطامعين والطامحين وتجار الحرب. هذا غير مستبعد لان هنالك سوابق خطيرة، قامت بها السلطات الإسرائيلية، عندما خطفت الأولاد اليمنيين، وعندما أخضعت الأولاد الشرقيين إلى الأشعة في مكافحة "الحزاز- حزيزت" التي ارتكبتها وزارة الصحة خلال سنوات 56-57 لصالح الأبحاث الأمريكية وبموجبها تقاضت إسرائيل مبلغًا من الولايات المتحدة. وبقي هذا الأمر سرًا، حتى كشف النقاب عنه سنة 95، وبموجبه تقاضى البعض تعويضات بعدما فتكت الأمراض السرطانية في الرأس.
إن محاولة الدوس على هذه المهنة المقدسة، كما جرى الدوس على مهنة التعليم، جريمة نكراء يدركها الأطباء، وتعامل رئيس الحكومة - وزير الصحة، مع الأطباء بهذه الفوقية، وهذه المماطلة، والانهماك بتوصيات طرخطنبرغ، وكأنها الترياق، الذي سينقذ الدولة من إسقاطات الساسة المتعاقبين، الذين فضّلوا العيش على رؤوس الحراب عقودًا من الزمن.
إن تحويل مليون هنا وآخر هناك، لا يشفي العليل، ولا الغليل، فالإهمال عمره طويل كطول الاحتلال، وان خطة الاشفاء، ما هي إلا خطة سنوية في إطار الميزانية للعام القادم. فلا ضمان للسنوات القادمة، فهذه الخطة أو توصيات طرخطنبرغ، ما هي إلا عملية ترقيع لقميص قد تهلهل وتمزق، والرياح لا تزال تنفذ منه إلى الجسم.
المطلوب هو الجنوح إلى السلام العادل والشامل، بعد إسقاط حكومة اليمين، وعلى الشعب الإسرائيلي ان يدرك، ان مصابه أليم ولا يمكن البرء من هذا الداء إلا بالانسحاب الكامل، وانتهاج سياسة العدل والمساواة بين جميع طبقات الشعب.
(حيفا)
